الندوة الدولية حول "التطرف الديني في أوروبا: الأسباب والتداعيات والحلول"
03 ابريل 2017 | 0 تعليق

ذوات

الندوة الدولية حول "التطرف الديني في أوروبا: الأسباب والتداعيات والحلول"

تدعو إلى تبني مقاربة شمولية لمواجهة التطرّف والتطرف العنيف، وتحظى بمتابعة دولية منقطعة النظير


اختتمت في العاصمة الفرنسية باريس فعاليات الندوة العلمية الدولية حول موضوع "التطرف الديني في أوروبا: الأسباب والتداعيات والحلول"، والتي انعقدت يومي فاتح وثاني أبريل الجاري، بشراكة بين مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث ومعهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا وبتعاون مع معهد ابن سينا للعلوم الإنسانية.

استهلت الجلسة الافتتاحية بمحاضرة للأستاذ يونس قنديل، رئيس مجلس أمناء مؤسسة مؤمنون بلاحدود للدراسات والأبحاث، والباحث في جامعة برلين، والذي دعا إلى تجديد الفكر الديني بِما يتوافق والقيم السامية للإسلام، معتبرا أن النصوص الدينية لم تخضع للتأويل المنفتح على القيم الحامية للإنسان، ولذا استمرت في تزويد المخيال العنفي بقنابل حارقة وناسفة لحساسية الضمير ضد الإكراه، كما ذهب إلى أن الواقع السياسي الاستبدادي عمق أزمة الخروج من ربقة الاعتماد على خلاص غيبي موهوم، وأن حركات الإسلام السياسي ليست بريئة من التوطئة لانتشار الاعتقاد بجدوى العنف بسبب أدبياتها التي نظرت لها، وعملت على نشرها دون أن تكلف نفسها عناء العمل الميداني على استدراك ما جنته على المخيال الجمعي في النظرة إلى الذات وإلى الآخر.

أما النائب جيل بارنيو، نائب رئيس لجنة المشرق في البرلمان الأوروبي؛ فقد أكد على أهمية موضوع الندوة والقيمة العلمية الكبرى للمشاركين فيها، معتبرا أن هذا التميز يجعل الانتظارات المعلقة عليها كبيرة، كما أشاد بانخراط بعض الدول العربية في مواجهة الإرهاب، وذلك من خلال منظوماتها التربوية والأمنية، وخص بالذكر المغرب، الإمارات العربية المتحدة، الأردن، السعودية، مصر والكويت.

في حين اعتبر الدكتور محمد بنصالح، الأستاذ الباحث، ومدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا، أنه ينبغي طرح الأسئلة المعرفية العميقة التي من شأنها تفسير ظواهر التطرّف والشعبوية، والحيلولة دون انتقال أوروبا إلى مرحلة ما بعد الديمقراطية. كما خلص إلى ضرورة قيام أوروبا بمراجعة سياساتها العمومية وصياغة هندسة اجتماعية على أساس سياسة الاعتراف بحقوق الأقليات، وتحلي الموضوعية في سياساتها الشرق الأوسطية. كما ألح على الباحثين ببلورة نماذج تفسيرية جديدة ومركبة، حتى لا يبقى الناس ضحية للنزعات التبسيطية والأفكار الجاهزة.

وعزا الدكتور محمد بشاري، عميد معهد ابن سينا، تصاعد موجات التطرّف إلى الظروف المعيشية بالأحياء المهمشة في المدن الأوروبية الكبرى، والفهم القاصر والمغلوط لمفاهيم أدلجتها جماعات العنف، فأخرجتها عن سياقها النصي.

واعتبر عالم الاجتماع الفرنسي البارز الدكتور فرهاد خوسروخافار، مدير مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية، أنه من أسباب التحاق الشباب بتنظيم داعش؛ التهميش وفشل المثاليات وفشل سياسات الإدماج والخوف من المستقبل الغامض.

وبدوره، قال السوسيولوجي المغربي الأبرز الدكتور محمد الطوزي، عميد كلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية في الرباط، إنه ينبغي الانتباه إلى تحول في غاية الأهمية، يتمثل في الانتقال من ثيولوجيا الجهاد إلى جيوسياسية الجهاد، كما اعتبر أن فهم بنية التطرّف يحتاج إلى مقاربة تاريخية من خلال اعتماد تاريخ المدد الطويلة التي تسعف في فهم العالم المعاصر وظواهره المعقدة، ومنها ظاهرة التطرّف.

أما د. إريك مارليير، الباحث في علم الاجتماع في جامعة ليل، فقد دعا إلى "بيئة أخلاقية" (Eco morale) في الضواحي الفرنسية من أجل إصلاح ما أفسدته القطيعة بين فرنسا وأقليتها المسلمة، وتجاوز الإذلال الذي يشعر به مسلمو فرنسا بسبب اللاعدالة وموجة العداء للإسلام.

عالم التحليل النفسي الدكتور فتحي بنسلامة، الأستاذ في جامعة باريس ديدرو، اعتبر أن ظاهرة التطرّف ظاهرة غربية- إسلامية، ترتبط في جانب منها بالتنازع الهوياتي داخل الشخص، كما ترتبط بالتحول العميق للمناخ الاجتماعي في ما يخص أساليب ووسائل التواصل، كما أكد أن دراسة ميدانية قام بها تثبت أن 40 في المئة من المتطرفين مصابون باضطرابات نفسية مرضية، و60 في المئة الآخرين مجرمون مدفوعون إلى تطرفهم بالشعور بالذنب من جرائمهم السابقة.

توماس غينولي، الأستاذ الباحث في العلوم السياسية، معهد باريس للعلوم السياسية في باريس، أشار إلى أن الشعور في فرنسا ب "خطورة المسلمين الفرنسيين" يعتمد على أربعة تصورات: الشعور بعدم التوافق بين الإسلام وقيم الجمهورية، الشعور بعجز المسلمين عن الاندماج الاجتماعي، ارتفاع احتمالات تعرض فرنسا لأعمال إرهابية، ارتفاع عدد المسلمين في المجتمع الفرنسي

وقام موسى خديم الله، الباحث في العلوم الاجتماعية والمختص في دراسة حالات التطرف في أوساط السجون في باريس بعرض نوعيات من بروفايلات التطرف في أوساط السجون، كما قام بتقديم حصيلة عن تشخيص التطرف التي أجريت في شمال فرنسا وغير المسبوقة في فرنسا. كما أشار إلى أن توصيف المتطرفين في السجن أو توصيف جرائم تتعلق بالإرهاب تسمح بفهم العوامل المسرعة

للتطرف بما في ذلك: مؤشرات الإقصاء الاجتماعي ومستوى الاندماج السلبي وفقا لنظرية فرهاد خوسروخافار، التورط في جرائم جنائية سابقة على تبنيه لأيديولوجية متطرفة، اضطراب الشخصية وعدم اتزان المتطرف من الناحية النفسية، ومرآة العنصرية، وكرامة الهوية التي يطالب بها المتزمت و"مواجهة الإسلام" على حد تعبير ليوجييه.

وتحدث محمد علي عدراوي، أستاذ باحث في العلوم السياسية في الجامعة الوطنية لسنغافورة، عن فعالية الخطاب الجهادي المعاصر والعوامل التي يمكنها أن تفسر التأثر بالإيديولوجيا المتطرفة، كما أكد أنه إذا كان مفهوم "الجهاد" يبدو الآن قد أصبح براديغما في النقاش العام، فهو يغطي في الواقع تطلعات وحقائق مختلفة جدا، واعتبر الخوض في دراسة معمقة لذلك أمرا ضروريا حتى لا يبقى أسير الأوجه الأكثر مأساوية لهذه الأيديولوجية (العنف والصراعات والإرهاب ...). وأشار إلى أن الرغبة في تحصيل فهم صحيح ل "الجهاد" أدى ببعض المنظرين والحركات إلى بدء مشروع دولي من الاستيلاء على السلطة؛ وذلك لتغيير بنية المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة في طور التراجع.

أما إمام مسجد بوردو الكبير طارق أوبرو، فقد اعتبر أن إسلام العصور الوسطى لا يتلاءم مع الحداثة، وأنه ومن أجل الدخول في التاريخ من جديد يجب إنتاج المعنى الحقيقي للنص وروح الدين، وليس إعادة إنتاج التاريخ. كما ينبغي التفاوض مع الواقع، والانطلاق من إبستمولوجيا الواقع من أجل تفعيل روح الدين. كما أكد أن القرآن يعلمنا أنه حين يغيب الشك يغيب العقل ويغيب الرشد. واعتبر الدكتور أوبرو أن الأيديولوجيا الداعشية تدعو إلى القطيعة مع الفكر وإلغاء النص، وتوظف الآيات بخلفيات مسبقة تحرف معناها من أجل التغرير بالشباب.

أما روبرت كليف، الأستاذ الباحث في الدراسات حول الإسلام في جامعة إكزتر في بريطانيا، فاعتبر أن "التطرف الإسلامي" ليس مفهوما بسيطا، وأنه يحتاج إلى تغيير واسع النطاق قبل أن يستخدم كمفهوم قانوني، وقام باستعراض نماذج من المتطرفين البريطانيين، معتبرا أنه من الغريب، أن لا يتم لحد الآن إدانة أية مؤسسة أوروبية بتهمة التقصير في عملها والتسبب في حالات من التطرّف.

من جهته، أشار أستاذ الفلسفة في جامعة نواكشوط الدكتور عبد الله السيد ولد أباه، إلى تواجد باراديغمات متناقضة في مقاربة ظاهرة التطرّف. وأن المتطرفين يهاجمون اتجاهات الفكر الإسلامي الأكثر انفتاحا وتسامحا.

أمازأوميرو مارونغيو، الباحث في علم الاجتماع، وعضو مجموعة البحث حول الإسلام بسويسرا في جامعة لوزان في سويسرا، فقد اعتبر أن التشدد هو نتيجة لشكل من أشكال التجنيد، ودعا إلى تحديد مكامن الضعف التي تعتمد عليها الجماعات المتطرفة مثل داعش، لحشد الدعم، داعيا إلى الفهم الجيد ثم التنفيذ بناء عليه من أجل مواجهة التطرف.

واعتبر إريك جوفروا، أستاذ الإسلاميات الأبرز في فرنسا، والباحث بجامعة ستراسبورغ، أن المجتمعات ما بعد الحداثية هيمنت عليها المادة وطغى فيها الاستهلاك، وهذا أمر ينبغي الانتباه إليه في مقاربة موضوع الراديكالية، وأن الدواء الذي من شأنه معالجة ظاهرة التطرّف يكمن في الروحانية التي تضخ الحكمة وفي والرحمة في الإنسانية، وفي كوكب معرض للخطر.

وقد شمل برنامج هذه الندوة الدولية الكبرى الفريدة من نوعها، ورشة عمل تطبيقية لمعالجة إشكالية التركيبة المعقدة لخيوط التطرف غير المرئية في أوروبا، وعرفت مشاركة باحثين اشتغلوا على دراسات ميدانية، من بينهم الباحثة الفرنسية الشهيرة دنيا بوزار، المتخصصة في الأنثربولوجيا ورئيسة مركز الوقاية ضد الإساءات الطائفية المتعلقة بالإسلام، والتي حضرت تحت حراسة أمنية مشددة بسبب التهديدات التي تلقتها من المتطرفين.

وقد اعتبرت بوزار أن الالتزام في الأيديولوجيا "الجهادية" مبنية على أصداء متعلقة بدوافع وتمثلات شخصية تبحث عن مبرراتها في قراءات معينة للإسلام، وعرضت شريطا وثائقيا أعدته بناء على بحث ميداني استمر لسنوات، وشمل 1134 من الشباب المتأثرين بالإيديولوجيا المتطرفة ومن مجنديهم، وقدمت تحليلا للدوافع المختلفة نحو الميل للتطرّف، معتبرة أن هذه الدوافع تتأثر بسبع خرافات يعتبرها المتأثرون ببروغاندا التطرّف حقائق، سواء كانوا ينتمون إلى عائلات مسلمة أو إلى غيرها. وأكدت أنه لا يمكن "إخراج" الشباب من أيديولوجية داعش إذا لم يتم الانطلاق من نفس دوافع التزامهم والعمليات المستخدمة من قبل السياسيين الفرنسيين. وفي هذا الإطار، قام مجموعة من الباحثين المتميزين بمناقشة الموضوع، انطلاقا من دراساتهم الإمبريقية من أجل تفكيك الموضوع ثم استخلاص حلول تسهم في الحد من ظاهرة التطرف الديني في العالم عموما وأوروبا خصوصا، ومن بينهم لويك لوباب، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع في جامعة السوربون والمركز الأوروبي لعلم الاجتماع والعلم السياسي في باريس؛ وبرنار غودار، منسق مشروع "الأقليات المسلمة" في مركز دراسات العلوم الاجتماعية للدين في باريس؛ وويزة كييز، الباحثة في علم اجتماع الأديان وفي مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، ورئيسة مشروع: مراحل التطرف الديني في السجن؛ ومحمد خالد الغزالي، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع في جامعة بادوفا في إيطاليا، ونائب رئيس المنتدى الدولي للأديان والديمقراطية.

وفي نهاية الندوة، قدم الدكتور محمد بنصالح، مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا قراءة تركيبية في أعمال الندوة، مؤكدا على ضرورة تعميق النظر في موضوعها، ومشيرا إلى ضرورة تبني الحكمة والموضوعية والرصانة العلمية في مقاربتها، وداعيا المثقفين إلى تحمل مسؤوليتهم العلمية والأخلاقية، وإسماع صوتهم حتى لا يطغى صوت التطرّف الديني ولا صوت اليمين المتطرف، مشددا أن على المثقف أن يتراجع عن استقالته ويدافع عن استقلاليته. وأن هناك حاجة ماسة إلى خلق فضاء للتحاور بين الباحثين والفاعلين وصناع السياسات العمومية، وإلى تقليب النظر في إشكالية الدين والسياسة وفقا لمقاربة مقارنة تأخذ في الاعتبار التحولات الاجتماعية والسياسية، وما يتفرع عنها من تحديات وظواهر جديدة مثل التطرّف والإسلاموفوبيا.

وجدير بالذكر أن الندوة قد عرفت مشاركة أبرز المتخصصين في تحليل ظاهرة التطرّف في أوروبا، كما حظيت بمتابعة منقطعة النظير، حيث إن موضوع الندوة استقطب اهتمام جمهور واسع من مختلف بقاع العالم؛ فقد أشارت إحصائيات "ترند الإمارات"، عبر موقع التدوين "تويتر" إلى عدد المتابعين، والذي تجاوز 236 مليون مشاهدة حول العالم.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق