الله : ظاهرة يستحيل اختزالها في الظاهرة
06 فبراير 2016 | 0 تعليق

ذوات

إذا كان الله يحضر في الغياب ويغيب في الحضور فهو إذن ظاهرة يستحيل اختزالها في الظاهرة. أي لا يمكن أن يكون حضوراً يُستحضَر فيُقبض عليه بالمعرفة والنظرية. إنّه بهذا المعنى أثر لا ينكشف إلا من خلال الإنسان الذي هو شرط تجلي الله اللامتناهي لهذا الإنسان المتناهي، وتجليه له من خلال وجهه، لأنّ الوجه العاري يُفصح عن الضعف الرهيب، لكنه في الآن نفسه يُفصح عن قوة مطلقة آمرة، لسان حالها يقول: "لا تقتل". وعليه؛ فالإنسان لا يقتل الإنسان إلا ماديّاً ويستحيل عليه قتله أخلاقيّاً.

على الرغم من أنّه ليس من السّهل تقديم ترجمةٍ عربية لنصٍّ في فلسفة الدين لإيمانويل ليفيناس، كون ليفيناس لم يُقدَّم إلى القارئ العربي كفاية ولم يُتعرّف عليه إلا باعتباره فيلسوف الآخر والوجه، إضافة  إلى توعّر عبارته وتمنعها على الترجمة وعلى كل قراءة لم تعزم عزماً قوياً على خوض مغامرة مغادرة أرض اللغة التي ألفتها. لذلك تريد هذه المقدمة أن تكون دعوة إلى قراءة هذا النص الذي يحتاج الإمساكُ به إلى صبر وأناة، إلا أنّ الباحث المغربي حسن الوفا، تمكن من تقديم ترجمة لمقال "إله إنسان" لإمانويل ليفناس.

ويتناول ليفيناس، وفق ما يشير الباحث المغربي الوفا في مقدمة ترجمة المقال الذي نشر على الموقع الرسمي لمؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، بعنوان "إله إنسان"، هنا مسألة الإنسان-الإله، باعتبارها حجر الزاوية في المسيحية، مناولة فلسفية "فينومينولوجية"، بل بالأحرى مناولة إيتيقية. لذلك لا يمكن معالجتها فلسفياً إلا لأنّها تتيح أمرين اثنين: أولهما التفكير في التعالي La transcendance وعلاقته بالمحايثة L’immanence وهما المفهومان اللذان يحيلان إلى علاقة الله بالإنسان، وثانيهما التفكير في وضع الديني Le religieux ما بعد الدين La religion الذي أعلنت عنه العبارة النيتشوية (لقد مات الله). ويراهن من وراء ذلك على تخريج قول حيٍّ في الذاتية الإنسانية وهويتها تكون فيها علاقة الإنسان بالإنسان علاقة أصيلة من حيث إنّها شرط انكشاف الإلهي، ومن حيث إنّ الإلهي هو شرط ظهورها. وهو ما يستلزم إجراء انعطاف حاسم في الفكر الفلسفي من الأنطولوجيا إلى الإيتيقا.

ويضيف الوفا أنّ التفكير في التعالي وعلاقة الإنسان به يبدو فينومينولوجياً يدفعنا إلى مواجهة المشكل التالي: كلّ معرفة إنّما هي استيعاب وتملك للمختلف ولآخر الفكر في مقولات الفكر (الأنا أفكر أو الـ"نفسه") وفي مفاهيمه النظرية. وإذن؛ تُنفى آخرية الآخر وخارجانيته وتعاليه ويُجعَل مطابقاً للذات وجزءاً منها ومحايثاً لها. وهذا على وجه التحقيق هو العمل الخاص بالفكر عندما ينظر إليه من حيث هو وعي، أي مرآةً تعكس الخارج وتعكس ذاتها على الخارج.

ومثلما جاء في النص الأصلي لليفيناس فإنّ الفلسفة هي إخراج الأمور إلى باحة النور، ووفقاً لتعبير رائج، أُطلق لكي يتم التسطير على الطابع الصريح للعمل الذي تقوم به، تُعدّ الفلسفة كشفاً. كيف يمكن إذن، مادام الأمر على هذا النحو، التفكير كفيلسوف في مفهوم ينتمي إلى حميمية مئات الآلاف من المؤمنين؛ مفهوم يمثل سر أسرار ثيولوجيتهم، ويربط فيما بينهم منذ نحو عشرين قرناً، هؤلاء الذين أقاسمهم المصير نفسه، وأقاسمهم معظم أفكاري ما عدا الاعتقاد الذي هو محط مساءلة الآن؟

http://goo.gl/6bOf0V

 

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق