باحثون: الرواية الحديثة وجه من وجوه الخلاص الإنساني
28 مارس 2017 | 0 تعليق

عاصف الخالدي*

أكد باحثون على أهمية الرواية الحديثة في إبراز المشترك الإنساني في ظل العولمة، منبّهين إلى دور وقيمة هذا الفن باعتباره وجهاً من وجوه المعرفة الكونية، وآخر معقل للدفاع عن الهويات الصغيرة.

ورأى الباحثون علي بدر والدكتور يوسف حمدان والدكتور سعود الشرفات، في الندوة التي نظّمتها مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث ومركز شرفات لدراسات وبحوث العولمة، بعمّان في 25 آذار (مارس) 2017، تحت عنوان "الرواية الحديثة: من الأنساق المُعولمة إلى تحطيم الهويات المحلية"، أن الرواية الحديثة، تشكل رؤية أخرى للعالم، باعتبارها خلاصاً بشرياً ورواية إنسانية بديلة عن روايات تاريخية ورسمية أو أيديولوجية.

الندوة التي أدارها أستاذ النقد الأدبي بمركز اللغات في الجامعة الأردنية الدكتور عبدالله أبوشميس، شهدت حضوراً متنوعاً من أكاديميين ومبدعين، سيّما الشباب؛ الذين قدموا مداخلات ثرية.

واستهلّ الدكتور سعود الشرفات حديثه متناولاً الجانب النظري للعولمة على صعيد تطورها في الغرب وتعالقها مع المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل عام.

تفاعلات اجتماعية وثقافية

ونوه مدير مركز شرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب إلى وجود تفسيرين فيما يخص العولمة الأول: مغاير يعتبر العولمة صيرورة عالمية ويرى أنها تمثل صيرورة غربية بالأساس، وأنها تحتمل أن تكون مجرد مظهر من مظاهر الرأسمالية والليبرالية الجديدة؛ حيث أدى ذلك إلى ازدياد الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين الدول، فيما ينحى التفسير الثاني أو اللامغاير، لاعتبارها مسألة حتمية، تمسّ جميع مناحي الحياة وعلى مستوى عالمي.

وعبر الشرفات بصراحة، أنه يميل إلى التفسير اللامغاير، باعتبار العولمة تمثل "إذابة للحدود والفروقات، وتؤدي إلى تفاعلات اجتماعية وثقافية تتفوق على الجغرافيا رغم التفتيت الذي تؤديه العولمة الاقتصادية للبنى الاجتماعية والثقافية الخاصة"، مستدركاً أنها تضع الإنسان ككل في زمانه ومكانه الطبيعيين دون فوارق، وأن الرواية، تشكل مثالاً على هذه التفاعلات.

وتطرق إلى مقولة بندكت أندرسن في كتابه "الجماعات المتخيلة"؛ إذ يرى أندرسن أن انهيار السلالات والجماعات واللغات المقدسة، أدى إلى ظهور التفكير، بصيغة عالمية أو أممية، وخلق زمناً يومياً معيشاً، يشكل بديلاً عن الزمن المقدس وزمن الخطيئة والتكوين، مما جعل الإنسان يلتفت إلى سردياته الأرضية المعيشة، وهذا يشير، وفق الشرفات، إلى ظهور الرواية، كعامل إنساني مشترك، تمثل الإنسان في كل مكان، وهكذا فإن الروائي، صار يتغلغل بجرأة في كل هذا العالم، دون أن يكتفي بتأمله فقط.

وجه من وجوه الخلاص الإنساني

من جانبهما، اعتبر الروائي العراقي علي بدر وأستاذ الأدب الحديث في الجامعة الأردنية الدكتور يوسف حمدان، أن الرواية تعد "وجهاً من وجوه الخلاص البشري"، وأعاد كل منهما إلى الأذهان، الفكرة التي تقول "إن الإنسان يرثي نفسه ويرثي العالم من خلال الرواية".

وفي الوقت الذي تحدث فيه بدر عن كون الرواية تشكل "تاريخاً موازياً"، بوصف التاريخ رواية أو حكاية،  اتكأ حمدان على مقولة أرسطو الذي اعتبر الأدب "أكثر قدرة على التفلسف والجدل من التاريخ"، ذلك أنه "يحيل الخاص إلى عام والعكس".

بدر: لا تخوف من عولمة ثقافية صارت اليوم نتيجة طبيعية للتطور والحداثة.

 وفي معرض حديثه عن تشكل الرواية الحديثة، بيّن بدر أن الرواية اليوم وجه من وجوه المعرفة الكونية، وأنها ظهرت بالتعامد مع اتساع العولمة ورقعة الإدماج كنوع من الدفاع عن الهويات الصغيرة، بعد أن كانت تحمل قيمة مختلفة ووظيفة أخرى حين ترافق صعودها مع صعود الدولة القومية، فقد كانت في حينه تحمل بعداً بطولياً قومياً وأسطورياً، وتمثل رؤية المجتمع البرجوازي، كما يقول الفيلسوف الروسي باختين. 

غير أن حمدان يرى أن المشترك الإنساني الذي تمثله الرواية الحديثة، "لا يعتبر مثالاً قسرياً على رؤية واحدة للعالم، بقدر ما يعزز تنوع الرؤى وتبادلها". وركز  على أن التطرق إلى مفهوم الهوية والرواية في عصر العولمة يتطلب الحديث تاريخياً عن تحطيم المجتمع الإقطاعي في أوروبا وصعود الطبقة البرجوازية، وظهور منظومات جديدة؛ ثقافية وسياسية ومعرفية، ومن ثم، فإن شعوب الدول خضعت إلى جملة هذه النظم، مما خلق كيانات متنافسة في ظل التوظيف الاستعماري والاقتصادي لهذا التنافس، إلا أن الرواية الحديثة لعبت دور الناقد هنا، بمحاولتها خلق بيئات ثقافية ناقدة لهذه التوجهات، إضافة إلى كونها عامل ربط بين هموم إنسانية مشتركة؛ حيث ذكر حمدان رواية "الساعة الخامسة والعشرين" لمؤلفها قسطنطين جورجيو كمثال على النقد العميق لفترة الحرب العالمية.

حمدان: المشترك الإنساني الذي تمثله الرواية الحديثة لا يعتبر مثالاً قسرياً على رؤية واحدة للعالم، بقدر ما يعزز تنوع الرؤى وتبادلها.

الرواية آخر معاقل الدفاع عن الهويات الصغيرة

من جهته أبدى بدر عدم تخوفه من العولمة الثقافية متحدثاً عن الرواية كفعل قراءة، فهي واحدة من المنتجات الإنسانية التي توحد البشر، الذين توحدوا أول مرة عبر العالم من خلال القراءة الخطية، "فجميع الناس باتوا يقرأون"، منوهاً إلى أن الرواية الحديثة، تشكل رؤية أخرى للعالم، تكسر أطر الأيديولوجيا والحدود السياسية؛ حيث إن السرد داخل الرواية يعتبر قوة سياسية غير خاضعة، تعبر عن رؤية الذات للعالم وتقدم صورة للتفكير الجمعي من خلال الفرد.

وشدد صاحب "بابا سارتر" و"مصابيح أورشليم" و"الكافرة"، على كون الرواية الحديثة، تشكل في واحدة من أبرز قيمها الحالية، "معقلاً أخيراً للدفاع عن الهويات الصغيرة"؛ إذ إنها لا تكتفي بالتعبير عن ثقافة شعب ما يقطن مساحة جغرافية محددة، إنما صارت تعبر كذلك عن أفكار ورؤى ذاتية لجماعات صغيرة تشترك في فكرة ما. واستشهد بدر في هذا السياق برواية "نادي القتال" لمؤلفها تشاك بولانيوك، والتي مثلت مجموعة من البشر يشتركون في نادٍ أسسوه، لتفريغ غضبهم من حيواتهم الخاصة وروتينها.

في المقابل رأى حمدان أن رواية العولمة "تتجاوز الذائقة المحلية إلى العالمية"، فيتم التركيز على أفكار عالمية، قد لا تشكل أولويات لدى الشعوب المحلية. وساق أمثلة، على سبيل المثال لا الحصر، على أعمال الكاتب العراقي حسن بلاسم، والروائية العراقية عالية ممدوح، وأشار إلى تناولهما موضوعات كالمثلية الجنسية والهوية الجنسية كموضوعات أساسية، وبشكل "مسف" على حد وصفه؛ إذ اعتبر أن هنالك "أولويات محلية، أكثر أهمية، يمكن تناولها في المواضيع الروائية، لتصل إلى العالمية ضمن سياقها".

غير أن بدر اختلف مع حمدان فيما ذهب إليه، مشيراً إلى أنه "لا تخوف من وحدة ثقافية، أو من عولمة ثقافية صارت اليوم نتيجة طبيعية للتطور والحداثة"، رائياً أن أبسط ما يمكن قوله في هذا الشأن، هو ذلك التغير المهم الذي طرأ في الغرب الذي أسس سردياته (رواياته) على "العلم والعقلانية"، إلى أن جاء الوقت الذي اكتشف فيه سرديات روائية لإفريقيا وأميركا اللاتينية، ووجد في رواياتها تلك "الفانتازية واللاعقلانية" تفتيتاً لسردياته ورموزه لإبراز الجمال؛ لتحلّ جماليات سحرية وروحانية في المقابل؛ إذ تمكنت تلك الروايات من تقديم رؤية فكرية وجمالية مختلفة للعالم، كما حصل مثلاً على الصعيد العربي، بظهور الرواية الجزائرية التي شكلت تفكيكاً وسرداً من زاوية مختلفة عن تلك التي ظهرت عن الجزائر في روايات فرنسا الاستعمارية، أو كما حصل حين قرر مؤرخون هنود سرد تاريخ الهند من زاوية تختلف عن سرد الاستعمار البريطاني لها، فقرروا كتابة حكايات الشعب الهندي، كما عاشها، كروايات.

الشرفات: الروائي، صار يتغلغل بجرأة في كل هذا العالم، دون أن يكتفي بتأمله فقط.

الندوة التي امتدت ساعتين، دار في نهايتها نقاش أثرى الجلسة؛ حيث وجه الكاتب ربيع ربيع سؤالاً استفسر فيه عن تموقع الزمني والمكاني في روايات الكاتب علي بدر وعلاقتهما بالانتقال من المحلية إلى العالمية، والذي أجاب عنه بدر بأمثلة من رواياته التي عالجت قضايا دينية وثقافية اشتبكت مع ما هو مختلف من معتقدات في عوالم أخرى غير محلية.

كما قدم الطالب الجامعي الموريتاني باه محمد، مداخلة قال فيها إن المشرق العربي والعالم مثلاً، لا يعرفان الكثير عن بلد مثل موريتانيا؛ لأنها لم تنتج سرديات (روايات) يمكن من خلالها أن تشارك وجودها مع العالم، في إشارة للرؤى المعولمة، في حين طرح الروائي الأردني هاشم غرايبة، ملاحظة عن كون الأدب عموماً والرواية خصوصاً، تنقذ الإنسان الفرد؛ لأنها تشكل محاولة للتعبير عن ذاته وهمومه العامة والخاصة لهذا العالم.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق