المعرفة والحقيقة
01 نوفمبر 2015 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

بين المفكر "أندري كونت سبونفيل" أن معرفتنا بالأشياء – على سعتها – تظل محدودة، ونحن في حاجة إلى أحد مستحيلين:

 إما علم مطلق أو عقل لا متناه، "ولكن هذا لا يعني، بالرغم من ذلك، أننا لا نعرف أي شيء؛ وإلا فكيف يتسنى لنا أن نميز بين المعرفة والجهل؟ إن سؤالي مونتاني: "ما الذي أعرفه؟)، وكانط: "ما الذي بوسعي أن أعرفه؟ وكيف؟ وبأية شروط؟) هما سؤالان يفترضان تصور حقيقة ممكنة على الأقل. أما إذا كانت هذه الأخيرة مستحيلة، فلن يكون باستطاعتنا أن نفكر، ولا جدوى حتى من الفلسفة" على حد تعبيره.

وبين "سبونفيل"، في بحث نشرته مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث على موقعها الإلكتروني، بترجمة الباحث حسن أوزال، أن "المعرفة والحقيقة مفهومان مختلفان، إلا أنهما كذلك متداخلان حد التعاضد. فما من فكرة تكون هي الحقيقة، لكن كل معرفة لا تكون حقيقية لن تغدو قط معرفة (ستغدو هراء وخطأ ووهماً..)، وما من معرفة تكون مطلقة؛ لكنها لا تكون معرفة – وليس مجرد اعتقاد أو رأي – إلا بقدر ما تسمح به وتنطوي عليه من إطلاقية"، مستدلاً على ذلك بحركة الأرض حول الشمس التي لا يحيط بها أحد بمعرفة كلية مطلقة، دون أن ينفي ذلك أن تكون هذه الحركة موجودة بالفعل؟

ويرى "سبونفيل" أنه "ما من نظرية حقيقية بالمطلق ولا حتى قابلة للاختبار كلياً. لكنه ينبغي عليها مادامت نظرية علمية أن تسمح بإمكانية المواجهة بالتجربة وأن تختبر وأن تفند على حد قول بوبر، وبتعبير آخر، أن نستطيع في أسوأ الأحوال أن نبرز بطلانها. أما النظريات التي تصمد أمام هذه الاختبارات، فهي ما يحل محل النظريات التي تفشل وذلك إما باستدماجها وإما بتجاوزها". ويستنتج بناء على ذلك أن كل ذلك إنما يعد "انتقاء حضارياً" على حد تعبيره.

ما من نظرية حقيقية بالمطلق ولا حتى قابلة للاختبار كلياً. لكنه ينبغي عليها مادامت نظرية علمية أن تسمح بإمكانية المواجهة بالتجربة وأن تختبر وأن تفند على حد قول بوبر، وبتعبير آخر، أن نستطيع في أسوأ الأحوال أن نبرز بطلانها. أما النظريات التي تصمد أمام هذه الاختبارات، فهي ما يحل محل النظريات التي تفشل وذلك إما باستدماجها وإما بتجاوزها.

وشدد "سبونفيل" على ضرورة التمييز بين "الارتيابية" و"السفسطائية" في هذا المجال لأن الارتيابية تقتضي أن نعتقد مثل "مونتين" و"هيوم" أنه لا شيء حقيقي. أما السفسطائية، فتعني "أن نتصور بألا شيء حقيقي"، ويتساءل إنكارياً إن كان علينا – بعد هذا – أن نكف عن التفكير؟ ويجيب: "أبداً". يقول: "أما أن يكون السفسطائيون على ضلال فهو ما لا يمكننا بالتأكيد أن نثبته (مادام أن كل إثبات يفترض على الأقل فكرة الحقيقة)؛ لكن أن يكونوا على صواب فهو ما لا يمكننا أن نتصوره دون تناقض. لو لم تكن هنالك حقيقة، ما كان حقيقياً اعتبارنا أن ليس هنالك من حقيقة. لو كان كل شيء خطأ، كما كان يريد نيتشه، لغدا من الخطأ اعتبارنا أن كل شيء خطأ. تبعاً لذلك، فالسفسطائية في تناقض (خلافا للارتيابية) ولا تفتأ تخرب نفسها كفلسفة. أما السفسطائيون فلا يكترثون للحقيقة"، ويتساءل: "فهل يزعجهم أدنى تناقض؟ بل وما حاجتهم إلى الفلسفة؟ لكن الفلاسفة منذ سقراط كانوا أكثر انشغالاً بها (أي بالحقيقة)".

وفي خاتمة مقاله يوجه "سبونفيل" الدعوة إلى "سفسطائية كل فكر ينذر نفسه لشيء آخر عدا ما يبدو حقيقياً، أو كل فكر يخضع الحقيقة لشيء آخر عدا ذاتها (ومن قبيل إخضاعها للقوة، للمصلحة، للرغبة، للإيديولوجيا...) أما المعرفة فهي ما يصوننا منها على المستوى النظري مثلما تصوننا منها النزاهة على المستوى العملي".

كما يحث "سبونفيل" على ضرورة البحث عن الحقيقة "ليس لأننا لن نعرف أي شيء، وهو ما ليس صحيحاً أبداً، بل لأننا لن نعرف أبداً كل شيء".

للاطلاع على البحث كاملاً المرجو النقر هنا:

http://goo.gl/fra3kg

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق