المفكر العراقي الخزرجي ل"ذوات": أزمة الوعي العربي تكمن في اﻷمية اﻷخلاقية وتغييب روح المواطنة
28 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

حاوره: همام طه*

يرى المفكّر والأكاديمي العراقي حسن فاضل الخزرجي أنَّ المجتمعات العربيَّة إذا أرادت الالتحام بالحضارة المعاصرة فإنَّ أنسب باب لها هو الفلسفة؛ بكلّ ما فيها من فاعليَّة العقل والاجتهاد وديناميكيَّة العلوم والمعارف. ويتابع: "إنَّ جملة الأزمات الراهنة؛ الأخلاقيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة، والمنهجيَّة، لا يمكن تفكيكها وتقديم الحلول الناجعة لها من دون فكر فلسفي، ولا توجد أمَّة في التاريخ نجحت في علاج مشكلاتها من غير الفلسفة والعقلانيَّة".

المفكر العراقي حسن الخزرجي: أزمة الوعي العربي تكمن في الأميَّة الأخلاقيَّة وصراع القيم وتغييب روح المواطنة.

ويؤكد الخزرجي، في مقابلة مع صحيفة "ذوات" الإلكترونيَّة، أنَّ طريق التغيير في العالم العربي تبدأ بالإقلاع عن "الازدواجيَّة" في الفكر والسلوك والمواقف، التي يعدُّها ظاهرة قديمة ومتجدّدة ومتنوّعة، وأنَّ العلاج برأيه في "حركة إصلاح حقيقي، والاستجابة لأشواق التنوير الذي تلازمنا هواجسه منذ عصر النهضة العربيَّة الحديثة"، داعياً إلى "حسم صراع القيم في الوعي العربي بالاستفادة الموضوعيَّة من النماذج الحضاريَّة العالميَّة من دون الاستغراق فيها".


ويعتقد الخزرجي، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة بغداد، أنَّنا نشهد في كلّ يوم اندلاع مهمَّة جديدة للفلسفة تبعاً لمستجدَّات الواقع وتوالد الظواهر وامتحان التطوُّر العلمي واستحقاق مواكبة التحولات الكونيَّة، موضحاً أنَّ صياغة "ما ينبغي أن يكون" في المستقبل يتطلب دراسة واستلهام العناصر الأساسيَّة في "ما هو كائن" في الحاضر، فالفلسفة، عند ضيفنا، أداة صنع التاريخ والحضارة، وهي كما قال أفلاطون "حارسة للمدينة".


وقال الخزرجي في حديثه لـ"ذوات": إنَّ "سرَّ خلود الحضارة السومريَّة بالعراق هو جهد المفكرين والفلاسفة الذين أنتجتهم ظروف التحدي بين الإنسان والواقع، والذين وضعوا القواعد المبكرة للتحضُّر الإنساني".


وأضاف الأكاديمي العراقي: "الفلسفة هي الأم الرؤوم للسياسة، وتؤسّس لعلاقة وثيقة بين الأخلاق والسياسة، كما في الفلسفتين اليونانيَّة والإسلاميَّة، ترتكز على قيمة "العدل"؛ الفضيلة العظمى في مباحث الأخلاق، التي يفتقر إليها عالم السياسة اليوم".

وللخزرجي مؤلفات عديدة منها: "اﻷخلاق في الفكر العراقي القديم"، و"فلسفة اﻷخلاق من منظور فكري عربي معاصر"، و"حكمة الكلدانيين"، و"بواكير الفكر الفلسفي في العراق القديم: مشكلات الوجود واﻷخلاق". كما كتب ونشر في التربية والاجتماع، ويؤمن بالتناقض الجوهري بين الفلسفة، بما هي حبُّ الحكمة، وبين الطائفيَّة والكراهية والتطرُّف.

مقاربات فلسفية لقضايا الفكر والإنسان والأخلاق في العالم العربي


وبسؤاله عن مصطلح "الأميَّة الأخلاقيَّة" الذي استخدمه في كتاباته، أجاب: "إنَّها نمط يضاف إلى اﻷميَّات؛ أميَّة القراءة والكتابة، وأميَّة العلم والمعرفة، واﻷميَّات الثقافيَّة والسياسيَّة والدينيَّة". ويستدلُّ الخزرجي على أميَّة الأخلاق بالخلل والتردّي في السلوك اليومي للأجيال الجديدة من اليافعين، متسائلاً عن طبيعة النسق القيمي والتربوي الذي ساد في مجتمعاتنا فآل إلى هذا العطب الأخلاقي، وماهيَّة الظروف التي أدَّت إلى نتائج تكاد تؤرق كلَّ من يفكّر بمستقبل بلداننا. وينادي الأكاديمي الضيف بتأسيس "مجتمع الأخلاق" تأسيَّاً بالتجربة اليابانيَّة، حيث يبدأ التكوين السلوكي للفرد من المدرسة ويستمرُّ طيلة عمره عبر مؤسسات التنشئة والضبط الاجتماعي.


ويحذّر الخزرجي من التداعيات الثقافيَّة والاجتماعيَّة للتدهور الأخلاقي والمتمثلة في شيوع "الازدواجيَّة"؛ ازدواجيَّة الشخصيَّة والسلوك والوﻻء والهويَّة والقرار والسياسة، والتي لا تعبّر بنظره سوى عن نقص ما في حياة الإنسان أو المجتمعات. وتؤشر لوثة الازدواجيَّة، وفق ضيفنا، خللاً تربوياً في النشأة والمبادئ والنظريات التي بمقتضاها يسير السلوك وتتشكَّل المفاهيم والأفكار لدى الأفراد أو الجماعات. كما يفيد المفكر العراقي بأنَّ "الازدواجيَّة تعكس ضعفاً نفسياً أمام المغريات، ونزوعاً نحو الأنانيَّة والذاتيَّة المفرطة، وتجسّد سياسياً التنكّر لـ"حياة المبدأ"، وانهيار مثاليَّة العلاقات بين البشر أفراداً وشعوباً وحكومات، التي تقتضيها معادلة الحقوق والواجبات، أمَّا حضارياً فتشي بالنكوص عن المسار الصحي لحركة التاريخ والتقدُّم البشري".


ويحلل الخزرجي ظاهرة الازدواجيَّة تربويَّاً فيربطها جدليَّاً بالزيف والخداع اللذين يتمظهران في السلوك الازدواجي؛ سواء كان تزييفاً في السياسة والعلاقات، أم تزويراً في الفكر، أم تلفيقاً وتدليساً في الخطاب.


ويستعرض الخزرجي نماذج للازدواجيَّة التي تجتاح المشهد العربي: منها الازدواجيَّة الدينيَّة ويمثّلها سلوك يجمع بين خطاب وعظي وممارسات تتناقض مع القيم الأخلاقيَّة، وازدواجيَّة معايير سياسيَّة تتبنَّى الكيل بمكيالين في التعاطي مع الآخر، وتقرن المناداة بالمصالح الوطنيَّة بالعمل ضدها، أو تطالب بحقوق الفقراء ثمَّ تنتهكها، أو ترفع شعارات الإصلاح والعدالة الاجتماعيَّة ثم تعيق تحقيقهما.

تكامل الفكر والسياسة أرضيَّة الانطلاق باتجاه إنسانيَّة المواطنة ومواطنة الإنسانيَّة.


ويدعو ضيفنا إلى فكر علماني يفصل الدين عن السياسة ويربطهما بالأخلاق، لأنَّ الأخلاق كما يفهمها "معيار الإيمان"، أمَّا السياسة فينبغي إعادتها إلى محضنها الأول وهو الفلسفة وتأطيرها بفضيلة العدل. ويؤمن الخزرجي بأنَّ منهج الدولة العلمانيَّة أخلاقي أولاً يعتمد "القيم الإنسانيَّة" باعتبارها مشتركة بين ثقافات متعدّدة. فإذا قامت الدولة العلمانيَّة، يتابع الخزرجي، على قاعدة احترام حقوق الإنسان كمبادئ عالميَّة، ومراعاة الخصوصيات الثقافيَّة للمجتمعات، والموازنة بين العام والخاص، فإنَّها "دولة أخلاقيَّة" يفترض أن يتضمن دستورها وقوانينها كلَّ ما من شأنه تعزيز الحياة الأخلاقيَّة السويَّة للإنسان باعتباره عضواً في مجتمع تتحقق فيه معادلة الحقوق والواجبات، بحيث يتصرَّف الفرد بإيحاء ممَّا يسميه ضيفنا "قدسيَّة" حقوق الآخرين وحرياتهم. هذا الوعي يطلق عليه الخزرجي "روح المواطنة" التي تُحدّد بنظره طبيعة علاقة الإنسان بـ"اﻵخر" بوصفه كلَّ ما هو خارج الذات الفرديَّة في المجتمع؛ من أشخاص ومظاهر وممتلكات، وقوانين وأعراف وتقاليد، وحقوق وواجبات، وبنى ماديَّة وروحيَّة.


ويستطرد الخزرجي: تتعدَّى روح المواطنة الخصوصيات التي تؤسّسها اﻷديان والمذاهب والطوائف، وتتجاوز البناء القومي والمناطقي والعشائري والفئوي، وترتقي فوق العلاقات السياسيَّة والحزبيَّة والاقتصاديَّة الضيقة. ويعتبرها ضيفنا ضمانة لتعديل السلوك البشري عن الانحيازات التي تفرزها الانتماءات الثانويَّة، فهي كما يقاربها أستاذ الفلسفة العراقي: "عابرة لحدود الثقافات المحليَّة، ومتصلة بالمنطق الإنساني الذي يجعلها منهلاً ثرّاً للقيم الإيجابيَّة، فيحصل التفاعل البنَّاء المعبّر عن مواطنة الإنسانيَّة وإنسانيَّة المواطنة، بما يعزّز المشاركة المدنيَّة والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة، ونكران الذات، والنظرة العقلانيَّة للعلاقة بين الحقوق والواجبات".


ويضيف الخزرجي: "كلُّ مجتمعات العالم تعيش انتماءات فرعيَّة؛ دينيَّة أو مذهبيَّة أو عرقيَّة، أو جنسيَّة أو ثقافيَّة، أو لغويَّة أو تاريخيَّة، أو سياسيَّة أو أيديولوجيَّة أو مؤسساتيَّة، لكنَّ روح المواطنة تخلق الانتماء الإنساني كإطار حضاري للتعايش والتنوُّع يعلو على غيره من الهويَّات، ويشكّل معيار إنسانيَّة الإنسان". 

المجتمعات العربيَّة في عالم متغير ... من مأزق الخواء المعرفي والازدواجيَّة إلى إعادة بناء الذات الحضاريَّة.

  
ويلفت الأكاديمي العراقي بأسف إلى "اضمحلال روح المواطنة في المجتمع العربي المعاصر لأسباب تتعلق ببنية ومصداقيَّة النظم والنخب السياسيَّة، والنزاعات والحروب زائفة الأهداف، وانعدام العدالة والفقر، وموروثات التخلف والجهل والأميَّة وانهيار المنظومة التربويَّة". وبالمقابل، يوضح الخزرجي، فإنَّ "انحراف أو انعدام وعي المواطنة لدى الأفراد، كشعور بالانتماء وممارسة أخلاقيَّة، يؤدي إلى انحدار وتشوُّه السلوك والعلاقات على مستوى المجتمع".


وردَّاً على سؤال "ذوات" حول مفهوم "صراع القيم" الذي سبق أن طرحه، بيَّن المفكر العراقي: "يعاني كلٌّ من الفرد والمجتمع في العراق صراعاً داخلياً مريراً بين القيم الاجتماعيَّة السائدة، والتي تنقسم إلى ثلاث مجموعات: قيم البادية، وقيم الريف، وقيم المدينة"، في ظاهرة ينصح الخزرجي بتحليلها لاختبار حركة التقدُّم والتأخُّر الاجتماعي في البلدان العربيَّة أيضاً، مُرجحاً أنَّ منظومة القيم المخلّطة تشملها ولكن بدرجات متفاوتة كماً ونوعاً بحسب تطوُّر النظام السياسي والاجتماعي والوعي الثقافي لكلّ بلد.

حوار في الأنساق الثقافيَّة والقيم الاجتماعيَّة ومستقبل التنوير والنهوض الحضاري.


ويعتبر ضيفنا اتجاه الانزياح القيمي معياراً لقياس جدوى وفاعلية أيّ منجز سياسي أو تشريعي أو ثقافي أو عمراني أو علمي في حركة التغيُّر الحضاري. يقول الخزرجي: "إذا ما سارت القيم في حركتها من البادية إلى المدينة، عبر الريف، صرنا نتحدَّث عن "تطوُّر حضاري"، وإذا ما مضت في الاتجاه المعاكس، فإنَّنا إزاء "تخلف حضاري"".

  
ويتجلى الصراع القيمي، بحسب الخزرجي، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، في "التناقضات السلوكيَّة الفرديَّة والجماعيَّة التي تطوَّرت إلى آليَّات هدميَّة ومظاهر فوضى اجتماعيَّة، ومصدر للدمار والإبادة والإرهاب، واستشراء للفساد وترسيخ وتجذير للتخلف، وتقويض لقيم المدينة وإزاحتها".

  
ويدعو الخزرجي إلى الاعتراف بأزمة الحداثة العربيَّة، فيقول: إنَّنا "بنينا قصوراً في المدن لكنَّنا أقمنا بجوارها خياماً لقيم البداوة، كما أخفقنا في تنمية البادية وثقافتها وتزويدها بمستلزمات الحضارة والتقدُّم والقيم المدنيَّة"، ملخِّصاً أزمة الإنسان العربي بأنَّه "لم يحسم صراع القيم في داخل ذاته كجسر للانتقال إلى حسم صراعها في المجتمع القائم خارج تلك الذات".

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق