المسيح... لماذا أتى؟ و بماذا؟
07 يناير 2016 | 0 تعليق

*باحثة مصرية
ياسمين عزيز عزت*

لم يأت المسيح بديانة جديدة كما يظن غالبية البشر، ولكنه ببساطة أتى ليهدم صرح الدين كطريق انتهجه الناس للوصول إلى الله.أغلب الناس لا يعرفون هذا -بالذات في منطقتنا- ربما لغلبة العقل الجمعي على العقل الفردي؛ فقليلون هم الذين يجرؤون على السير منفردين في الطريق، ليصلوا إلى النتائج بأنفسهم، وقليلون هم من يثقون بعقولهم، ويغلبونها على ما يلقنونه في الكنيسة، أو الجامع، أو المنزل.ولا تحاول الكاتبة بدورها فرض تجربتها على القارئ، لكنها تتمنى دفعه إلى البحث بنفسه.

تؤمن الكنيستان التقليديتان بالطقوس الكنسية كطريق للخلاص؛ أما الكنيسة الإصلاحية، فتؤمن بأن الإيمان وحده هو الطريق، وأنك بتلاوة صلاة تسليم ذاتك للمسيح بإخلاص فقد خلصت.الخبر السيء هنا هو أن كل الآخرين بمن فيهم المسيحيين الآخرين(على اختلاف الطوائف والمذاهب ) ذاهبون إلى الجحيم أيا كانت شخصياتهم أو طيبتهم ومقدار صلاحهم، فقط لأنهم لم يمروا بتجربة تسليم الذات التي يجب أن تتم بشكل دراماتيكي ينتقل فيه الشخص من حالة الشر إلى حالة الخير، وذلك بشكل معجزي ّ!

أولا، لا يمكن أن ندين أي شكل من أشكال العلاقة بين الإنسان والله، سواء كان الشخص مسيحيا تقليديا أو إصلاحيا، أو حتى غير مسيحي على الإطلاق، فمن حقه أن يتعبد بالشكل الذي يريحه طالما لم يؤذ أحدا أو يفرض عليه دينه أو عقيدته، لكن من قال إن الطقوس الحرفية هي الطريق الوحيد للمسيح؟ وكيف ندعي أن المسيحية جاءت بهذا النظام الديني المحكم، ونحن لا نجد في الكتاب المقدس أي ذكر لهذه الطقوس، إذا كنت تؤمن بأنها تطور أو تطبيق للوصايا وضعه الآباء، وهو أمر يريحك أن تنتهجه فلا بأس، ولكن كيف لك أن تزعم أن هذا هو التفسير الوحيد وغيره خروج عن المسيحية؟

يقر الإنجيل بأن: "من يظن أنه يعلم كل شيء فهو لم يعرف بعد شيئا كما ينبغي". أيتماشي هذا مع الديانة الدقيقة المنظمة التي تضع تصورا محكما لكل التفاصيل؟ وهل نجد فيها الروح التي نجدها في كلمات المسيح عن : الريح "الروح"التي تهب كيف تشاء و لا تعلم من أين تأتي ولا أين تذهب، ولكنك تسمع صوتها ؟ وقد نقض المسيح إحدى الوصايا، نقض السبت المقدس وقال كلمته الرائعة : "إن الوصية جعلت للإنسان لا الإنسان للوصية". أترى الفكر الذي تعبر عنه هذه الكلمات وغيرها؟

 هذه الكلمات موجهة للقارئ غير المتحيز، فمعلوم مسبقا الردود المعدة سلفا، والتفسيرات التي تضعها كل كنيسة "لبعض" كلمات المسيح حتى تحولها بقدرة قادر إلى أدلة لا يمكن مناقشتها على انفراد هذه الكنيسة أو تلك بالحقيقة المطلقة. هذه الروح أو هذا الاتجاه نفسه غير مفهوم أو مبرر؛  فالكتاب المقدس ذاته يقر الثورة على الآراء المحفوظة العقيمة، يقر الثورة حتى على قراءته كناموس جامد عندما يقول : "إن الروح يحيي لكن الحرف يقتل".وهناك في العهد القديم نجد هذا المعنى واضحا في حادثة المن الذي نزل من السماء على بني إسرائيل، والذي نهى الله عن أكله "بائتا"، قال المسيح عن نفسه: "أنا المن النازل من السماء"، ويقول الإنجيل عن المسيح إنه "كلمة الله " .فكلمة الله ليست لقمة بائتة محنطة، بل هي جديدة كل يوم، أتلمح أي حض على التطور هنا ؟ على الحرية؟

لماذا يخشى المتدينون الحرية، إذا كانوا يؤمنون بوجود إله حقيقي حي؟ لماذا يخشون حدوث الفوضي كما لو كانوا متروكين ؟ أم أن تمسك الإنسان بعقيدة معينة يراها الطريق الوحيد للخلاص وغيره هالك أمر يشعره بتفرده وتميزه باستحقاقه مكافأة على ما بذله من "جهد" ؟ يتحدث الكتاب عن هؤلاء الباحثين عن مجد أنفسهم لا مجد الله.

مجد الله يتحقق عندما نشعر بقبوله لكل من يبحث عنه ويتجه إليه بقلب نقي، أرى المسيح مخلّصا نعم، ولكن لكل من يبحث عن الله حتى هؤلاء الذين لا يعرفون أنهم يعرفونه، قد أعرفك بقلبي حتى وإن جهلت اسمك، رأيت قلوبا من ذهب لأشخاص لا يحملون أسماء جورج ومايكل وكاترين، وتعجبت كيف لا يرى البعض المسيح في هؤلاء، ورأيت أيضا أشخاصا دائمي التردد على الكنيسة ويمارسون الشعائر والوصايا حرفيا، لكنهم قساة القلوب، المسيحية لا تبشر "بالمسيحيين "، لكنها تبشر "بالمسيح".

كيف لا يرى الناس اتساع حضن الله، إن لم يكونوا يدركون هذا بالبديهة و "common sense "بحسب التعبير الأمريكي، وبحسن الظن في الخالق، فالمتدينون يقرؤون كل عام قصة الميلاد، ويقرؤون عن هؤلاء الحكماء من المشرق "المجوس"الذين وصلوا إلى المسيح عن طريق النجوم ! لكن أتجرؤ على ذكر الديانات الشرقية كالبوذية؟ أو على ذكر علم الأبراج مثلا لمسيحي أمريكي متدين على الطريقة "الخلاصية " المعتادة ؟

أتذكر شعوري عندما قرأت العبارة الذهبية التي قالها بولس الرسول في رسالة روما التي يضمها الإنجيل عن هؤلاء الذين ليس لهم ناموس، "فهم ناموس لأنفسهم متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس". و أن العبرة بمن يفعل لا بمن يسمع، شعرت أني عثرت على كنز، على مفتاح الحياة نفسه!

 يحب المتدينون في كنائسنا الشرقية اقتباس كلمة المسيح عن أنه "لم يأت لينقض (أي ينقض الشريعة، الدين) بل أتي ليكمل " كأنه يقول إنه أتي ليزيد من الوصايا والفروض، مع أن الرسائل الموجهة إلى الكنائس، والتي يضمها الكتاب المقدس تنهي صراحة عن "التهود"، أي العودة إلى شريعة موسى. عندما أثير موضوع الختان الذي هو رمز الدين اليهودي كما المعمودية رمز المسيحية عند الكنائس التقليدية قال: "إذا اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا"، كان المسيح يقصد بعبارته أن "الدين" ناقص، فهو يحفظك حتى مجيء البر، ولكنه ليس البر إذ أنه يركز على السلوك. أما رسالة المسيح، فهي رسالة قلبية تهتم بالقلب، الجوهر لا بالمظهر، ولذا ففيها الكمال الذي ينشده الروح المحيي، ليس كمال الفعل ولكن كمال النية، كمال محبة الله والكون للإنسانية وفي الإنسانية الضعيفة المعذبة، كما هي بلا زيف ولا ادعاء،  ولا محبة ولا التحام إلا في الحرية، وفي الاتساع.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق