تجليات العنف الرمزي في وسائل التواصل الاجتماعي
15 مارس 2017 | 0 تعليق

ذوات

يمكن اعتبار العنف أشدّ الظواهر الاجتماعية ملازمة للاجتماع البشري، بل وأشدّها غموضاً وأكثرها إثارة للقلق، لما يخلفه من آثار سلبية وخطيرة على المستوى الفردي والجماعي والمجتمعي بأسره؛ فالعنف ظاهرة لازمت مسيرة وحياة الشعوب، على اختلاف درجات رقيها أو انحطاطها، وإن كانت بدرجات متفاوتة ووفق تمظهرات متعددة.

اتخذ العنف على مدار الإنسانية أشكالاً عدة مباشرة وغير مباشرة، خفيّة ومعلنة، من العنف الجسدي في أبسط صوره وأكثرها غريزية من خلال استخدام القوة العضلية في الدفاع أو التظلم أو حتى لإشباع غريزة الانتصار البشرية، إلى العنف الرمزي الذي يتخذ مسارات وطرائق وتمظهرات عدة، ولا تقلّ خطورته عن العنف الجسدي، بل يمكن أن تتخذ أبعاداً أوسع وأعمق.

وتقدم دراسة أعدتها الباحثة الجزائرية عائشة لصلج، ونشرت على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث في قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة بعنوان "العنف الرمزي عبر الشبكات الاجتماعية الافتراضية: قراءة في بعض صور العنف عبر الفيسبوك"، قراءة لإشكالية العنف هذه في تمظهراتها المختلفة، من خلال تناول الشباب في المجتمع الجزائري كمثال.

بنية العنف في المجتمع

إنّ أيّة دراسة لظاهرة العنف يجب ألا تنأى عن فهم ومحاولة سيقنة الظاهرة في إطارها الاجتماعي العام؛ حيث تؤكد معظم الدراسات العلمية الأكاديمية أنّ التربية والثقافة والعلاقات الاجتماعية تلعب دوراً مهمّاً في جعل بعض الأفراد أو الشعوب أكثر ميلاً إلى استخدام العنف من غيرهم من الشعوب. وإذا كان تاريخ المجتمع الجزائري، وفق الباحثة، تاريخاً مليئاً بالصراعات والمجابهات والحروب، بكلّ أشكال العنف، وإذا كان الفرد الجزائري قد عايش أشكالاً متعددة منه، بفعل تراكمات تاريخية وترسبات حضارية متعاقبة، إلا أنّ العنف اتخذ في العقود الأخيرة أشكالاً باتت تشكل خطراً على المنظومة الاجتماعية والأخلاقية والدينية، لاستشراء الظاهرة واستفحالها وتنوع أساليبها، وتمظهرها وفق أساليب متعددة وسّعت من دائرة العنف، وجعلتها مكوّناً من مكونات البناء الاجتماعي للمجتمع الجزائري لدرجة أصبح معها الجزائري كائناً عنيفاً بطبعه.

وترى الدراسة أن تطور وتغير أدوات التعبير في المجتمع واستخدام وسائل الإعلام الجديدة، جعلت الشبكات الاجتماعية ومواقع التواصل الاجتماعي تأخذ النصيب الأكبر من انشغال الشباب، لما توفره من خدمات متعددة، فبالإضافة إلى مساهمتها في تقوية العلاقات الاجتماعية وتسهيل التواصل، تعتبر الشبكات الاجتماعية منابر حرة لإبداء الرأي ومناقشة القضايا بحرية بالغة بعيداً عن الإكراهات والحدود التي يرسمها المجتمع ووسائل إعلامه التقليدية في الواقع. ومن هنا، يمكن اعتبار الشبكات الاجتماعية فضاء مهمّاً لدراسة سلوكيات الشباب وأنماط تفكيرهم، وقياس مدى ممارستهم للعنف بكافة تجلياته، عبرها، من خلال مجموعة من الافتراضات القيمية التي تدرس العلاقة بين الإنترنت كوسيط ديناميكي والشباب كمستخدم فاعل ومتفاعل مع المحتوى على الشبكة.

العنف: جوهر واحد؛ تجليات متعددة

وتطرح الباحثة سؤالاً أساسياً من خلال تناولها للعنف على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو: العنف، هاجس تاريخي أم متغير تكنولوجي؟ حيث ستحاول الدراسة الإجابة عن هذا السؤال، وعن أسئلة أخرى يستدعيها هذا السؤال، عن العنف وإنتاجه في المجتمع، ثم علاقته بوسائل التواصل والإعلام وتمظهره في أشكالٍ عديدة، مباشرة أو رمزية. فتبدأ بالإجابة عن سؤالها هذا من خلال تعريف العنف لغةً، ومن ثم تشير إلى الجذور التي تؤسس له في المجتمع، بدءاً من الفقر والعوامل الاقتصادية والتربية المنزلية واستغلال التعصب الديني والحروب وغيرها من أسباب. ثم تقوم بتفصيل مفهوم العنف واقعاً وتجليه افتراضاً، حتى تقترب من الإجابة. وتقوم بتوضيح الفرق بين العنف المباشر، والعنف الرمزي المتمثل في مجموعة من الدلالات والإشارات، والتي تجد لها مساحة في وسائل التواصل الاجتماعي التي تمنح منابر حرة للتعبير، وفي المقابل، تجد لها مساحة في وسائل الإعلام التي قد توجه هذا العنف الرمزي وفقاً لمصالحها.

وتستحضر الباحثة في سياق البحث، مفهوم بورديو عن العنف، والذي يعتبر التربية نوعاً من العنف الرمزي الثقافي، من خلال فرضه لرؤية تعسفية ثقافية؛ حيث يعتبره بورديو عنفاً غير محسوس، حتى من قبل ضحاياه. ويتم قياس هذا على العنف الرمزي في وسائل التواصل والإعلام بشكل عام. ويشترك العنف الرمزي بكل حال، سواء كان مادة تربوية تلقينية أو رسالة مفروضة سياسياً أو ثقافياً...إلخ، يشترك مع العنف المباشر في أنه يسبب الأذى للآخر كنتيجة عن ممارسته.

وقد يتجلى العنف الرمزي إعلامياً، وفق الدراسة، في الصور والرموز التي يستخدمها الشباب على وسائل التواصل، وقد يلعب هذا العنف دوراً آخر مختلفاً، فيشكل النقد الذي يسمح بتهديم أشكال اجتماعية معينة أو مفاهيم مشيئة بإنشاء تحديدات أو تعريفات اجتماعية جديدة للوجود الاجتماعي أو أشكال جديدة؛ أي إنّ وظيفة العنف الرمزي هي تهديم وتخريب الأشكال الاجتماعية المفروضة عنوة على المجتمع، وهي تخدم مصالح فردية فقط، ويهدف كذلك إلى نزع وإزاحة ما هو قديم ومرفوض وإنشاء أشكال أخرى بديلة.

وتطرح الباحثة، العلاقة المباشرة، بين وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وبين العنف الذي يتجلى فيها من خلال عدة نظريات، منها نظرية التطهير التي ترتكز على أن مشاهدة العنف والعدوان على الشاشة، يقلل من رغبة الإنسان في ممارسة العنف على الواقع! فيما تعارضها نظرية الاستثارة، والتي ترى في عرض الجريمة والعنف على الشاشة يحفز الإنسان على تكرار العنف.

العنف الرمزي عبر شبكات التواصل الاجتماعي

في هذا المحور الرئيس للدراسة، تركز الباحثة على أكثر الوسائل التي يتجلى العنف الرمزي من خلالها، وهي موقع "فيسبوك" الأكثر انتشاراً عربياً؛ حيث ينقسم العنف الرمزي فيه إلى عنف لفظي وآخر غير لفظي. ويتجلى اللفظي فيه من خلال العلاقات والمنشورات التي تحمل دلالات مختلفة، لكنها تمثل توجهات فردية أو جماعية في قراءة قضايا مجتمعية مختلفة أو ضمن حوار مجتمعي ما. ويمكن إبراز العديد من الأمثلة على هذا العنف، منها العديد من الصفحات الجزائرية، والتي دون وعي عميق بآثار فعلها، تنشر الكثير من النكات العنصرية والتقزيمية لشخصية الجزائري أو العربي، وهذه النكت وإن كانت متداولة بين عامة الشعب على أرض الواقع إلا أنّ أثرها ووقعها قد يتضاعف على الشبكة بسبب سرعة انتشارها وكثرة تداولها ووصولها إلى الفئات الصغيرة من المجتمع التي ستبني صورة سيئة عن الشخصية الجزائرية أو العربية. وهناك أمثلة أخرى، منها التوجه العام لصفحات مختلفة، قد تسيء للمرأة في المجتمع من خلال نظرة استلابية تنشرها، قد تكون متعصبة دينياً أو عنصرية، مستخدمة عنفاً غير لفظي من خلال الصور مثلاً.

كما تطرح بعض وسائل الإعلام وجهات أخرى، كمّاً متنوعاً من الإشاعات والأخبار التي لا تحمل مصداقية أو مهنية، فتتسبب التيه وممارسة العنف الرمزي المتبادل بين المتلقين، وهو عنف أشد وطأة، لسرعة وسهولة انتشاره وتداوله وتناقل عدواه.

وترى الباحثة في نهاية الدراسة، أن ظاهرة العنف اللساني والإعلامي لم تعد مشهداً عابراً، وإنّما أضحت جزءاً من الواقع المعيش، يعكس انكسار البنية القيمية في الممارسات الاجتماعية على أرض الواقع وفي ثنايا الشبكات الافتراضية؛ فمواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الإنترنت بصفة عامة، تُعدّ تحدياً ثقافياً بارزاً فيما يخصّ الرسائل الثقافية المضمنة فيها، وأساليب حوارنا عبرها، وممارساتنا الثقافية والاجتماعية من خلالها؛ حيث إن لم تستند هذه الممارسات إلى الجانب القيمي، فإنّها تحيد عن الحق، وتصبح ساحات للغوغائية والعنف بكلّ أشكاله وألوانه.

 

لقراءة  الدراسة كاملة يمكن النقر هنا

https://goo.gl/BCISPS



 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق