بنيـة الفساد في العالم العربي الأسباب والدوافع.. وطرائـق العلاج
26 اغسطس 2016 | 0 تعليق

*باحث وكاتب سوري
نبيل علي صالح *

نعيش في عالم يشهد تحولات مذهلة ومتغيرات متسارعة في كثير من مواقعه ومجالاته، وخاصة في المجال الاقتصادي والتقني العلمي، حيث يقوم نظام الاقتصاد الرأسمالي المعولم (القائم على ثلاثية القوة: الثروة والمعرفة والسلطة) بفرض معايير العولمة ومتطلباتها، على باقي المجتمعات والدول النامية ومنها دولنا العربية، بما يهدف إلى زيادة ثروته، ورفاهيته، وتوسيع مساحة السيطرة لديه على باقي الأمم والمجتمعات البشرية، وهذا يتطلب منه على الدوام، توفير كافة عناصر ومستلزمات بقاء معايير القوة في أيدي حوالي ربع سكان العالم فقط، وبما يجعل هذه المجتمعات المتقدمة والمترفة بعيدة كلياً عن كل أشكال الفقر، ومظاهر الجهل والتخلف.. مع السماح بحداثة شكلية سطحية لباقي المجتمعات الفقيرة، ومنها مجتمعاتنا بما يبقيها في حالة عوز وحاجة دائمة لمساعدة تلك الدول الغنية، والمتمثلة حالياً بمجموعة الدول الصناعية السبع (G7).

إن هذه الحداثة "القشرية الاستهلاكية"[1] التي ما تزال تتعيش مجتمعاتنا العربية على منجزاتها الخارجية ومظاهرها البرّاقة، تشكل أزمةً كبرى تواجهها على مستوى وجودها وفعاليتها ودورها الحضاري، وعلى مستوى ضآلة فرصها وخياراتها في تطبيق مشروعها النهضوي الحضاري التنويري.

باتت ظاهرة الفساد ذات جذور عميقة ضاربة في داخل بنية بلداننا، وشديدة البروز وواسعة الانتشار في تربة مجتمعاتنا

وتتمظهر تلك الأزمة من خلال ما تكابده بلداننا من مشقّات ذاتية وموانع موضوعية، وما تعايشه من تحولات وأوضاع صعبة ومتردية أوصلتنا جميعاً كمواطنين وأفراد، إلى الدرك الأسفل، أو إلى حافة الهاوية على مختلف الأصعدة، وفي مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعلى امتداد الوطن العربي كله.

في هذه الدراسة، سنبحثُ في جانب ومجال مهم من جوانب ومجالات هذا المشهد المأساوي الذي تعيشه مجتمعاتنا، والذي ساهم في تكريس واستمرارية واقع التخلف السائد عندنا، وهو مجال الفسادالذي أصبح قضية مفصلية وتحدياً جوهرياً أمام تطور وتحديث الدولة العربية الحديثة على اختلاف تعابيره وتجلياته السياسية والاقتصادية (وبصورة خاصة الفساد الإداري والمالي).

لقد باتت ظاهرة الفساد ذات جذور عميقة ضاربة في داخل بنية بلداننا، وشديدة البروز وواسعة الانتشار في تربة مجتمعاتنا، وأوصاله كلها تقريباً، تتلقى الدعم والإسناد، وتحظى برعاية مطلقة من مواقع كبيرة بحجمها المادي والمعنوي.. ولا نغالي إذا ما شبهنا الفساد المستشري في أوساط مجتمعاتنا كالمارد أو كالغول الذي يريد التهام ما تبقى من موارد عالمنا العربي، وثرواته، ومقدراته.

تحديد معنى مفهوم الفساد:

يقتضي الاتفاق في معظم البحوث الأكاديمية على تحديد معنى المصطلحات المستخدمة ومضمونها، حتى ينحصر الجدل في إطاره الموضوعي. وبالنظر إلى ذلك، فإنه يمكن تعريف الفساد بالمعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.

الفساد لغةً:

الفساد في معاجم اللغة، [2] أصله كلمة (فسد) ضد صَلُحَ.. (والفساد) لغةً البطلان، فيقال: فسد الشيء، أي بطُلَ واضمحل، ويأتي التعبير على معانٍ عدة بحسب موقعه.. فهو (الجدب أو القحط) كما في جاء في الآية الكريمة: "ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"(الروم: 41)، أو (الطّغيان والتجبّر) كما في قوله: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"(القصص: 83) أو (عصيان لطاعة الله) كما في قوله: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.. "(المائدة: 33)، حيث تركّز الآية السابقة على تحريم الفساد على نحو كلي شامل، وتتوعد أصحابه والقائمين به بأشد أنواع العذاب وبالخزي العار في الدنيا والآخرة.

الفساد اصطلاحاً:

ليس هناك تعريف محدد للفساد بالمعنى الذي يستخدم فيه هذا المصطلح في أوقاتنا الراهنة، لكن ثمة اتجاهات متعددة تتفق على أن الفساد هو إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة، والتلاعب بها بهدف تحقيق المصلحة الخاصة والكسب الخاص.. أي استثمار الموظف (العامل) لموقعه ضمن تراتبية الإدارة في الدولة والمؤسسة العامة أو الخاصة لخدمة مصالحه. في حين ينظر علم الاجتماع إلى الفساد بأنه (علاقة اجتماعية) تتمثل في انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي في ما يتعلق بالمصلحة العامة[3]..ويرجع سلوك الفساد إلى عدم استقامة ذاتية للشخص الذي يمارسه، وبالتالي فهو انتهاك لقيمه وقيم المجتمع الذي يمارس ضده هذا السلوك.

ثمة اتجاهات متعددة تتفق على أن الفساد هو إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة، والتلاعب بها بهدف تحقيق المصلحة الخاصة والكسب الخاص

أما أصحاب القانون والاتجاه القانوني، فيعدون الفساد انحرافاً في الالتزام بالقواعد القانونية، وهناك إجماع على أن للفساد أثراً مدمراً على القانون وعلى القضاء عندما يطاله ويشمله بمؤثراته المهلكة.

وقد اختارت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد للعام 2003 ألا تعرّف الفساد تعريفاً فلسفياً أو وصفياً، بل انصرفتْ إلى تعريفه من خلال الإشارة إلى الحالات التي يترجم فيها الفساد إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع، ومن ثم القيام بتجريم هذه الممارسات، وهي:

- الرشوة بجميع وجوهها، وفي القطاعين العام والخاص.

- والاختلاس بجميع وجوهه.

- والمتاجرة بالنقود.

- وإساءة استغلال الوظيفة.

- وتبييض الأموال.

- والثراء غير المشروع وغيرها من أوجه الفساد الأخرى[4].

إن الفساد يحدث عندما يقوم موظف بقبول رشوة أو ابتزاز، لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة، كما يتم عندما يقوم وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة بتقديم رشاوى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافس، وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية، كما قد يحدث الفساد بأوجه أخرى كاللجوء في تعيين الأقارب إلى المحسوبية وكذلك سرقة أموال الدولة بطرق متعددة[5].

وصندوق النقد الدولي (imf) له مفهومه الخاص عن الفساد، حيث يراه بأنه علاقة الأيادي الطويلة المتعمدة التي تهدف لاستنتاج الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو لمجموعة ذات علاقة بالآخرين.[6]

ويمكن التمييز بين حالتين من الفساد؛ الأولى تتم بقبض الرشوة عند تقديم الخدمة الاعتيادية المشروعة والمقررة. أما الحالة الثانية، فتتمثل في قيام الموظف بتأمين خدمات غير شرعية وغير منصوص عليها ومخالفة للقانون مقابل تقاضي الرشوة، كإفشاء معلومات سرية أو إعطاء تراخيص غير مبررة أو القيام بتسهيلات ضريبية وإتمام صفقات غير شرعية وغيرها[7]، من التعاملات غير القانونية التي يحصل مقابلها المرتشي على مبالغ ومردودات مادية مقابل تسهيلاته التي يقدمها، وتضر قواعد العمل التي من المفروض أن يكون ملتزماً بها.

إن الفساد جريمة مبنية على التفكير والحساب والتخطيط وليس على العاطفة، وعليه فهو من الجرائم التي تزيد التراكمات المادية غير الشرعية، والمخالفة للقوانين والمؤثرة تأثيراً سلبياً في بنية المجتمع واقتصاده.

وعليه، فالفساد عموماً هو عكس الاستقامة والنزاهة والإيجابية والبناء، وهو ممارسة وسلوك لتغليب المنفعة الشخصية على المنفعة العامة واستغلال المصلحة العامة لتحقيق المنافع الشخصية دون النظر إلى المنفعة العامة.

أخذ الفساد في الدول العربية أشكالاً متعددة ومتنوعة، وتتسبب طبيعة الأنظمة السياسية في تعميم ظاهرته، بوصفها أداة سلطوية لإعادة توزيع الثروة في المجتمع

من جميع هذه الاشتقاقات، يمكن الإشارة إلى الفساد بأنه سوء سلوك ذاتي ينعكس على الآخرين، وما قد يجنيه الشخص من ذلك السلوك من تحقيق أرباح مادية طائلة، إلا أنها تكون على حساب المجتمع المحيط به، وما قد يلحق ذلك من آثار سلبية في المجتمع، والتي تتجسد في ازدياد صور الانحراف وامتدادها عبر شبكات تتاجر وتقامر باقتصاد ومقومات البلد من خلال إضعافه داخلياً للانتقال إلى المتاجرة بمقدراته خارجياً، إضافة إلى غرس صفات الابتزاز والجشع والاحتيال والنصب، نتيجة لوجود نفوس ضعيفة تمارس الفساد بأوجه أطره المختلفة.

مظاهر وأنواع الفساد:

يمكن تصنيف الفساد - من حيث أشكاله وتمظهراته السلبية الواقعية على مستوى الفرد والمجتمع والدولة- في الأنواع التالية:

النوع الأول: الفساد السياسي

يتعلق هذا النمط من أنماط الفساد بطبيعة الحكم والنظام السياسي والممارسة السياسية وآليات العمل السياسي السائدة في مؤسسات أية دولة، حيث إنه ورغم وجود فارق أساسي بين طبيعة المجتمعات التي تنتهج أنظمتها السياسية أساليب الحكم الديمقراطي، وتوسيع مشاركة الناس في صنع القرار، وبين الدول التي يكون فيها الحكم مركزياً أو شمولياً وديكتاتورياً، لكن العوامل المشتركة لانتشار الفساد في كلا النوعين من الأنظمة تتمثل في نسق وآليات الحكم الفاسد.

ويتمظهر هذا النمط واقعياً من خلال إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومة) من قبل النخب الحاكمة لغايات محض خاصة وغير مشروعة، وعادة ما تكون ممارساتها سرية من أجل تحقيق مكاسب نفعية شخصية، تتجسّد (في سياق عمل إدارات الدولة) في عجز مؤسسات وقطاعات الدولة المتعددة والمتنوعة عن القيام بمهامها ووظائفها وواجباتها الملقاة على عاتقها، والمتمثلة في البناء السليم المتوازن والحديث لإنسانها ومجتمعاتها (تحقيق مستوى معيشي نوعي متطور، وقدرة مشاركة كبيرة في الحكم، و...إلخ)، بسبب شخصنة عملها (هيمنة فئة صغيرة على هيئة نظام حكم على مقدرات الاقتصاد الوطني ككل) وتكريس مختلف خطوط ومواقع الانحرافات المالية ومخالفات القواعد والأحكام التي تنظم عمل النسق السياسي (المؤسسات السياسية) في الدولة.

يولد الفساد تشوهات اقتصادية في القطاع العام عن طريق تحويل استثمار المال العام إلى مشروعات رأسمالية تكثر فيها الرشى

لقد أخذ الفساد في الدول العربية أشكالاً متعددة ومتنوعة، وتتسبب طبيعة الأنظمة السياسية في تعميم ظاهرته، بوصفها أداة سلطوية لإعادة توزيع الثروة في المجتمع. فعندما يحل الفرد مكان المؤسسات السياسية، يتم إضعاف هذه المؤسسات واستبعادها، حيث يتم استغلال المنصب والنفوذ السياسي، لأجل الحصول على مكاسب شخصية، كالحصول على رشاوى وعمولات، سواء في الداخل أو الخارج، وينتج عن هذا الاستبداد استبعاد المشاركة السياسية للمواطنين، ما يحرر الفاسدين من الرقابة والمحاسبة التي توفرها المشاركة السياسية، فهناك علاقة عكسية بين المشاركة السياسية والفساد، فكلما انخفضت درجة المشاركة السياسية يزداد ظهور الفساد، والعكس بالعكس. وتعطي طبيعة الأنظمة السياسية العربية الحماية اللازمة التي تسهل عملية انتشار الفساد داخل النظام السياسي.[8]

ومن أبرز معالم الفساد السياسي أيضاً، ما يعرف بدور المال السياسي، والتمويل السياسي يعني إساءة استعمال الأموال في الحقل السياسي، وذلك بواسطة الأحزاب السياسية والمرشحين في الانتخابات، وذلك لمصلحة مرشح، أو حزب سياسي، أو جماعة سياسية، وأهم النشاطات الخاصة بإساءة استعمال الأموال في المجال السياسي تتجسد في الإنفاق غير المشروع بما فيه شراء الأصوات، والتمويل من مصادر غير معروفة، وبيع المقابلات الدعائية، أو الوصول إلى الإعلام الأكثر انتشاراً، وإساءة استعمال مصادر الدولة المالية، وتدخل الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال في دعم بعض المرشحين والسياسيين، إضافة إلى النشاطات الخارجة على قواعد التمويل السياسي المعروفة، وإجبار القطاع الخاص على دفع أموال للحماية من إجراءات الدولة، وتخفيض الأموال المخصصة لأحزاب المعارضة. وبالتالي، فإنّ إساءة استعمال المال في السياسة يمكن أن يعكس ويحدث، مشاكل كبيرة للدول الديمقراطية، ويؤدي الأداء المشوه للأحزاب السياسية وللأفراد، عند إساءة استعمال المال، إلى انعدام الثقة في المجالس السياسية التمثيلية وفي النشاطات التي تقوم بها.[9]

تأثيرات الفساد السياسي على حاضر ومستقبل البلدان:

يمكن تحديدها في النقاط التالية:

أ- التأثيرات السلبية للفساد على السياسة والقضاء ومختلف إدارات البلد:

يمثل الفساد تحدياً خطيراً وعائقاً كبيراً في طريق التنمية لأي مجتمع؛ فهو على الصعيد السياسي يقوض أسس وأركان حكم الديمقراطية والتعددية السياسية، وينسف دعائم الحكم الصالح من خلال تعويم أو حتى تغيير مسار العملية السياسية الرسمية.

أما الفساد في الانتخابات والهيئات التشريعية؛ فإنه يوصل إلى سدة البرلمانات والمجالس النيابية وغيرها أشخاصاً غير جديرين وغير مناسبين لتحمل مسؤولية التمثيل الصحيح للشعب في عملية صنع القرار السياسي غيره من القرارات المصيرية للبلد، كما أنه يقلل من مساحة وجود النقد والمساءلة.

أما الفساد القضائي؛ فإنه يعرض سيادة القانون للخطر، ويجعله مطية يركبها أصحاب النفوذ والحظوة والثروة والسلطة.

وأما الفساد في الإدارة العامة، فيؤدي إلى انعدام التوزيع العادل للخدمات التي تقدمها الدولة للفرد والمجتمع.

 

ب- التأثيرات الاقتصادية السلبية للفساد السياسي:

يؤدي الفساد السياسي (على الصعيد الاقتصادي التنموي، كما نراه في معظم مجتمعات العالم المتأخر) إلى تقويض دعائم التنمية البشرية من جذورها؛ وذلك لتسببه في حدوث تشوهات وحالات عجز ضخمة.

- كما ويؤدي انتشار الفساد في القطاع الخاص إلى زيادة كلفة العمل التجاري من خلال زيادة سعر المدفوعات غير المشروعة نفسها.. وكذلك لازدياد النفقات الإدارية الناجمة عن التفاوض (ونعني بها عمليات التراضي وتسوية الصفقات مع أولي الأمر!!) مع المسؤولين ومخاطر انتهاك الاتفاقيات أو الانكشاف.

يتمظهر في العمل الوظيفي في مجمل الانحرافات الأخلاقية والسلوكية المتعلقة بسلوك الموظف الشخصي وتصرفاته الخاصة والعامة تجاه نفسه وتجاه محيطه العملي

- وعلى الرغم من أن البعض يدّعي بأن الفساد يقلل من النفقات الإدارية عن طريق تجاوز الروتين الإداري، إلا أن وجود الرشوة يمكن كذلك أن يدفع بالمسؤولين لاستحداث تعليمات وحالات تأخير جديدة في إنجاز المعاملات. ومع إسهامه في زيادة تضخم النفقات التجارية، فإن الفساد يشوه الحقل التجاري لأي بلد، إذ يحمي الشركات والمؤسسات ذات المعرفة والحظوة لدى الحكومة من المنافسة، ما يعني بالنتيجة استمرار وجود شركات غير كفيّة وغير منتجة، تتطفل (وتتعيّش) على خراب (ودمار) غيرها.

- وعلاوة على ذلك، يولد الفساد تشوهات اقتصادية في القطاع العام عن طريق تحويل استثمار المال العام إلى مشروعات رأسمالية تكثر فيها الرشى. ويلجأ المسؤولون إلى حيلة زيادة التعقيدات الفنية لمشاريع القطاع العام، لإخفاء أو لتمهيد الطريق لهذه التعاملات غير المشروعة، ما يؤدي بالنتيجة إلى زيادة تشويه استثمار المال العام.

- ويؤدي الفساد أيضاً إلى خفض معدلات الالتزام بضوابط البناء والمحافظة على البيئة والضوابط الأخرى، وإلى تردي نوعية الخدمات التي تقدمها الحكومية، وزيادة الضغوط على ميزانية الحكومة.

- وسائل وأدوات الفساد السياسي:

أ- استخدام الرشوة المادية والمعنوية:

الرشوة بالتعريف الاصطلاحي العملي - وكما وردت في مختلف القواميس والموسوعات العربية والعالمية- هي: "أن يدفع الإنسان مالاً من أجل أن يستفيد حقاً ليس له، بل من حق غيره أو من حق الصالح العام.. أو أن يعفي نفسه من واجب عليه تجاه مجتمعه والواجب العام". طبعاً، لا بد لحدوث الرشوة من توفر أكثر من عنصر وطرف، فهناك الشخص الذي يعطي الرشوة والشخص الذي يأخذها.. وحكمها الديني في هذه الحالة ما قاله رسول الله(ص): "الراشي والمرتشي في النار". أما إذا كان هناك ظرف خاص يجعل الإنسان غير قادر على استيفاء حق له إلا بأداء الرشوة للظالمين أو الحكام؛ فإن ما يدفعه في هذه الحال من أجل الوصول إلى حقه لا يعتبر رشوة، كما يرى بعض العلماء.

ب- استخدام وسائل الابتزاز السياسي والضغط الأمني:

الابتزاز هو نوع من الضغط المادي أو المعنوي المباشر الذي يقوم به شخص متنفذ وصاحب سطوة في أي موقع من مواقع الدولة ضد مسؤولين آخرين أو تجار أو اقتصاديين أو من في حكمهم، بهدف الحصول على أموال أو مواقع أو هدايا أو غيرها.. أو هو -على وجه العموم- قيام المسؤول السياسي بنفسه (على اختلاف موقعه ومنصبه الكبير المتقدم في تراتبية الحكم ضمن الدولة، إذ قد يكون السياسي هنا صاحب مكانة ونفوذ اقتصادي، أو أمني، أو حزبي، أو ..إلخ) بالاستفادة من الأموال العامة بطرق غير قانونية. ويمكن مقارنة الابتزاز بالاتجار بالمنصب.

ج- المساهمات (المادية والمعنوية) في الحملات الانتخابية

(استخدام النفوذ والسلطة، والأموال المشبوهة):

قد يصعب إثبات الفساد في الميدان السياسي، ولكن يستحيل كذلك نفي وجوده.. ففي كثير من الدول تقوم فئات ذات قوة مادية أو معنوية في المجتمع –كالتجار ورجالات الأعمال وأصحاب النفوذ من نخبة الحكم السياسي أو الأمني أو..- بالتعاون والتعاضد مع بعضها البعض لإيصال هذا المرشح أو ذاك، أو إسقاط هذا الحزب أو ذاك، باستخدام المال والنفوذ والحظوة والمكانة وإلخ.. وبسبب من حاجة بعض المرشحين للانتخابات البلدية أو النيابية مثلاً إلى حشد الدعم المالي –غير المتوفر لهم- لحملاتهم الانتخابية، فإنهم يكونون في موقع ضعيف ويعرضون حياتهم وسمعتهم المستقبلية للخطر. ولذلك يظهرون لاحقاً بعد حصولهم على الدعم من طرف أو جهةٍ ما وكأنهم يعملون لصالح هذه الجهة التي قامت بتمويل حملاتهم وتحمل تبعات ذلك كله، وهو ما يفتح المجال للحديث عن فسادهم السياسي، حيث إن الإنسان عبدٌ لمن يخدمه (خصوصاً في مجتمعات الفقر والعوز والحاجة).

يؤدي الفساد إلى تهشيم الصلة الطبيعية التي يمكن أن تقوم بين الفرد وبين دولته ومؤسساته المتعددة

النوع الثاني: الفساد المالي

ويتمثل بمجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي تنظم سير العمل الإداري والمالي في الدولة ومؤسساتها، ومخالفة التعليمات الخاصة بأجهزة الرقابة المالية كالجهاز المركزي للرقابة المالية (مثلاً) المختص بفحص ومراقبة حسابات وأموال الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة والشركات العامة التابعة لها.

النوع الثالث: الفساد الإداري

ويتعلق بمظاهر الفساد والانحرافات الإدارية والوظيفية أو التنظيمية، وتلك المخالفات التي تصدر عن الموظف العام خلال تأديته لمهام وظيفته الرسمية ضمن منظومة التشريعات والقوانين والضوابط ومنظومة القيم الفردية.

وتتمثل مظاهر الفساد الإداري هنا من خلال النقاط التالية:

- عدم احترام أوقات ومواعيد العمل في الحضور والانصراف.

- تمضية الوقت في قراءة الصحف، واستقبال الزوار وتناول المأكولات والمشروبات والتنزه في الحديقة أو في مكاتب الموظفين.

- الامتناع عن أداء العمل أو التراخي والتكاسل قصداً أو عن حسن نية.

- عدم تحمل المسؤولية الإدارية والقانونية لدى العامل، إما لضعف الوعي القانوني لديه، أو عدم استيعابه لحقوقه وواجباته (وعدم معرفة الآليات والنظم الإدارية التي تتم من خلالها ممارسة الوظيفة.

- إفشاء أسرار الوظيفة، وطبيعة الأعمال المنجزة أو تلك التي ستنجز الخاصة بهذه المؤسسة أو تلك، والخروج عن العمل الجماعي في الأداء الوظيفي العام.

النوع الرابع: الفساد الأخلاقي

وهو يتمظهر في العمل الوظيفي في مجمل الانحرافات الأخلاقية والسلوكية المتعلقة بسلوك الموظف الشخصي وتصرفاته الخاصة والعامة تجاه نفسه وتجاه محيطه العملي.

أسباب الفساد وتأثيره على الفرد والمجتمع:

الظروف الملائمة (والمهيئة) للفساد:

* هيمنة الاستبداد السياسي، وتركز السلطة فئوياً بيد قلة من الناس (سيطرة الحكم الفردي).

* ممارسات كثير من الدول والمواقع والقوى الدولية الكبرى التي تدفع العمولات والرشاوى لمسؤولي هذه الدولة أو تلك من أجل الحصول على عطاء هنا أو صفقة هناك، والدول الكبرى التي تقوم بذلك تعتبر هذا العمل الجاري - بالنسبة إليها- بمثابة مصروفات تحددها هذه الدولة، لتسهيل أمورها خارج البلد، ولا تعدها رشوة يعاقب عليها القانون، بل تقوم بخصم هذه المصروفات من الضرائب التي تدفعها الشركات والأفراد للحكومة.

* وجود البنى الحكومية المتناحرة والمتضاربة المصالح والتوجهات، والتي لا تتحكم بها مشاعر المصلحة العامة، وحقوق المجتمع، وبناء مستقبل زاهر ومنتج للبلد، بل تعيش هاجس المنفعة والأنانية المنغلقة، والاستجابة لمصالح شبكات المعارف والمحسوبيات.

* تغييب الديمقراطية والنهج التعددي السلمي في تداول السلطة وحكم المجتمع.

* انعدام الشفافية في الممارسة الفردية والجماعية والحكومية (عدم وجود حرية تداول المعلومات والبيانات والإحصائيات لمختلف مواقع الحكم على مستوى الوزارات والشركات والمؤسسات..).

* عدم قيام المجالس الشعبية والبرلمانات الموصّفة (المنتخبة شكلياً!؟) بواجبها في المحاسبة والمساءلة والنقد، والإشراف المباشر على مجمل السياسات التنفيذية للحكم القائم.

يعود السبب الأساسي لقلة فرص نجاح عملية مكافحة الفساد إلى شعور المتورطين في أعمال الفساد عندنا بدرجة عالية من الأمن والأمان، في ظل تغييب البيئة القانونية، وتعثر المراقبة والمحاسبة

* ضعف (أو على الأصح: تضعيف) السلطة القضائية، بهدف تقزيمها أمام الناس، وزعزعة ثقتهم بها، وأن هناك أشخاصاً متنفذين أعلى منها.

* انخفاض رواتب الموظفين الحكوميين، وتعميم سياسة التفقير العام الشامل، مما يجعلهم يفكرون في تجاوز حدود واجباتهم الوظيفية ومد أيديهم لجيوب الآخرين (من زملاء في العمل، أو مراجعين أو مقاولين متعهدين أو غيرهم..) سرقةً أو رشوةً أو ابتزازاً أو غيره، من أجل تحسين أحوالهم المعاشية.

الآثار الميدانية الناجمة عن الفساد:

1. تدني كفاءة الاستثمار العام وإضعاف مستوى الجودة في البنية التحية العامة، وذلك بسبب الرشاوى والعمولات التي يتلقاها المشرفون والمتنفذون وأصحاب القرارات..

2. إضعاف حجم ونوعية موارد الاستثمار الأجنبي؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه البلدان النامية إلى استقطاب موارد الاستثمار الأجنبي لما تنطوي عليه هذه الاستثمارات من إمكانات نقل المهارات والتكنولوجيا الحديثة، فقد أثبتت الدراسات أن الفساد يضعف هذه التدفقات الاستثمارية، وقد يعطلها في أحايين كثيرة.

3. تردي حالة توزيع الدخل والثروة في الدولة.

4. ارتفاع معدلات الفقر والإفقار وتراجع العدالة الاجتماعية نتيجة تركز الثروات والسلطات كلها في أيدي فئة قليلة من المجتمع، وسوء توزيع الدخول والقروض والخدمات في الدولة، وانعدام ظاهرة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي، وتدني المستوى المعيشي لطبقات كثيرة في المجتمع.

5. تأثير الفساد على قيم العمل، قد يؤدي إلى إلغاء أو إضعاف مفعول الحوافز الموضوعية العادلة.

6. تهشيم الصلة الطبيعية التي يمكن أن تقوم بين الفرد وبين دولته ومؤسساته المتعددة.

خطة أولى سريعة لمعالجة الفساد العربي:

يمكن الإشارة إلى النقاط المهمة التالية المطبقة بشكل صحيح في كثير من الدول، وقد كانت لها نتائج ميدانية كبيرة على مستوى نوعية العمل والإنتاج ومكافحة الفساد:

1. معاقبة بعض كبار المخالفين واللصوص والمفسدين المحترفين؛ فعندما تكون هناك مشاركة كبيرة في أعمال الفساد مع الإفلات من العقاب يكون الحل الوحيد هو إدانة ومعاقبة عدد من كبار الشخصيات الفاسدة.

2. التركيز على الفساد الموجود في القطاع الخاص، حيث درجت العادة عندنا بأن الفساد خلق في رحم القطاع العام وخرج إلى النور من مشاكله، إلا أن الفساد في القطاع الخاص ليس أقل حجماً وأثراً، لذلك يجب مكافحته.

3. تبسيط وسائل العمل، [10] وتحديد مهل إنجاز المعاملات. وذلك لأن هذا التبسيط يتصل بأمرين أساسيين يعول عليهما المواطن، وهما:

أ. تحقيق وتنفيذ معاملاته بأقل نفقة ممكنة.

ب. تحقيق وتنفيذ معاملاته بأسرع وبأقرب مكان ممكن، وبالتالي بأسرع وقت ممكن.

4. القيام بإجراء تنقلات دورية بين الموظفين (كلما أمكن ذلك) يمكن أن يسهل ويعمل على تخفيض حالات الرشوة السائدة.

5. تشكيل لجان خاصة لوضع نظام متكامل لأداء الموظفين، تقوم بإجراء تفتيش دوري بين الدوائر والوزارات وإعداد التقارير الخاصة بذلك.

6. وضع مصنف يتضمن تقسيم الوظائف العامة على وفق طبيعة مهامها إلى فئات ورتب تتطلب من شاغليها مؤهلات ومعارف من مستوى واحد (أي اعتماد معيار الكفاءة والخبرة فقط، واختيار الموظفين من ذوي المهنية والاختصاص).

7. تحديد سلسلة رواتب لكل فئة من الفئات الواردة في المصنف بعد إجراء دراسة مقارنة للوظائف المتشابهة في القطاعين العام والخاص.

8. إنشاء نظام رقابي فعّال مستقل مهمته الوحيدة هي في الإشراف المباشر على العمل، ومتابعة الممارسات التي تتم من قبل الوزراء والموظفين العاملين في كل وزارة ومؤسسة.

9. تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في المساهمة بالحد من الفساد وبأشكاله المختلفة.

ينبغي الالتزام بتبني منظومة قيم وأخلاق إنسانية ودينية وقانونية في مجتمعاتنا

10. لا بديل عن الزيادات المستمرة في دخل الموظف (وفقاً للمتاح طبعاً ومع زيادة الإنتاج)، وهو أكبر ضمانة لمكافحة الفساد القائم.

11. إصلاح أنظمة الحوافز القائمة في المؤسسات الرسمية، حيث تكون معدلات الأجور في القطاع العام منخفضة في العديد من الدول، إلى الحد الذي لا يستطيع معه الموظف من إعالة أسرته دون العوز، إضافة إلى أن القطاع العام يفتقر إلى مقياس النجاح، فما يتقاضاه الموظف لا علاقة له بما ينتجه.

12. تفعيل إدارة الخدمات.. وضرورة أن يطال ذلك جميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات؛ أي أن تعطى إدارات الخدمات ذات العلاقة بالجمهور الأولوية الأولى.

والتفعيل هنا يقتضي أن يتناول أربع قضايا أساسية هي:

أ. هيكلية هذه الإدارات وبنيتها، وتحديد مهامها وصلاحياتها، حيث يُعاد تكوينها على أسس علمية ومسلمات معروفة.

ب. توفير العنصر البشري النوعي في هذه الإدارات، حيث يقع الاختيار دائماً على صاحب الجدارة والمهارة.

ج. أساليب العمل، وهنا ينبغي أن يعاد النظر في آليات وأساليب العمل القائمة لجهة تبسيطها، وخلوها من التعقيدات الإدارية والعملية، وجعلها أكثر مرونة وشفافيةً.

د. وسائل العمل من أدوات وتجهيزات وآلات ومعدات تعتبر من لزوميات أساليب العمل.

13. العمل بمبدأ الشفافية والوضوح الكامل في جميع مرافق ومؤسسات الدولة.

14. إشاعة المدركات الأخلاقية والدينية والثقافية والحضارية بين عموم المواطنين.

15. تفعيل الجهاز الإعلامي لما له من أثر كبير في الكشف عن عمليات الفساد الصغيرة والكبيرة، ودوره في توجيه الجماهير نحو محاربة الفساد والتعريف بمؤثراته وما ينجم عنه من أضرار.

16. تعزيز الاتفاقيات الدولية التي من شأنها أن تكافح الفساد العالمي والجريمة المنظمة وتوفيق التشريع الوطني بما ينسجم معها.

17. ضرورة قيام تحالفات دولية بين بعض الدول والدول المجاورة لها لمراقبة الفساد عبر الحدود الدولية وضبطه.

18. إقامة المؤتمرات وإعداد البحوث والدراسات بشكل مكثف لتسليط الضوء وبشكل واسع على الفساد وآثاره المختلفة، لغرض تطويقه ووضع الآليات المناسبة للحد منه.

لا شك أن الفساد (وبصرف النظر عن أنواعه ومواقعه وأوجهه المتعددة التي يمكن أن يتجلى بهل في بنى المجتمع ومؤسسات الدولة)، هو داء ومرض اجتماعي خطير، قد يدمر مجتمعات وبلدان بأكملها إذا لم تتوافر له مقومات وأسس العلاج الفكرية والسياسية والاقتصادية المناسبة.

ولكن المشكلة الأكبر هي في تعثر مواجهته، واستمرار آثاره السلبية في بلداننا العربية والإسلامية، وعدم نجاح آليات مكافحته. ويعود السبب الأساسي لقلة فرص نجاح عملية مكافحة الفساد إلى شعور المتورطين في أعمال الفساد عندنا (في مجتمعاتنا العربية بالذات) بدرجة عالية من الأمنوالأمان، في ظل تغييب البيئة القانونية، وتعثر المراقبة والمحاسبة وآليات المساءلة الحقيقية.. وبالإضافة إلى العوائد الناجمة عن الفساد؛ فالموقف اللامبالي للمواطنين لا يخلق مناخاً معادياً للأعمال المرتبطة بالفساد، بل على العكس، يرون فيها نوعا من تسهيل التعقيدات التي يواجهونها في مراجعة دوائر الدولة، والحصول على موافقاتها، لذلك، يبدو من الطبيعي أن يزداد انتشار الفساد في غياب الاتجاهات المعادية له.. فالفاسد عندما يكون امتداداً للنظام المستبد يقوم النظام بحمايته كجزء عضوي منه. ما يعطي المتورطين في أعمال الفساد درجة عالية من الأمان والحماية، لذلك كلما زاد الشعور بالأمن وعدم القدرة على كشف الأعمال الفاسدة والمحاسبة عليها ازداد الفساد انتشاراً.[11]

طبعاً، نحن عندما نطالب بوجوب المبادرة الفورية لعلاج مختلف أنواع الفساد المكرسة في مجتمعاتنا العربية - والتي أصبحت عملا شبه قانوني رسمي (مغطى من رجالات الدول الرسميين المتنفذين)، له قواعده ورموزه وشخوصه والمدافعين عنه- فإننا نتطلع إلى ضرورة علاج مقدمات الفساد لا نتائجه فقط، وألا يقتصر العلاج على الفساد الصغير والمفسدين الصغار، بل ضرورة أن تطال عملية مكافحة الفاسد الكبير قبل الفاسد الصغير؛ فالقضاء على الفساد الصغير غير مجدٍ مع بقاء الفساد والمفسدين الكبار مهيمنين ومتربصين.

والعملية هنا تستوجب القضاء على كليهما، كما أن المسألة هي ليست المناداة بالقضاء على الفساد إعلامياً وإعلانياً فقط، دون وضع الأسس السياسية والاجتماعية العقلانية والممهدة فعلياً لعلاجه، وأنا هنا أشدد على أنه من الاستحالة بمكان سحق الفساد أو القضاء عليه قضاءً مبرماً كما يقال؛ فالنظرة الواقعية تقتضي الاعتراف باستحالة التمكن من سحق الفساد بضربة واحدة، بل أن تجري العملية بطريقة واقعية طويلة الأمد للتقليل -بدايةً- من حجم وتأثيرات الفساد على الفرد والمجتمع والدولة. أما أن نرفع الشعارات الطنّانة لمكافحة الفساد والقضاء عليه، من دون أن نبادر عملياً لاتخاذ الإجراءات العملية والتنفيذية البسيطة المطلوبة؛ فإن هذا العلاج لا يعدو أن يكون أكثر من تكريس لمواقع الفساد، ومختلف مواقعه القائمة.

لذلك، ينبغي أولاً - وقبل أي شيء- الالتزام بتبني منظومة قيم وأخلاق إنسانية ودينية وقانونية في مجتمعاتنا، وهي أساساً موجودة، ولكنها تحتاج إلى تفعيل على مستويات ثلاثة: فردية ومجتمعية ومؤسساتية (سياسي/اقتصادي)، فعلى الصعيد الفردي من المهم والحيوي إعادة التركيز على غرس الوازع الديني والسلوك الأخلاقي الذي هو عنوان المواطن الصالح، وعلى المستوى المجتمعي العام يجب اختيار القائد الإداري والموظف المناسب في المكان المناسب، بناء على صلاح المعتقد وسلامة المنهج والقيم الروحية والأخلاقية والفضيلة والأمانة والمؤهلات والخبرة والكفاءة والجدارة، بعيداً عن الأغراض والعواطف الشخصية والمحسوبية.

وأما على صعيد المؤسسات والدولة، فإننا نجد هنا أنه إذا لم تتم المعالجة المتكاملة للإشكالية السياسية القائمة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً (إشكالية الحكم والديمقراطية والحريات العامة وإطلاق سراح المجتمع المدني)، سنظل ندور في حلقة مفرغة، ولن يحقق أي مشروع مكافحة فساد، أو إصلاح اقتصادي، أو إداري أو تطوير جدواه، بما ينسجم مع متطلبات تقدم وتنمية وتطور البلاد لمواجهتها التحديات المنتصبة أمامها، ولنستفيد من إنجازات التقدم والتطور الذي يشهده العالم المتشابك والمتداخل المصالح.

وإذا ما أردنا أن يكون لنا موقع ودور ومساهمة حضارية فاعلة ومنتجة، ليس لنا من بديل إلا التحرك على هذا المسار الصعب والشائك، ولكن الممتلئ بالنتائج الإيجابية الباهرة على صعيد الفرد والمجتمع والدولة ككل.

وفي هذا العدد الجديد من مجلة "ذوات"، الذي خصصناه لمناقشة وتحليل "ظاهرة الفساد"، سنلقي بعض الضوء الفكري والسياسي والاقتصادي عليها، في محاولة لتقديم طرح ثقافي ومعرفي حقيقي ورصين حولها، ينطلق من فهمه كظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية تتمظّهر في الواقع العملي (كحالة مرضية عارضة أو مزمنة) لدى كل الأمم والحضارات والبلدان ومنذ أزمان بعيدة، ولا يقتصر وجودها على النظم الشمولية الديكتاتورية القائمة على العقائد الاصطفائية والثوابت الخلاصية والقيم التمامية، بل يتعداه حتى إلى الدول الديمقراطية ذات التوجه السياسي الليبرالي الحر، التي - وإن كان الفساد جزءاً من مشهدها السياسي والاقتصادي- فإنها تواجه الفساد بقوانين رادعة متطورة، ووعي اجتماعي حيوي عميق، ووسائل إعلام حاضرة، وإدارات ومؤسسات رقابية علمية متطورة، حيث تحد من خطورته، وتحجّم تأثيراته، وتمنع إعاقته لتطور الدولة، وتخريبه لعملية التنمية، أو على الأقل تحتويه وتعيده إلى أضيق الحدود والنطاقات، ليصبح بلا فاعلية أو دور، وربما كان لطبيعة النظم الديمقراطية التي تقوم على التداول السلمي للسلطة، والانفتاح السياسي، والإعلام الحر، الدور الأكبر في تقزيم غائلة الفساد، ومكافحته، والحد منه.

وسيتم تسليط الضوء على تلك الظاهرة من قبل كوكبة من المثقفين والمفكرين العرب المختصين الذين تم اختيارهم لتحليل تلك الظاهرة، ودراسة أسباب نموها، ووعي الدور الذي يمارسه نخبها في الركود الاقتصادي والتدهور والتخلف العلمي والسياسي، وعدم وجود رؤى مستقبلية حقيقية تتعلق بموضوعة التنمية، فضلاً عن تهميش قيم الإنجاز والعمل، ومحاولة التعرف على طرائق ووصفات علاجها.

فتحت عنوان: "النسق السياسي العربي بين الفساد والإصلاح.. الأسس والمرجعيات"، قامالباحث السوسيولوجي المغربي الأستاذ عيّاد أبلال"بتفكيك مفهومي الفساد والإصلاح السياسي في المجتمعات العربية، لإعادة بناء المعنى السياسي من خلال الأنثروبولوجيا التأويلية الرمزية كمنهج يتعالق مع باقي الحقول المعرفية، في وقت اللا معنى واللا سياسية الذي ينتجه تضخم الفساد في الأحزاب والحكومات، وكافة المؤسسات ذات الصلة"، وأشار إلى "أن تعدد تمظهرات الفساد وتجلياته في السياسية العربية، يقتضي تحليلياً استدعاء مفاهيم: المحاسبة، المسؤولية، النزاهة، الحق، القانون، وكلها مفاهيم مؤسسة للدساتير الديموقراطية"..

وانتهى الباحث (أبلال) مؤكداً أنّ "تغلغل الفساد في الأنظمة والمجتمعات العربية، وانتشاره في كافة مناحي الاجتماع والعمران البشريين بتعبير ابن خلدون، هو أحد أهم عوامل الممانعة الثقافية للتغيير والتحول نحو دولة الحق والقانون المنشودة".

وفي مقالته "جذور الفساد في العالم العربي" أشار الدّكتور صائب عبد الحميد (مدير المركز العلمي العراقي في بغداد) - في معرض حديثه عن أسباب ومقدمات الفساد في عالمنا العربي- إلى أن بلدان العالم العربي لا تشكل استثناء عالمياً من حيث مرورها بحقب تاريخية عصيبة، بعيدة أو قريبة، لكنها قد تشكل استثناء إلى حد ما من حيث بقاؤها على حال التخلف والتراجع والتفكك المجتمعي، وإبقاؤها على عناصر الضعف وأسبابه.

ولاحظ الدكتور صائب أن الولاءات للأطراف الأجنبية التي لها أيضاً مصالحها المتباينة والمتناقضة أحيانا، يتسبب في تفكك اللحمة المجتمعية، وتلاشي روح المواطنة والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن الواحد. وكل هذه عوامل داعمة لنزعة الفساد السياسي والمالي والإداري في أي بلد يكون عرضة لها.

أما الأستاذ والباحث الأردني محمد برهومة، فقد اهتم في مقاله المهنون بـ "الفساد: مظاهره ومداخل معالجته ومحاصرته" بتعريف الفساد، مبرزاُ أشكاله ومظاهره، وبيئته المثالية، وحتمية مكافحته بالقانون والحوكمة والمحاسبة، متحدثاً عن ارتباط هذه الظاهرة بغياب ثقافة المواطنة وقيم التمدن التي تتماهى مع الوازع الضميري المتناغم مع قانونٍ أو قضاءٍ أو صحافةٍ لا يحمون المفسدين. وهذا ما يقود إلى ربط ظاهرة الفساد بشكل مباشر بطبيعة نظام الحكم؛ فالبيئة المثلى للفساد هي الأنظمة غير الديمقراطية التي تفتقر إلى مقوّمات الحكم الرشيد، من شفافية ومؤسسية ومشاركة فعلية ومساءلة وسيادة لحكم القانون.

كما أشار برهومة إلى علل تفشي وانتشار هذا المرض، مشيراً إلى عدة عوامل أسهمت بقوة في توسيع رقعته، ومستنتجاً بأن أفضل طريقة للبدء الجدي بمكافحة الفساد هو "المبادرة" الفورية للبدء بالإصلاح السياسي الحقيقي القائم على حكم القانون والحريات العامة والفردية وتوسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار، وترسيخ فصل السلطات وتأكيد ثقافة المواطنة المتساوية واحترام حقوق الإنسان وتكريس قيم النزاهة والشفافية.

وفي مقالة أخرى تحت عنوان "تطبيع الفساد.. إشكالات التعريف وأشكاله الجديدة في العالم العربي" اعتبر الباحث المصري حسن عبد الظاهر، أنّ الفسادَ في أبسط مفاهيمه هو مخالفة المعايير والانحراف عن الاستقامة بالسلوك مادياً كان أو معنوياً، وهذا التطبيع ينتقل به من دائرة "الجريمة" إلى دائرة "العادة المهيمنة" ومن دائرة "الخروج عن السلطة" إلى دائرة "السلطة" وهذا هو الخطر الأكبر. وبحث في عدة نقاط تركّزت حول تطبيع الفساد وإشكالية تعريفه وتصنيف الدول العربية بناء على مظاهره وانتشاره وخطورته، كما عرّج الباحث على الفساد في الحالة المصرية والحالة التونسية، وتحدث عن سبل مواجهة الفساد من الثقافي إلى السياسي والإجرائي.

تكمن العلة الرئيسة في موضوع الفساد العربي، في نظام الريع المهيمن على الاقتصاديات العربية بدون استثناء

أما حوار الملف، فكان مع الباحث العراقي الدكتور عامر خياط، أمين عام المنظمة العربية لمكافحة الفساد، وقد حاولنا في الحوار التعرف - عن كثب- على حقائق الفساد العربي، والوقوف على دور منظمة مدنية مستقلة في موضوع مكافحة الفساد.. هي (المنظمة العربية لمكافحة الفساد)، والتي جاء تأسيسها (كما أشار خياط) لملء فراغ غياب مؤسسة عربية مستقلة ترصد وتناهض الفساد في الأقطار العربية، حيث ترك الأمر للمنظمات والهيئات الدولية في تحديد معالم الفساد وقواعد الشفافية والنزاهة في الأقطار العربية.

وفي سياق الحوار معه، لاحظ الدكتور خياط أنّ النُخب الاقتصادية سلكت الطريق الأسهل باعتماد أنماط ونماذج هيكلية للاقتصاد منتجة في الخارج، وحاولت تطبيقها في بلداننا، ولم يتوجه بناء المنظومة الاقتصادية بالاعتماد على رؤى اقتصادية سياسية اجتماعية مبنية على حاجات وظروف المنطقة. وأوضح خياط أن العلة الرئيسة، في موضوع الفساد العربي، تكمن في نظام الريع المهيمن على الاقتصاديات العربية بدون استثناء، هذا النظام (الريعي) لا يشجع على الإنتاج ولا على ثقافة "العمل" باعتبار أن ناتج الريع يتحقق دون قيام المستفيد منه بأي عمل يذكر في إنتاجه.

 

[1]- ونعني بها: تلك القشرة الخارجية الرقيقة للتحديث العلمي العربي الذي جرى خلال العقود الماضية على يد نخب الدول التسلطية العربية، والذي انكشف على حقيقته من خلال فشل عملية التنمية المعتمدة "نخبوياً"، وترهل بنية الداخل العربي بكل مستوياته ومجالاته الاقتصادية والعلمية والتقنية. وقد تمثلت تلك الحداثة (الكسيحة) في شراء منتجات الحضارة الغربية، وأدواتها ووسائلها الإنتاجية المتنوعة الهائلة من آلات ومصانع وآليات عمل تقنية جديدة وحديثة، دونما فهم وإدراك لحقيقتها العلمية، ولخلفيتها الثقافية، أو لأنظمتها المعرفية والفلسفية، لتكون النتيجة النهائية بقاء تلك الدّول حديثة شكلاً وفارغة مضموناً، ومتأخرة تقنياً ومعرفياً بالمعنى البنيوي الـتأسيسي.

[2]- راجع معجم المعاني، مادة فسد. الرابط:

http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D9%81%D8%B3%D8%AF/

[3]- داود خير الله، "الفساد كظاهرة عالمية وآليات ضبطها"، مجلة المستقبل العربي، السنة 27، العدد 309، بيروت، 2004، ص 67

[4]- عادل عبد اللطيف، "الفساد كظاهرة عربية وآليات ضبطها: إطار لفهم الفساد في الوطن العربي ومعالجته"، مجلة المستقبل العربي، السنة 27، العدد 309، بيروت، 2004، ص 95

[5]- محمود عبد الفضيل، "مفهوم الفساد ومعاييره"، مجلة المستقبل العربي، السنة 27، العدد 309، بيروت، 2004، ص ص 34-35

[6]-عماد، صلاح، "الفساد والإصلاح"، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003، ص 32

[7]- د. نوزاد، عبد الرحمن، "الفساد والتنمية: التحدي والاستجابة"، مجلة الإداري، السنة 23، العدد 86، 2001، ص 80

[8]- الزبن، سمير. "الفساد بوصفه آلية تحكم سلطوي". صحيفة العربي الجديد، 4 تموز عام 2015. رابط المقال:

الفساد- بوصفه- آلية- تحكم- سلطويhttp://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/7/3

[9]-يحيى، هشام، "أشكال الفساد الأكثر انتشاراً في العالم العربي"، موقع المنظمة العربية لمكافحة الفساد. الرابط:

http://arabanticorruption.org/?lang=ar

[10]-راجع بهذا الخصوص: خطة لمكافحة الفساد في الإدارة، مركز الدراسات التشريعية في جامعة نيويورك، 1998

[11]- مرسول محمد، مازن. "في قضايا الفساد ومؤثراته". مجلة النبأ، العدد: 20، ص: 112، الرابط:

http://annabaa.org/nbahome/nba80/013.htm

 

* مقال تقديمي لملف  العدد السادس والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية "  الفساد العربي ومتلازمات السلطة والثروة"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/EMCFzi

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق