انقطاعات الموت... أو خوزيه ساراماغز فيزيائياً!
09 فبراير 2017 | 0 تعليق

* باحث تونسي
عيسى جابلي*

يبدو عالم الرواية والأدب بعيداً كلّ البعد عن عالم الفيزياء والكيمياء والعلوم التي تقوم على التجربة؛ غير أن تأملاً بسيطاً في أعمال أدبية عالمية يمكن أن يفند هذا الادعاء. ولا تعني هذه العلاقة المفترضة بين الفيزياء والرواية أن تتحول الثانية مسرحاً لنحت نظريات علمية أو حتى مناقشتها، بل إنّ ما نعنيه أنّ رواية عظيمة في كثير من الأحيان تكون ولادتها مثل ولادة نظرية في الفيزياء أو الكيمياء. وهذا ما نفترض حضوره بوضوح في رواية "انقطاعات الموت" للكاتب البرتغالي الكبير الحائزة على نوبل للآداب سنة 1998 (تعريب: صالح علماني، منشورات دار مسكلياني، 2015، الطبعة الثانية).

هل كان ساراماغو فيزيائياً؟ لا أحد يمكنه أن يدّعي هذا. وكل ما في الأمر أنّ روايته "انقطاعات الموت" قد بنيت على ملاحظةٍ نتج عنها افتراض مباشر بنيت عليه تجربة أفضت إلى نتيجة من بين نتائج كثيرة أخرى نتبين أهمها لاحقاً في هذا المقال.

أمّا الملاحظة فلا شكّ في أنّ روائياً بحجم خوزيه ساراماغو له من القدرة على الإصغاء إلى الذات الإنسانية وما يشغلها بدقة لا متناهية تشبه دقة ملاحظة عالم الفيزياء، وهو يراقب كائناته الميكروسكوبية الدقيقة ويرصد العلاقات بينها دفعاً وجذباً، وأكثر ما يشغل الذات الإنسانية منذ قتل قابيل هابيل، في ذلك الزمن الغابر، هو الموت. إنه ذاك الوحش الذي لا نراه ولكننا نرى آثاره في كل مكان، نحسه مارداً سليطاً لا يرحم، يروعنا في الصميم دون أن نعرف ما هو؟ أين يقيم؟ ما ملامحه؟ إنه قناص ماهر لا يخطئ. وهو في الأدب تيمة مقيتة كريهة لا تشدّ أحداً في العادة. ولكن ساراماغو ببراعته السردية يستدعيه، تبعاً لهذه الملاحظة وهذا التأمل العميق في أثره في الوجود الإنساني، إلى رواية يبنيها على افتراض نتج حتماً عن ملاحظته تلك، كعالم فيزياء تماماً.

أما الافتراض، فقد صدّر به الرواية منذ الجملة الأولى: "في اليوم التالي لم يمت أحد"، ويؤكّده فيما بعد ضابطاً تفاصيله: "منذ الساعة صفر من هذا اليوم الأول من كانون الثاني (يناير) الذي نحن فيه، لا يوجد دليل على حدوث حالة وفاة واحدة في البلاد"، وهو حدث خارق للعادة ومتجاوز نواميس الطبيعة وقوانين الأرض والسماء المبنية جميعاً على أساس لا جدال فيه: كل شيء فانٍ. وهو إن كان كذلك في الواقع، فإنّه في الرواية ممكن، وهو فاتح بوابة التخييل والإبداع على مصراعيها، وهو الخطوة الأولى في القيام بتلك التجربة التي تلي الملاحظة والافتراض مباشرة: الرواية ذاتها. إذ تتحول الرواية إلى تجربة لذلك الافتراض (انقطاع الموت) ورصد نتائجه وتأثيراته في كل المجالات: الاجتماعية والسياسية والدينية وغيرها.

تغدو الرواية مساحة يختبر فيها الكاتب افتراضه لما يفيق الناس على حقيقة جديدة تحدث لأول مرة فتهز ثوابتهم ويقينهم. هم الذين روعهم الموت القاهر حتى صار حقيقة لا مفرّ منها ها هم يخرجون صارخين أخيراً: "الحياة صارت جميلة". إنها "حياة وحيدة، رائعة، دون الخوف اليومي من صرير مقص باركا". وسيشعرون بالتحرر من عناصر أخرى لطالما كانت تروّعهم وتحدّ من حرياتهم متكئة على حقيقة الموت نفسه، وستطيب لهم الحياة الخالدة في الأرض أو في "وادي الدّموع" كما يسميه ساراماغو.

كان أثر "انقطاع الموت" اجتماعياً، وذلك بظهور أول حركة شعبية من مواطنين، صارت مقتنعة "بأنه يمكن قهر الموت بعمل إرادي بسيط"، تلتها حركة جماهيرية أخرى أعلنت أن ذلك الحلم الذي لطالما كان أمنية مستحيلة: الخلود، صار اليوم ممكناً، بل إنه حقيقة لا تردّ. وكعادتها راحت أقلام الصحفيين وعدساتهم تلتقط أخبار أموات قرروا أخيراً أن يظلوا معلقين بين الحياة والموت كي يملؤوا مساحاتهم الإعلامية.

أما سياسيا، فإن الحكومة بدت حذرة في التعامل مع الحدث، يظهر صوتها في موقف ساخر من التصريحات السياسية للحكومات على لسان وزير الصحة الذي صرح، ككل سياسي في العالم، بالكلمات نفسها التي يمكن أن يقولها مسؤول في موقعه: "بالنظر إلى عدم توافر معطيات كافية، فإن أي تصريح رسمي سيكون بالضرورة مبكراً، إننا نجمع الأخبار التي تصلنا من كافة أنحاء البلاد"، وسيكشف: "ومازلنا غير مهيئين للإعراب عن فكرة أولية حول منشإ الظاهرة والتداعيات التي ستترتب عنها، سواء التداعيات الفورية المباشرة أو المستقبلية". أما رئيس الحكومة، فقد صرح في بيان رسمي، ككل رئيس حكومة في العالم في مثل تلك اللحظات: "الحكومة مهيأة لكل الاحتمالات التي يمكن تخيلها بشرياً، ومصممة على أن تواجه بشجاعة، وبمساعدة المواطنين الضرورية، المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية المعقدة التي ستنشأ دون ريب عن انقطاع الموت".

أما المأزق الحقيقي، فقد واجهته الكنيسة باعتبارها ظل الله في الأرض، يتمحور وجودها من الموت وتستمد مشروعيتها من وجوده، "فمن دون الموت لا وجود للانبعاث، ومن دون الانبعاث لا وجود للكنيسة" كما قال الكاردينال في الكواليس أثناء اتصال هاتفي بالوزير الأول، غير أنها سرعان ما ستجد الحل اتكاء على ما هو غيبي مفارق، وستواصل التعامل مع كلّ جديد مهما كان. إنها معتادة في كل الحالات "على الإجابات السرمدية، حيث لا يمكنني تصورها تقدم إجابات أخرى، حتى لو ناقضها الواقع" كما يقول الكاردينال. إنها تتكئ على الغيبي المفارق تستمد منه تفسيراتها وتؤسس عليه شرعية وجودها.

هذا إلى جانب آثار أخرى خصوصاً في الجانب الاقتصادي إذ وجد كثيرون أنفسهم في بطالة دائمة على رأسهم أصحاب وكالات الدفن والعاملون فيها، وعجز المستشفيات عن استيعاب المرضى الذين يرفضون الموت وغيرها من المآزق التي أفرزها الوضع الجديد، الذي كشف أنّ الناس في حاجة إلى الموت فتأقلموا معه، كما هي عادة البشر دائماً، فصاروا ينقلون المرضى الذي يرفضون الموت إلى الحدود كي يقتلوهم ويدفنوهم هناك خلسة. وسيتحول هذا الوضع بدوره إلى مسرح لبطولات جديدة تمضيها المافيا بسيطرتها على الاستفادة من الوضع الجديد وتحقيق أقصى ما يمكن من كسب بتواطؤ من الحكومة نفسها.

أما نتائج "التجربة" التي يجريها ساراماغو، فإنه يصمت عنها تاركاً المجال للقارئ كي يساهم في كتابة الرواية ويخلص منها إلى الاستنتاجات التي يضمرها. لا تظهر على السطح سوى في سخريته من السياسيين ومن رجال الدين ومن الناس الذي عرّاهم في النصف الأول من هذه الرواية كاشفاً نفاقهم وتوقهم إلى الزيف والتلاعب والتزوير من أجل السلطة مهما كان نوعها: سياسية كانت أم دينية أم اقتصادية أم اجتماعية. يحركهم ساراماغو كالدمى مخرجاً كثيرين منهم في صور كاريكاتورية مضحكة تخفي ازدراءه لهم وضحكه عالياً من قصر نظرهم وكذبهم ومراوغاتهم الشيطانية.

أما في القسم الثاني من الرواية، فيعيد ساراماغو المراحل نفسها: الملاحظة والافتراض والتجربة واختبار النتائج، لما أفسح المجال للموت أن يظهر ثانية كي يقتل الناس بطريقة جديدة عبر البريد. تصل رسالة بريدية لمن تقرر الموت أن تقبض روحه، وقد جعلها في صورة امرأة فاتنة تضع قبعة ونظارتين سوداوين وتقيم في مكان ما من المدينة، تعلمه بأنه سيموت بعد أسبوع واحد من تلقي الرسالة. وببراعة عالية يعرض ساراماغو عن البلد الذي تجري فيه الأحداث، بلد بلا اسم ولكن ملامحه حاضرة في أكثر من بلد واقعي، ليهتم بـ"رسالة موت" تعود إلى "موت" – هكذا هو اسمها الجديد في القسم الثاني من الرواية – فتغرقها في حيرة بالغة تدفعها إلى البحث عن صاحبها وزيارته في بيته دون أن يشعر فلا تجد شيئا ملفتا للانتباه: رجل في الخمسين يعيش مع كلبه الأسود في ناحية ما من المدينة يخصص قاعة للبيانو ويعمل عازف فيولونسيل في دار الأوبرا! وتبدأ سلسلة من الهزائم المتتالية التي يسجلها ضد "موت" دون أن يشعر: أول لحظة في الهزيمة لما قررت أن "تخصم" سنة من عمره وتسجل في دفتره أن عمره تسعة وأربعون عاماً فقط كي تخرج من مأزقها، وثاني لحظة أنها غادرت عالمها المفارق، وتحولت إلى امرأة؛ أي صارت "بشراً" تقف وإياه في المستوى نفسه، وثالث لحظة أن تعجب بعزفه خلال حضور حفل تمكن فيه من فترة عزف منفرد أبهرها، ورابع لحظة أنها انتظرته عند مدخل الفنانين لتكلمه لأول مرة.. إلخ. لحظات متتابعة بدت فيها موت مثل أعمى يندفع نازلاً سفح جبل عملاق نحو نهاية غير معلومة انتهى بها نهاية مدوّية نصمت عنها في هذا المقال كي لا نفسد القراءة على القارئ.

وتدفعنا هذه التجربة الثانية – عودة الموت – إلى البحث عن النتائج التي دفعنا إليها ساراماغو عن قصد دون أن يبوح بواحد منها: لا يمكن إلحاق الهزيمة بالموت إلاّ بالفن. لا خلود إلاّ بالفن. لا شيء يمكن أن يقهر الموت ويهزمه في عقر داره سوى الفن!

إن أول ما تصنعه بنا هذه الرواية أنها تصحح فكرتنا عن الموت وصورتنا له. إنه أعمق من أن يختزل في تلك اللحظة التي تفارق فيها الروح البدن، لأنّ الإنسان فانٍ واقعياً فكيف سيتمكن من قهر الموت إن لم يكن للموت معنى آخر أوسع وأشمل وأسمى من تلك اللحظة التي ينطفئ فيها الإنسان؟ إن الموت الذي يعنيه ساراماغو في روايته ويعلمنا إياه هو ذلك الذي يقف على طرف نقيض لما نحسبه نحن موتاً. إنه ذاك الموت الذي يمكن تحديه بالفن كما يفعل عازف الفيولونسيل في روايته! وهو بهذا يوسّه معنى الموت ساخراً من تصورنا الضيق لما نحسبه موتا حقيقيا والحال أنه بعد واحد من الموت الحقيقي.

عكست هذه الرواية قدرة هائلة على التخييل متكئة على ما يشبه المنهج التجريبي في الفيزياء في بنيانها، قدرة تتجلى في اختيار لحظة البداية، كما تتجلى في براعة ساراماغو في الإمساك بخيوط السرد وتحريك عالمه الروائي العجيب فاتحاً أعيننا على أن خلوداً يتحدى الموت الذي نعرفه ويتجاوزه، لأنه يقيم في منطقة لا يطالها: إنه الخلود بالفنّ!

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق