الناشرة منى زريقات لـ "ذوات": الترجمة حضارة والأدب الحقيقي يوقظ الأرواح
28 يوليو 2016 | 0 تعليق

منى زريقات تحمل كتاب "عالم صوفي" في جناح دار المنى بمعرض الدار البيضاء للكتاب – (ذوات)
* حاورها: موسى برهومة

رغم أنّ القرّاء العرب، وبخاصة الأطفال، أطلّوا على عالم الأدب الإسكندنافي من بوابة دار "المنى" التي أطلقتها الناشرة الأردنية منى زريقات هنينغ في العام 1984، إلا أنّ الناشرة الأردنية السويدية تتواضع عندما توصف بعميدة الناشرين العرب المتخصّصين في أدب الطفل.

ومع أنّ زريقات درست الصيدلة في الجامعة الأمريكية في بيروت، إلّا أنّ أقدارها قادتها إلى عالم الأدب، وبخاصة أدب الأطفال، فراحت تزيّن أرواح الفتية الصغار بالجمال، وترصّع وجدانهم بلآليء الإبداع. ولما كبر الصغار كبرت كتبهم معهم، فصارت الدار تطبع كتباً للكبار كي ترافق أحلامهم وتثريها.

أريد عبر هذه ترجمات كتب الأطفال والكبار أن أنقل كل ما هو جميل، وكل شيء أحبه، ويسعد روحي أعمل على ترجمته.

اختيرت زريقات، المقيمة في السويد منذ أكثر من خمسة وأربعين عاماً، من قبل المنظمة النسائية السويدية التعليمية العالمية بوصفها "سيدة العام" 2013 لجهودها في تعريف العالم العربي بالأدب السويدي.

وكان ملك السويد كارل جوستاف وبحضور الملكة هنينغ سيلفيا منح منى زريقات في العام 2010 وساماَ رفيعاً في القصر الملكي بستوكهولم. كما نالت جائزة الأكاديمية السويدية لأدب الطفل في عالم 2007.

"ذوات" التقت الناشرة منى زريقات، لتكتشف سرّ الشغف الذي قاد الفتاة الحالمة إلى قارّة المعرفة المكتظة بالغموض والدهشة.

 

  •        يُنظر إليك على أنك عميدة الناشرين العرب المتخصّصين في أدب الطفل. كيف تقيّمين هذه الرحلة الصعبة؟
  •        شكراً لهذا الإطراء. لم أفكر يوماً بأنني عميدة. لكن نعم ربما كنت الأولى في العالم العربي الذي فكّر بترجمة هذا الجنس الأدبي، وكان ذلك في ثمانينات القرن الماضي وتمّ أيضاً بطريقة ممنهجة.

دخلتُ المهنة بطريق الصدفة وعشقت هذه المجال، مما حفزني لأن أقوم بالتعمق أكاديمياً في مجال أدب الطفل، وهذا أعطاني صورة واضحة عن سر هذا الأدب في العالم، وكيف أصبح لهذا النوع الأدبي كتّاب ورسامون ونقاد ومراكز أبحاث في الدول المتطورة، وكيف أنّ التركيز على مرحلة الطفولة يعتبر الأهم في تطوير وتشكيل شخصية إنسان المستقبل.

تجار الكتب كثيرون للأسف في هذا الميدان، وهنا نرى أهمية الأخلاق في هذه المهنة، والاهتمام بالرفع من شأنها

ولكن كان الأمر صعباً في البداية، لأنّ المحافظين في عالمنا العربي، وأخصّ هنا التربويين منهم، رفضوا أن تُقدّم الكتب المترجمة للأطفال باعتبارها تغرّب عقل الطفل العربي، لأنهم يريدون أدب العصا والتربية المباشرة . عليك أن تحترم والديك، عليك ألا تكذب و...و...مع أنّ الكاتب السويدي المشهور لينارت هلسينغ قال يوماً: كلُّ ما هو تربوي ليس أدباً، بل كل ما هو أدب هو تربوي في حد ذاته.

 

  •        نقلتِ إلى العربية روح المجتمعات الغربية، وبخاصة الاسكندنافية، وعرّفت الكثيرين بأدب تلك المناطق المجهولة. هل أثمرت التجربة عن شيء تتلمسينه؟
  •        لقد مضى على تأسيس دار المنى ٣٢ عاماً، وكم أشعر بالسعادة اليوم عندما يأتي صاحب مكتبة في معرض ما ويقول لي أريد جميع كل ما كتبت استريد ليندغرين، لأنّ هناك طلباً عليها. أعتبر هذا نجاحاً لدار المنى، لأنها أول من ترجمت أعمال الكاتبة السويدية أستريد ليندغرين، وعرّفت بها القارىء العربي الصغير والكبير، ولأنها بالفعل الكاتبة التي فهمت روح الأطفال وأحلامهم، وهي التي تُرجمت أعمالها إلى أكثر من ٩٠ لغة.

 ليندغرين لا تنتمي إلى الثقافة السويدية، بل العالمية. أحبها الأطفال في كل مكان، لأنها عرفت ماذا يريدون قراءته. وكم أتمنى أن تخضع كتبها المترجمة إلى العربية للبحث الأكاديمي من قبل طلبة الجامعات، لنعرف سبب شهرتها، وكيف أثرت في الساحة الأدبية بشكل عام.

ولا ننسى أيضاً الكاتب النرويجي الكبير جوستاين غاردر صاحب رواية "عالم صوفي" التي لا تزال تطبع حتى اليوم بالرغم من مرور ٢٥ سنة على صدورها.

إنها عملية التثقيف المحبّب لدى الشباب والكبار معاً، فهذه الرواية تجعل القارئ يشعر بأنه ينتمي إلى هذا العالم، وأنه جزء لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية. هذه بعض الثمرات التي افتخرتُ وأفتخر بتقديمها إلى الثقافة الوطنية العربية.

 

  •        فيما خصّ الثقافة المترجمة إلى الطفل العربي، هل ترين أنّ البيئة والأطروحة تناسبان عقول الفتيان القاطنين في جغرافيا وثقافة مختلفة، وربما ملتبسة؟
  •        لا أعرف إذا كنا نسال هذا السؤال عندما نترجم أدب الكبار. ولكن كيف غزت "ألف ليلة وليلة" عقول الغربيين؟ تجد "ألف ليلة وليلة" في كل مكتبة في الغرب، وكان لها تأثير كبير عندما ترجمت للفرنسية قبل ٢٠٠ عام تقريباً، وتعتبر الحجر الأساس في تطوير أدب الطفل الغربي الذي نعرفه اليوم.

 الدنماركي هانز كريستيان أندرسن التهم هذه القصص الشرقية وأثّرت كثيراً في أعماله. إذاً الترجمة حضارة وليست نقلاً فقط، كما أنّ الأدب الحقيقي يوقظ الأرواح. الطفل في مرحلة معينة لا يهمه الإطار الذي يحيط بالحدث. هو يريد الحدث فقط. لا يهمه أن تكون الشجرة نخلة أو تنوباً، هو يريد أن يعرف ماذا يحدث تحت الشجرة، وهذا ما برع الكتاب الغربيون في وصفه. "أليس في مدينة العجائب" كان بإمكانها  أن تكون عملاً في بلاد العرب، فقط لو وجدت من يكتب عن هذه الطفلة التي لحقت بالأرنب إلى داخل الحفرة الأرضية. إنه الخيال الذي لا حدود له، والذي تعزز في الغرب وخصوصاً في الفترة الرومانسية. هناك أعمال أدبية تخترق  الحدود الجغرافية، لأنها تتوجه إلى الإنسان أينما كان.

 

  •        الترجمة جسر لربط الأرواح الإنسانية، ولتحويل العالم إلى غرفة صغيرة. هل هذا حلمك. وهل تعتقدين أنّ ثمة جهوداً موازية حكومية وأهلية لإنجاز هذا الحلم؟

نعم، نعم. هذا حلمي أن أرى الروحانية في الشرق من جديد. أنا ابنة جيل الستينيات من القرن الماضي، ستينيات العصر الذهبي، وسعيدة لأنني عشت تلك الفترة من حياتي، ولأنني كنت عندها أيضاً في بيروت التي كانت عاصمة الكون بلا منازع. كان هناك نوع من التعايش الكوني والبحث عن الجمال أياً كان مصدره. وكما قالت المربية السويدية ألين كي إنّ الجمال مُلكٌ للجميع. كنا شباباً والحلم الكبير كان أمامنا على بعد أمتار فقط من هذا الحلم، على الأقل في قناعاتنا، الى أن جاء عصر السبعينيات وضاع الحلم، وبدأ العالم العربي في الانغلاق على نفسه.

 أريد عبر هذه الترجمات أن أنقل كل ما هو جميل، وكل شيء أحبه، ويسعد روحي أعمل على ترجمته. فإذا كان في يدي عمل أدبي مقتنعة بأنه سيسعد غيري كما أسعدني فأنني أروّج له بكل قوتي وأجعل الآخر يفتح عينيه ليرى بنفسه هذا الجمال الذي وجدته فيه.

بدأتُ أشعر مؤخراً أنّ هناك ترحاباً بهذه الأصدارات الأدبية على مستوى الحكومات، وأعني الهيئات الرسمية التي تتعامل مع القراءة وتحفيز القراءة بين الأطفال والشباب، وحتى بين التربويين الذين تجنبوا هذه الأعمال، لكنهم بدأوا يقتربون منها، وأعتقد أنّ السبب في ذلك هو اكتشافهم أنّ هذه الأعمال يحبها الأطفال كما أنّ أهالي الاطفال بدأوا يرحبون بها أيضاً. لقد استغرقت العملية وقتاً طويلاً لتزداد رقعة القرّاء، وهذا ما يسعدني ويجعلني أحسّ بأنني كنت على حق عندما اعتبرت الترجمة، وفي وقت مبكر، أساساً من أسس التقدم إلى الأمام، وضرورة يجب الاهتمام بها.

 

  •        انتقلتِ بدار المنى مؤخراً إلى نشر أعمال أدبية للكبار. هل هي مجرد رغبة في التنويع، أم أنّ سوق كتب الأطفال ليست مجدية بما يكفي؟
  •        الواقع أنّ الأطفال الذين كبروا أرادوا المزيد من كتب دار المنى. هم الذين طلبوا مني أن أكمل معهم في شبابهم، وأختار لهم ما يسعدهم في عملية القراءة. واكتشفت أنّ الكبار الآخرين بدأوا بالتحلق حول هذه الروايات، وعندما شاهدتُ الحماسة لإصداراتنا، وجدت أن هناك مساحة واسعة من القرّاء لهذه الأعمال المترجمة، لذا ترجمنا ويلهلم موبيرغ في رواية "المهاجرون" وهنينغ مانكل ويان غيو وبير لاغركفيست وبير بيترسون ويوناس يوناسون في روايته "المئوي الذي هبط من النافذه واختفى".

 

  •        هناك عقبات كبيرة أمام نشر الكتاب وتوزيعه في العالم العربي. هناك بيرقراطية مرعبة، كيف تتفادينها؟
  •        العقبات كثيرة، وأهمها العزلة الثقافية التي عاشها العالم العربي في فترة السنوات الأربعين الماضية، بحيث أنّ الإنسان العربي ليس عنده أي فكرة عن الثقافات الأخرى. صحفنا ومنابرنا الإعلامية لا تتناول الكتّاب العالميين إلا إذا حصل أحدهم على جائزة نوبل. وكم كنت أجد صعوبة في الترويج لكاتب جديد لم يسمع به أحد من قبل مع أنّ اسمه متداول في أنحاء المعمورة.

ولكن ما كان يساعدني أنّ دار المنى لها صورة معينة في الشارع العربي، كونها متخصصة بالترجمة، ولا أعرف إن كان ذلك عن قصد أوغير قصد. ولكن كان من حسنات هذه الصورة أنّ القارئ يأتي لدار المنى في المعارض ليتعرّف ويسأل ما هي الترجمات الجديدة.

نجد أحياناً كتباً على الرفوف هي عبارة عن ورق وحروف. وللأسف هي كثيرة، وهذا ما يؤثر على الثقافة وعملية تنشيط القراءة بشكل عام.

لا يوجد هناك توزيع. كل ناشر له شبكته التي يستخدمها بمعزل عن الآخرين، وكوّنها هو عبر خبرته في الميدان وعبر علاقاته مع الآخرين. هناك أيضاً، وهذا الخطر الكبير، نوع من الاستقواء على السوق وفرض السيطرة:  مَن يشتري ومن يبيع. كأن تقوم دار نشر بفتح مكتبات تخصها وتستثني كتب الآخرين، وهذا حصل في عدة أماكن، وكل ذلك تتحكم به العلاقات الشخصية، وليست قيمة الكتاب الأدبية.

 

  •        مرتبط بالسؤال السابق سؤال عن القرصنة والانقضاض على حقوق التأليف من قبل بعض الناشرين العرب. وهناك من يسرق جهود الآخرين ولا يعترف بما يسمى حقوق الملكية الفكرية. هل تعرضت لمواقف كهذه، وكيف تعاملت معها؟
  •        نعم، والأكثر خطراً هي القرصنة. ولا تعمل الحكومات إلا القليل لتفادي هذا الأمر ومكافحته. والذي حصل مع "عالم صوفي" يعرفه الجميع، حيث تناولته معظم الصحف العربية، والسبب أنّ "عالم صوفي" له حضوره لدى القارئ العربي. والذي قام بالقرصنة عملها وكأنه  قام باستيراد النسخ من دار المنى. التجار كثيرون للأسف في هذا الميدان، وهنا نرى أهمية الأخلاق في هذه المهنة، والاهتمام بالرفع من شأنها.

 

  •        ما تزالين قابضة على جمرة الثقافة والنشر والانخراط في عملية التنوير. هل تجدين بارقة أمل في تغيير ما من خلال الثقافة والكتب؟
  •        أظن أنّ أهم شيء في أي عمل هو أن تعشق ما تقوم به. وهذا العشق أن تعيش ساعات حياتك تفكر ماذا بعد! ما الآتي؟ عليك أن تجدّد نفسك كل يوم، وتجدّد طاقاتك. وهذا يأتي بطريقة عفوية إذا كنت تحب ما تقوم به.

 

  •        تكثر معارض الكتاب في العالم العربي، حتى ليكاد يكون لكل بلد معرض سنوي، وهناك أكثر من معرض في بلد واحد. هل يعني ذلك أنّ سوق القراءة رائج، وأنّ الجمهور العربي يُقبل على المعرفة، مع أنّ الأرقام تقول إن العرب أقل شعوب الأرض قراءة؟
  •        في فترة من الفترات قلتُ أغلقوا هذه المعارض، لأنها لا تروّج للكتاب بالطريقة الطبيعية، بل هي طفرات سنوية هنا وهناك، وعليك أن تكون متواجداً فيها، لأنه لا يوجد بديل، وعليك مسؤولية في إيصال الكتاب إلى القارئ لتصل رسالتك مع الكتاب أيضأ.

هناك مسؤولية أخلاقية لدى الناشر، لأنه في النهاية هو من يختار الكتب التي يؤمن بها والتي تتناسب مع منهج الدار والتي يريد أن يرى منفعتها تنعكس على الآخرين. ولكن أحياناً أجد أنّ هذه المسؤولية لا تكون في موقعها عندما يقوم ناشر ما بنشر نصوص لا تغني ولا تفيد، ولكن يكون قد قبض ثمن نشرها من الكاتب. لهذا نجد أحياناً كتباً على الرفوف هي عبارة عن ورق وحروف. وللأسف أستطيع القول إنها كثيرة، وهذا ما يؤثر على الثقافة وعملية تنشيط القراءة بشكل عام. أما ما يقال عن إن العرب لا يقرأون، فما علينا إلا أن ننظر إلى عدد الطبعات التي تباع من كل كتاب، ونسبة توزيعها على ٣٥٠ مليون عربي. للأسف الأرقام تتكلم وتقول ذلك.

 

  •        ما الذي يصيبك باليأس كناشرة عربية تعاملت بنظافة في وسط ملوّث؟
  •        نعم أشعر باليأس أحياناً، ولكنه اليأس المصحوب بالغضب من الواقع والتصميم والإصرار على التغيير. حصل معي هذا عدة مرات، ولكن أتذكّر أنّ غداً سيكون يوماً آخر.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق