تأسيس حداثة إسلامية عبر إبطال مسلمات الإبداع الغربي
29 اغسطس 2014 | 0 تعليق

ذوات

يقارب كتاب "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية" للمفكر المغربي طه عبد الرحمن، معالم الحداثة الإسلامية، ويشتبك معها من خلال جهد تنظيري لافت للانتباه تميزت بها أعمال عبد الرحمن الذي يؤكد أنّ الحداثة الإسلامية ليست بالضرورة شكلاً واحداً تماماً كما هو حال الحداثة الغربية، وبذلك يعتبر أنّ مقاربته للحداثة الإسلامية، هي في الحقيقة، مقاربة لواحد من الأشكال التي يجوز أن تتخذها الحداثة الإسلامية.

وفي قراءة لكتاب "روح الحداثة.."، يرى الباحث المغربي محمد المسعودي في دراسة نشرها موقع "مؤمنون بلا حدود"، أن عبد الرحمن يقرّ بأنّ الحداثة إمكانات متعددة، وليست، كما رسخ في الأذهان، إمكاناً واحداً. وهو يستدل على ذلك بالمشهد الحداثي الغربي المتنوع وغير المتجانس، بحيث يمكن الحديث عن حداثات كثيرة، لا حداثة واحدة، بحسب الأقطار والمجالات والمراتب والأولويات.

ويتساءل المسعودي: كيف يقارب طه عبد الرحمن مفهوم الحداثة؟ وأين تتمثل روح الحداثة حسب تصوره؟ وما معالم الحداثة الإسلامية التي يتحدث عنها؟

يرى طه عبد الرحمن في مقدمة كتابه "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية" أنّ نقده لفهم الحداثة في كتاب سابق له، وهو "سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية"، لم يكن يريد به هدم مفهوم الحداثة كما صار متداولاً في الفكر العربي، وإنما التأسيس لحداثة ذات توجه معنوي، بديلة عن الحداثة ذات التوجه المادي التي يعرفها المجتمع الغربي.

الحداثة الغربية

ويتابع المسعودي بأنه إذا كانت الحداثة الغربية، على وجه الخصوص، ذات أشكال متعددة مع ثبوت اشتراكها جميعاً في التاريخ والمصير، فإنّ الحداثة في بيئات أخرى لا بد أن تكون لها أشكال مختلفة نظراً إلى اختلاف التاريخ والمصير. ومن ثم، لا بد أن يكون للتاريخ الإسلامي والمصير الإسلامي- وحالهما من التميز عن غيرهما أمر ثابت مقطوع به- أثرهما الخاص في تحديد مسلك المجتمع الإسلامي في التحديث.

 واستناداً إلى قاعدة منطقية يؤكد طه عبد الرحمن أنه كما أنّ هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. ويبين أنه لا يعقل أن يتقرر في الأذهان أنّ الحداثة تأتي بالمنافع والخيرات التي تصلُح بها البشرية، وأن تتحقق هذه المنافع والخيرات في الأعيان، ثم لا يكون هذا الجزء النافع منها متضمناً في الحقيقة الإسلامية؛ وهل الزمن الإسلامي إلا بمنزلة الزمن الأخلاقي الذي تتحقق فيه ظاهرة الحداثة والذي يتمم ما نقص في سابق الأزمان من المكارم؟ فالإسلام هو الدين الخاتم، بحيث يكون كل زمن يأتي من بعد ظهوره داخلاً في زمنه. ناهيك عن أنّ كل دين مُنزّل يَمُد الإنسان بأسباب الصلاح في دنياه، فضلاً عن أسباب الفلاح في أخراه؛ فإذن لا بد أن تدخل الحداثة الصالحة في الممارسة الإسلامية.

مبادىء روح الحداثة

وتنبني روح الحداثة عند طه عبد الرحمن على مبادئ ثلاثة، وهي: مبدأ الرشد الذي يتكون من ركنين: الاستقلال والإبداع، ومبدأ النقد الذي يتكون، هو أيضاً، من ركنين: التعقيل والتفصيل، وأخيراً مبدأ الشمول الذي يتكون، هو الآخر، من ركنين: التوسع والتعميم. وتترتب على هذا التعريف لروح الحداثة نتائج أساسية هي:

* أنّ روح الحداثة تختلف عن واقع الحداثة.

* أنّ واقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة.

* أنّ روح الحداثة متأصلة إنسانياً وتاريخياً.

* أنّ الأمم الحضارية كلها تستوي في الانتساب إلى روح الحداثة.

* أنّ واقع المجتمعات الإسلامية هو إلى الحداثة المقلدة أقرب منه إلى الحداثة المبدعة.

* أنّ الحداثة لا تُنقل من الخارج، وإنما تُبتكر من الداخل.

* أنّ ابتكار الحداثة الإسلامية الداخلية يستلزم إبطال المسلمات التي صاحبت تطبيق الغرب لروح الحداثة، وأدخلت عليه آفات تختلف باختلاف أركان هذه الروح.

ويقترح طه عبد الرحمن ست خطوات لإبطال المسلمات التي صاحبت التطبيق الغربي لروح الحداثة، وهي:

1ـ إبطال مسلمات الاستقلال الغربي، لأنّ وصاية الأقوى الخارجي لا تعني العناية بالأضعف، وإنما هي وصاية مُستعمر، كما أنّ وصاية الداخل قد لا تكون وصاية رجال الدين، وإنما وصاية رجال الاستعمار.

2ـ إبطال مسلمات الإبداع الغربي، فالإبداع لا يقتضي الانقطاع المطلق، لأنّ الحداثة الحقة هي حداثة قيم لا حداثة زمن، ولا هو أيضاً يقتضي الاختراع المطلق للحاجات، لأنّ الحاجات الحقيقية هي الحاجات الروحية.

3ـ إبطال مسلمات التعقيل الغربي، لأنّ العقل لا يعقل كل شيء، لأنه لا يمكنه أن يعقل ذاته، كما أنه لا ينقُد كل شيء، لأنّ الأشياء ليست كلها ظواهر، وأخيراً لأنه لا يسود الطبيعة لأنها أُمُ الإنسان وليست أَمَةً له.

4ـ إبطال مسلمات التفصيل الغربي، فلا إطلاق في الفصل بين الحداثة والدين، لأنّ أهل الحداثة توسلوا بمفاهيم دينية كما أنّ رجال الدين ساهموا في بناء الحداثة؛ كما أنه لا إطلاق في الفصل بين العقل والدين، لأنّ العقلانية مراتب، ينزل الدين إحداها، وأخيراً لا محو للقدسية من أفق الإنسان لأنّ الإنسان كائن متصل، ولأنّ العالم جملة من الآيات، فضلاً عن كونه جملة من الظاهرات.

5ـ إبطال مسلمات التوسع الغربي، فالتطبيق الغربي لروح الحداثة ليس واقعاً حتمياً، لأنّ الإنسان أقوى من هذا التطبيق، ولا هو يورث القوة الشاملة، لأنّ جسمانية الإنسان بقيت منقطعة عن روحانيته، وأخيراً ليست ماهية الحداثة ماهية اقتصادية، لأنّ ماهية الإنسان الحقيقية ماهية أخلاقية.

6ـ إبطال مسلمات التعميم الغربي، فروح الحداثة لا توجب التفكير الفرداني، ولكنها توجب التفكير المتعدي المناسب للمجتمع العالمي، كما أنّ الحداثة العلمانية لا تحفظ حُرمة الأديان، لأنها تنفي عنها عقلانية الآلات، وتنكر عليها عقلانية الآيات، وأخيراً ليست كونية قيم الحداثة الغربية كونية إطلاقية، وإنما كونية سياقية.

بهذه الكيفية يدعو الكاتب إلى تفعيل روح الحداثة بمبادئها الثلاثة بعد إبطال المسلمات التي جعلت من الحداثة في مفهومها الغربي وبكافة مستوياتها المذكورة نموذجاً أوحد للتحديث والنهوض الحضاري.

ويخلص المسعودي إلى القول إنّ الحداثة في الأول والآخر، حسب طه عبد الرحمن، تنبني على فعل الإبداع، لأنّ "الحداثة معناها أولاً الإحداث، والإحداث لغة هو أن تفعل شيئاً، ومعناها ثانياً، الاستحداث، والاستحداث لغة هو أن تطلب الحديث من نفسك؛ فكل من يدّعي الحداثة، وليس في فكره جديد يأتي به من عنده، ولا في سلوكه فعل على وفق هذا الجديد الخاص به، فليس هو صاحب حداثة".

لمتابعة المقال كاملاً يرجى النقر هنا

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق