النباتية : فلسفة ونمط عيش
03 اكتوبر 2015 | 0 تعليق

خليل غريب *

النباتية Vegetarianism رؤية فلسفية، وموقف أخلاقي يقوم على رفض أكل لحوم الحيوانات، باعتبارها كائنات حية لها ذاتُ الغرائز التي تحكمنا كبشر، بما فيها غريزة البقاء على قيد الحياة المحفورة في جيناتنا، فإعدام الحيوان إنما ينطوي على إعدام حياة عاطفية بأسرها، الحيوانات كبني الإنسان تشعر بالألم وتعاني، وليست جمادا خاليا من الروح والمشاعر. من هذا المنطلق، يعد النباتيون قتل الحيوانات بغرض الاغتذاء على لحومها فعلا مضادا لقيمة السلام، لأن السلام يبدأ من أطباقنا. ولا تنبني النباتية دائما على اعتبارات أخلاقية بالأساس، بل توجد دوافع مختلفة؛ فهناك من يعتقد أن النباتية هي النظام الغذائي الأكثر ملاءمة للإنسان؛ لأنه لم يخلق لأكل اللحم، ومستند هذا الرأي بعض الحجج التي تبدو علمية في الظاهر؛ وتشمل تحديد بعض التباينات الفسيولوجية بين الإنسان والحيوانات اللاحمة؛ كشكل الأسنان، وحركة الفك، وطبيعة بعض الإفرازات البيولوجية؛ فأكل اللحوم والحالة هذه أمر مخالف للطبيعة البشرية.

لا يكتفي النباتيون بالمسألة الأخلاقية في الدفاع عن وجهة نظرهم، بل يؤكدون أيضا على الأضرار الصحية التي يمكن أن تتسبب فيها اللحوم، والتي يخلو منها النظام الغذائي النباتي في نظرهم، فبحسب بعض المصادر النباتية فإن نسبة كبيرة من الناس الذين لا يأكلون اللحم، يعيشون لمدد أطول من نظرائهم من آكلي اللحوم، إضافة إلى أنهم يكونون بمنأى عن بعض الأمراض المزمنة والمستعصية، كما أن الإنسان في نظر النباتيين ليس في حاجة إلى اللحم الحيواني، حتى يعيش حياته بصحة جيدة، فالعناصر الغذائية التي تحتوي عليها المنتوجات النباتية كافية لإمداد الجسم بكل ما يحتاجه، ويضيف بعض النباتيين البيض والحليب أو أحدهما إلى نظامهم الغذائي، بينما ترفض النباتية الصارمة جميع المواد المتأتية من الاستغلال الحيواني. وإلى جانب الحجج الأخلاقية والصحية تضم الحركات النباتية إلى قائمتها حججا إيكولوجية واقتصادية واجتماعية؛ لمناهضة استغلال الثروة الحيوانية، ومن ذلك احتجاجهم بأن صناعة اللحوم من الأسباب الرئيسة في الاحتباس الحراري، والتلوث، وتدمير الثروة الغابوية، بالإضافة إلى مساهمتها في تدهور صحة الإنسان مما يرفع تكاليف العلاج، ناهيك عن غلاء المنتوجات الغذائية الحيوانية، وما يتطلبه توفير الأعلاف من كميات ضخمة من بعض المنتوجات الزراعية التي يمكن أن تسد فاقة ما يقارب المليار من البشرية المعانية من الجوع، فالثور الواحد يمكن أن يوفر 1500 وجبة؛ في حين أن ما استهلكه خلال حياته من الحبوب يمكن أن يوفر 18000 وجبة، إلى غير ذلك من المعطيات التي يحتج بها المناضلون النباتيون استنادا إلى بعض الدراسات.

ويرى النباتيون أن أكل لحوم الحيوانات ينطوي على نوعانية بشعة Speciesism، فالإنسان الذي يعتبر نفسه أرقى الكائنات الحية، يقتل هذه الأخيرة ويصنع معاناتها؛ لأنها ليست إلا حيوانات، الشيء الذي لا يرى النباتيون فرقا بينه وبين العنصرية والتمييز على أساس العرق والجندر؛ فالنوعانية هي إعطاء قيمة وحقوق لكائن ما، على أساس الانتماء إلى نوع معين؛ فالنوعانيون من هذا المنطلق ينفون كل اعتبارية خلقية إزاء الحيوان، ويحجبون الأحقية الأخلاقية عنه، وينظرون إليه نظرة اختزالية مادية، وكل ذلك لأنه لا يتوفر على عقل، وتلك النزعة النوعانية من شأنها اجتثاث شعور الرحمة لدى الإنسان تجاه بعض الكائنات الحية، مما يسوغ كل أذية تطالها منه. ولا يميز النباتيون بين الأنواع؛ ومن ثم فهم لا يرون تبريرا لأكل أنواع من الحيوانات دون أخرى، ومن التناقض في نظرهم استبشاع أكل القطط والكلاب، والاستمتاع بكل برودة بتناول قطعة من لحم البقر.

أما عن مصادر الفلسفة النباتية، فهي متعددة ومتنوعة؛ فقد عرف عن الفيثاغوريين في اليونان القديمة؛ التزامهم بالحمية النباتية، ويعد فيثاغورس (570-495 ق.م) الفيلسوف والرياضي أبا للنباتية، لأنه عارض قتل الحيوانات الأليفة وأكل لحمها، وكان يقول إن الأرض تمنحنا خيرات وفيرة، وأغذية نحصل عليها بسلمية، ولا تمنحنا وجبات ملطخة بالدم والقتل؛ في إشارة إلى ضرورة الاقتصار على المنتجات الزراعية في الغذاء، ورأى أن الإنسان طالما ظل يدمر الكائنات الحية الضعيفة بلا رحمة؛ فلن يعرف الصحة والسلام، وما دام الناس يقتلون الحيوانات؛ فإنهم سيقتلون بعضهم؛ والذي يزرع بذور القتل والمعاناة لا يمكن أن يحصد الفرح والحب. وأثرت تعاليم فيثاغورس في عدد من الفلاسفة بعده، وامتد تأثير فلسفته إلى يومنا هذا. وقد عُرفت بعض الديانات الهندية كالهندوسية والبوذية والجاينية بموقفها المانع من أكل لحوم الحيوانات، وهذا يرجع إلى مبدأ الأهمسا الذي يعد ركنا أساسيا في تلك الديانات، يفرض هذا المبدأ وضعا من المسالمة، واحترام جميع أشكال الحياة، فهو مقابل لعدم الأذية واللاعنف، ويدور حول معاني المحبة والشفقة وما شابهها من الصفات، من هنا رفضت تلك الديانات كل شكل من أشكال الإيذاء الذي يستهدف كل مظاهر الحياة، وقد استهوت هذه النزعة الصوفية كثيرا من الناس في العالم الغربي.

ولم يكن التصوف الإسلامي بمنأى عن هذه الفكرة، فقد كانت للصوفية المسلمين عادات معينة كإخماص البطون والتجوع بهدف رياضة النفس، وهذا ما لا يجتمع مع أكل اللحم باعتباره وجبة دسمة، وعلامة على البذخ والانغماس في الدنيا؛ وقد كان بعض الصوفية يمتنعون عن أكل اللحم، وهو ما ذكره ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" من أن قوما من الصوفية كانوا لا يأكلون اللحم، حتى قال بعضهم إن أكل درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحا. إضافة إلى هذا كان لبعض الصوفية مواقف تجاه الحيوانات؛ تكشف رحمتهم بهذه الكائنات الضعيفة؛ من ذلك ما يحكى عن أحمد الرفاعي الذي كان إذا نامت على كمه هرة وجاء وقت الصلاة؛ يقطع كمه من تحتها حتى لا يوقظها، وكان يحرس الكلاب وهي تأكل لئلا يؤذيها أحد، ويحكى أن البسطامي كان يعيد النملة إذا دخلت زاده من مسافات طويلة، إلى مكانها الأصلي.

وقد اشتهر عن كثير من الشخصيات العلمية والفلسفية والثقافية اللامعة، تبنيها الفلسفة النباتية المسالمة؛ والدفاع عن حقوق الحيوان؛ على اختلاف الاعتبارات والمنطلقات؛ ومن تلك الشخصيات، ألبرت أينشتاين الفيزيائي الشهير؛ الذي كان يرى أن اعتماد النباتية نظاما غذائيا مفيد للصحة البشرية ومن شأنه زيادة فرص بقاء الحياة على الأرض، كما يرى الفنان الإيطالي دافنتشي الذي ترك اللحم في طفولته؛ أنه سيأتي يوم على الناس يرون فيه قتل الحيوانات؛ كقتل أمثالهم، وهي رؤية حالمة طبيعي أن تصدر من فنان، وربما تحققت نبوءته باتساع نطاق الحركات الأخلاقية المدافعة عن حقوق الحيوان، ويقول الروائي الروسي تولستوي، إن أول فعل يتعين على التائق لحياة الفضيلة؛ أن يمتنع عن إيذاء الحيوانات، وكان يرى أن خطوة فقط تفصل بين قتل الحيوان وقتل الإنسان؛ ولا فرق بين التسبب في معاناة الحيوانات وبين التسبب في معاناة البشر، ويرى أيضا أنه طالما هناك مسالخ؛ سيكون هناك ساحات للقتال. وهذا الربط بين عدوانية الإنسان تجاه الحيوان وعدوانيته تجاه بني نوعه رأيناه عند فيثاغورس، ويأخذ هذا الربط معنى مغايرا عند بعض الفلاسفة كما يرى بعض النباتيين الغيورين؛ فبالنسبة إلى توما الاكويني وكانط؛ فإن الناس الذين يعاملون الحيوانات بقسوة؛ تنشأ لديهم مع الزمن عادة تدفع بهم إلى معاملة البشر على نحو مشابه؛ ومن ثم فالغاية هي الإنسان أولا وأخيرا من وجهة النظر هذه التي لا تهتم بالحيوان لذاته. ومن النباتيين طوماس ادسون، ويقول إن النباتية تمكنه من استعمال عقله على أكمل وجه، ويقول المؤلف المسرحي جورج برنارد شو تعبيرا عن نباتيته : "الحيوانات أصدقائي، وأنا لا آكل أصدقائي". ويرى جيرمي بنتام الذي تحدث عن معيار الإحساسية في التعامل مع الحيوان، وهو القدرة على اختبار اللذة والألم؛ أن التساؤل الذي ينبغي أن يطرح ليس عن إمكانية العقل أو اللغة عند الحيوان، بل إمكانية شعوره بالألم والمعاناة. وتشير بعض المصادر النباتية إلى أن تشارلز داروين كان نباتيا؛ استنادا إلى بعض أقواله التي يزعم فيها أن الغذاء الطبيعي للإنسان نباتي بالنظر إلى بعض المعطيات البيولوجية، وقد يبدو هذا غريبا للبعض، لأنه صاحب نظرية كشفت الغطاء عن حيوانية الإنسان، وفيها يجد أكل لحوم الحيوانات تبريره، أما عن دلالة قوله عن نباتيته؛ فالتحليل العلمي لا يتصل بالضرورة بالاختيارات الشخصية؛ وتتحدث مصادر أخرى عن داروين بصفته بطلا نباتيا زائفا؛ لأنه كان يحب أكل الحيوانات الغريبة؛ ولهذا كان عضوا في غلوتن كلوب.

وإذا كان الموقف النباتي مبررا عند أصحابه، فإن بعض منتقديه يتساءلون عن مدى اعتبار أكل النبات في حد ذاته فعلا أخلاقيا، على اعتبار أن النباتات كائنات حية، إلا أن هذا الانتقاد لا يقوم على أساس؛ فهو لا يستند إلى معطيات علمية تثبت أن للنبات شعورا كما هو الحال بالنسبة للحيوانات، وإنما إلى تجارب لا يعتد بها تتصل بمجال العلم الكاذب. لكن هناك انتقادات أخرى يمكن اعتبارها في هذا الصدد؛ تتساءل عن مدى توفير النظام الغذائي النباتي للمكونات الضرورية التي يحتاجها جسم الإنسان، ومدى وفائه بمتطلباته. ومن الحجج التي يواجَه بها النباتيون أيضا، أن أكل اللحم من طبيعة الإنسان فهو ذو نظام غذائي قارت يجمع بين النباتي والحيواني، واغتذاء الإنسان على اللحوم الحيوانية سلوك ضارب بجذوره في أعماق التاريخ؛ ومن ثم فإنه من غير الممكن بل من المستحيل أن يتخلى الإنسان عن نمطه الغذائي، لكن النباتيين يرفضون هذه الفكرة على اعتبار أن هنالك عادات قديمة ثبت عدم صوابيتها كالرق؛ فقدم عادة أو سلوك معين لا يمنحه صفة الشرعية، وهذا يعني أن النباتيين يعدون اغتذاء الإنسان على اللحوم سلوكا مكتسبا لا يمت بصلة إلى الغريزة والطبع؛ بل هو اختيار ثقافي للإنسان.

وترى بعض الأصوات المعارضة للنباتية الأخلاقية، والمبررة لأكل اللحم؛ أن الإنسان الذي لا يسبب أي نوع من المعاناة للكائنات الأخرى لا يمكن أن يكون إنسانا، ولا حتى حيوانا، لأن المبدأ الأساسي للحيوانية هو المعاناة والتسبب في المعاناة، كما أن الحياة تقوم على قسوة ليس من الممكن ولا المرغوب القضاء عليها، وهو رأي دومينيك لستيل في كتابه الذي ينافح فيه عن أكل اللحمApologie du carnivore، وهي رؤية واقعية إلى حد ما لا تغيب حيوانية الإنسان، وترى في الدعوة إلى اجتناب تناول اللحم نوعا من المثالية المجنحة التي لا محل لها في عالم تطبعه القسوة الطبيعية، التي ميزته منذ غابر الأزمان، واستحكمت في طبيعته وطبيعة سكانه من الكائنات بما فيها الإنسان، إلا أن هذا الرأي لا يسوغ أكل اللحم بأي طريقة كانت، بل يجب أن يكون الإنسان آكل لحم أخلاقيا، بمعنى أن قتل الحيوان ينبغي أن يتم بوسائل رحيمة، لا تسبب ألما كبيرا للحيوان؛ بل أقل معاناة ممكنة، كما يرى لستيل أن أكل اللحم ينبغي أن يعاش باعتباره نوعا من الاعتماد على الحيوان، وهو يقصد إلى أن حياة الإنسان متوقفة على أكل الحيوانات، لذلك يرى أنه ينبغي علينا أن نشكر هذه المخلوقات من خلال طقس معين، اللاحم الأخلاقي في نظر الكاتب لا يعتبر أنه ذو وضع استثنائي في مناخ الحيوانية، ويعي أنه مدين للحيوان، بل عليه أن يقبل فكرة أن يؤكل في يوم من الأيام. الحجج التي يراها الموقف النباتي تبريرية وغير مقنعة، ومنافية للأخلاق.

كثيرا ما توصف الرؤية النباتية باللامعقولية لنشدانها عالما خاليا من الألم، ومع أن النباتيين يصرحون بأنهم يسعون فقط إلى تقليل المعاناة والموت، وزرع المزيد من بذور السلام والحياة، فإن منتقدي فلسفتهم يؤكدون أن رفض النباتيين لمبدأ أكل اللحوم ينم عن رؤية مثالية حالمة؛ لا يمكن بحال أن ترى النور على أرض الواقع؛ فإن للمثالية عدوا لدودا غير مستعد لإخلاء العالم لها؛ لاسيما وأنه أقرب إليه منها؛ إنها الواقعية التي تجعل من الواقع المادي منطلقها ومنتهاها.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق