النقد الثقافي وتقطيع أوصال ابن المقفع
03 ابريل 2017 | 0 تعليق

* عاصف الخالدي

"رجل عُرِفَ بشعوبيته، ومشبوه في دينه". هذا ما قيل في ابن المقفع، عقب مقتله.  عدا عن اتهامه بالزندقة، فيما لم يرد نقاش منطقي واضح، يشير إلى نتاجه الفكري والأدبي. إنما تم التركيز على هذه التهمة الشخصية المباشرة، والتي وردت في كتب التاريخ هكذا، وأعاد طه حسين طرحها في كتابه: "قضايا في الشعر والنثر". وهذا النوع من النقد الشخصي المباشر، كان يؤدي في نهايته إلى مقتل صاحبه، ووفقاً للرواية التاريخية، ودون غلو، فقد قُطّعت أطراف ابن المقفع، وألقي في ماء مغلي حتى مات؛ ليكون واحداً من تجليات النقد في ذلك العصر!

 والشعوبية، في سياقها التاريخي، تنتمي إلى الرعاع، الشاذين عن الطريق القويم، الذين لا يستأنسون بما يستأنس به عامة الناس من معرفة وحقيقة وقوانين، ناهيك عن الشبهة في الدين، والتي نالها ابن المقفع عن جدارة، بعد أن كتب رسالة إلى الوالي العباسي المنصور، كانت أشبه بـ "بيان ثوري" على النظام الإداري، يحث من جملة ما جاء فيها الخليفة على تحسين أوضاع الناس والجند في خراسان، ووضع حد للتناقض الذي يرفل فيه القضاة بأن يأمر بجمع الأجكام الفقهية وتوحيدها في كتاب!

  ولم يكن من الاعتباط أنني اعتبرت هذا نوعاً من النقد الثقافي في ذلك العصر، لسببين اثنين، يكمن أولهما في أنّ المحاكمة المتعسفة لابن المقفع، والتي استبقت بقرار قتله أصلاً، تأتت من وجهة نظر ممثل ذلك العصر، وهو الخليفة المنصور، الذي استعان لغرضه السياسي في التخلص من ابن المقفع، باستخدام نقد ثقافي لمنتجه الأدبي والفكري، والمقصود هنا كل القصد بالثقافي، هو استخدام السائد الديني والفكري والمعرفي، الذي تنتجه السلطة أو ترعاه على حد سواء، لتجريم نتاج ابن المقفع بحجة الزندقة أو الاختلاف، وتطبيق هذا على أعماله؛ حيث ينتهي الأمر إلى التقبيح والاتهام ومن ثم الإقصاء والقتل.

النقد الثقافي بمفهومه غير الحداثي، يصبح أداة تثبيت وإقصاء وتقطيع أوصال، حين يكون مجرد سيف في يد سلطة تمزج الديني بالقانوني، وتمتلك النقد ليفضي إلى مفهوم واحدة من اثنين فقط: موالٍ مؤمن، أو مفكرٍ زنديق.

 أما السبب الثاني، فمتعلق بما قاله بعض المؤرخين في ابن المقفع، مثل الذي أورده ابن كثير في كتابه: البداية والنهاية، عن ابن المهدي الذي قال: "ما وجد كتاب زندقة إلا وأصله من ابن المقفع، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، قالوا: ونسي الجاحظ، وهو رابعهم" (ج 10، ص78). ولم يرد أي تفصيل في كتاب البداية والنهاية، لكيفية الحكم الذي اتخذه ابن المهدي بحق ابن المقفع وسواه من "الزنادقة"، غير أنني لن أغفل ما كتبه ابن المقفع في كتابيه: الأدب الصغير، والأدب الكبير؛ حيث كتب في الأدب الصغير: "بالأدب تتفاوت العقول وتنمو، وجل الأدب بالمنطق، وجل المنطق بالتعلم"، أما في الأدب الكبير فكتب: "إياك إذا كنت والياً أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية". ولعل هاتين الجملتين، تفضحان ما آل إليه ابن المهدي من نقد غير موضوعي ولا أدبي، وسواء كان هو أو سواه قد قرأوا ما كتبه ابن المقفع، فإنه احتال على المحتوى الأدبي والفكري لابن المقفع، بنقد غير أدبي ولا فكري، واعتبر أنّ الأدب والفكر، يزيفان الواقع، وهذه في الأصل، تهمة سفيان المهلبي والي البصرة، والتي دفعه إليها الخليفة المنصور.

 وينسحب هذا على مؤلفات ابن المقفع، التي اختزلت بتهمة الزندقة، والتي انتقلت من الخليفة إلى واليه، ومن ثم إلى "مؤرخ" كابن المهدي؛ حيث تم نقدها ثقافياً "وفقاً لثقافة ومعرفة وحقيقة الخليفة وولاته". ومن الجدير بالذكر أنّ النقد الثقافي فيما بعد الحداثة، يبحث عن المضمر في النصوص، وعن أبعادها التاريخية والثقافية وارتباطها بالعلوم الإنسانية، كما يتميز النقد الثقافي بإظهار القبحيات لا الجماليات فقط، بعكس ما يتم في النقد الأدبي.

 ويقودنا هذا، إلى فكرة موت الأدب من زاويتين، الأولى كما شخّصها أفلاطون، الذي رأى أنّ الفن والأدب نتاج الخيال لا العقل؛ لذا فهما يزيفان الواقع. بينما اعتدى المنصور في عهده على المحتويين؛ الفكري والأدبي معاً، حين رأى فيهما تهديداً لنظامه الإداري. وإن كل هذا، يكشف عن نوع من النقد الثقافي، المرتبط  بمرحلة تاريخية ما، ويتعارض مع المفهوم التفكيكي الحديث للنقد الثقافي، الذي يبحث في إحياء الفكر والأدب ضمن إطار واسع يتجاوز اللغة وجمالياتها لينسحب على حزمة كبيرة من الفنون والعلوم والنتاجات الفكرية والفلسفية وحتى العملية. بينما تم السعي إلى قتل ما هو أدبي وفكري، بقتل ابن المقفع واتهامه بالزندقة. ويترك هذا الباب مفتوحاً على سؤال النقد، الذي يربط الأدبي والفكري بالواقعي، ويتيح مجالاً للتأويل. وربما أنّ الهدف كان في حينه، قتل النقد والتأويل، ومنعهما من الوصول إلى النصوص، بحجة قداستها على المستويين الديني ومن ثم القانوني، وبالتالي، قتلهما على الصعيد العملي في نظام الحكم والعقد الاجتماعي، وهكذا، فإن النقد الثقافي بمفهومه غير الحداثي، يصبح أداة تثبيت وإقصاء وتقطيع أوصال، حين يكون مجرد سيف في يد سلطة تمزج الديني بالقانوني، وتمتلك النقد ليفضي إلى مفهوم واحد من اثنين فقط: موالٍ مؤمن، أو مفكرٍ زنديق.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق