تجليّات الهويّة الممزّقّة عند جومبا لاهيري
15 مارس 2017 | 0 تعليق

*أكاديمي أردني
د. يوسف حمدان *

الشعور بالاختلاف والتميّز وبما يمثّل خصوصيّة للذات مقابل الآخرين هو العنصر المحوريّ في بناء الهويّة، وفي الآن نفسه تحضر عناصر المشابهة بين مجموع الأفراد لتشكيل هوية الجماعة أو "الهويّة الثقافيّة" لمجتمع أو أمّة من الأمم، فتكون هذه الهويّة الجمعيّة قائمة على إدراك مجموعة من الأفراد عناصرَ المشابهة بينهم والاختلاف عن الجماعات الأخرى، كما جاء في وصف أنتوني كوهين للهوية الثقافيّة (The Symbolic Structure of Community p12). وكون تشكّل الهويّة الثقافيّة قائماً على عمليّة الإدراك لها، وهي عمليّة ذهنية مجرّدة وليس بالضرورة على وقائع ماديّة، تصبح الهويّة، من ناحية، قضيّةً نسبيّةً بفعل الاحتمالات الدائمة للتعدد في إدراك الأفراد لها، ومن ناحية أخرى، غيرَ منجزة بشكل نهائيّ أو في صيرورة مستمرة نتيجة لدخول عوامل جديدة تختلط بالإدراكات الماضية وتؤثر فيها، كما في حالة من يحيا في بلد جديد وثقافة أجنبيّة.

يمكن النظر في سيرة الروائيّة والقاصة الأمريكيّة من أصلٍ هنديّ جومبا لاهيري للتمثيل على حالة الصيرورة التي تخضع لها الهويّة من خلال تداخل مكوّناتها الشخصية المنحدرة من ماضيها ونسبها الهنديّ بمكوّنات حاضرها في أمريكا، كما يمكن التمثيل على ذلك من خلال روايتها السميّ (The Namesake) ترجمة سرى خريس 2014، ومجموعتها القصصيّة "ترجمان الأوجاع" (The Interpreter of Maladies) ترجمة مروة هاشم الحاصلة على جوائز عدّة، أبرزها جائزة بوليتزر لعام 2000، وكذلك في آخر أعمالها رواية "الأرض المنخفضة" (The Lowland) التي صدرت سنة 2013، وهي غير مترجمة إلى العربيّة حتى الآن.

الشعور بالاختلاف والتميّز وبما يمثّل خصوصيّة للذات مقابل الآخرين هو العنصر المحوريّ في بناء الهويّة

تُعدّ اللغة الإنجليزيّة هي اللغة الأم لجومبا لاهيري، فقد ولدت في مدينة لندن ونشأت في الولايات المتحدة، ولا تعرف من لغة والديها إلا النزر اليسير، والإنجليزيّة كذلك هي اللغة التي اكتسبت من خلالها شهرتها الأدبيّة والأكاديميّة، باعتبارها أديبة وأستاذة للكتابة الإبداعيّة في جامعة بوستن، إلا أنّ جومبا شعرت بحالة حادّة من الاغتراب نحوها ونحو ثقافتها، بسبب ثقافة ولغة قادمتين من الماضي غير المتموضع عيانا أمامها؛ وهو ماضي والديها، الأمر الذي دفعها بشدّة وشغف إلى تعلّم لغة غير الإنجليزيّة لا تشعر تجاهها بالمقارنة مع لغة والديها، فبدأت بتعلّم اللغة الإيطاليّة في مطلع الألفيّة الجديدة إلى أن هاجرت من أمريكا لتحيا بشكل تامّ في روما. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا لم تتعلّم لغة والديها البنغاليّة بدلا من الإيطاليّة؟ نستطيع أن نلتمس الإجابة من خلال بعض شخصيّات رواية السميّ، خاصة الشخصيّة الرئيسة فيها، وهي شخصيّة "غوغول" الذي يشعر بالنفور من اسمه الذي كان من المفترض أن يكون لقب الدلال له على عادة قوم والديه في إطلاق ألقاب الدلال على أبنائهم؛ بالإضافة إلى الأسماء الرسميّة، إلا أنّ والده الدكتور "أشوك" يُضطر إلى تسجيله رسميّا بهذا الاسم؛ لأنّهم كانوا في انتظار رسالة لن تصل على الإطلاق تحمل الاسم الرسميّ لغوغول من جدّته لأمه. وكان قد وقع الاختيار ابتداء على غوغول اسمَ دلال للمولود الجديد لارتباطه بذاكرة الدكتور أشوك بالنجاة؛ إذ قادت أوراق من أحد كتب الأديب الروسيّ غوغول عمّال الإنقاذ إليه لإنقاذه في حادث قطار في الهند قبل سنوات بعيدة. وبينما يناهز غوغول البلوغ لا يستطيع أن يحتمل ردود الأفعال تجاه اسمه والصعوبات التي يواجهها الآخرون في نطقه، فيغيّر اسمه رسميّا إلى نيكيل، الاسم الذي فُسّر على أنّه تحوير لاسم غوغول الأوّل نيقولاي (Nikolai).

تبدو شخصيّة غوغول مستوحاة مما عاينته جومبا نفسها أثناء نشأتها؛ إذ كانت مضطرة لأن تُنادى بلقبها جومبا بدلا من اسمها الرسميّ الصعبِ النطقُ به على زملائها وأساتذتها، وهو ما سيصبح رسميّا اسمها. جومبا نفسها تقول، إنّها كانت تشعر بالإحراج من اسمها بسبب صعوبته وغرابته على الآخرين، فكانت ترى أنّها تسبب المتاعب لمجرد أن تكون على ما هي عليه. وغوغول المتماهي مع الثقافة الأمريكيّة أكثر من تماهيه مع ثقافة والديه يشعر بأنّه غير قادر على التمسّك بماضي والديه وقيمهما، إلا أنّه مع نمو تجربته في الحياة الأمريكيّة لا يجد نفسه قادرا على قبولها تماما، فهو في الوسط بين أن يكون أمريكيّا أو غير أمريكيّ. وعندما يحاول غوغول أن يحيا الثقافة الأمريكيّة بتجليّاتها المتعددة البارزة في الرواية اجتماعيّا وثقافيّا ونفسيّا، يجد أنّه يُنظر إليه على أنّه هنديّ ومختلف عن أبناء الثقافة الأمريكيّة حتى على المستوى الجسديّ، فمثلا كان يوصف من أصدقائه ومعارفه بأنّه محظوظ؛ لأنّه لا يتسمم من الطعام الهنديّ أثناء إقامته في الهند، بينما يُصابون هم بذلك، مع أنّ الرواية تعرض معاناته وأخته من التسمم في الهند أثناء زيارة سابقة. وهذا جزء من عرض الرواية لتصوّر الأمريكيين لأبناء الثقافات الأخرى القائم على التنميط الثابت، الأمر الذي يذكّر بما قاله أنتون كوهين في كتابه الذي أحلتُ إليه آنفا أنّ الثقافات الغالبة تعمل على خلق قوالب تشخيصيّة نمطيّة لأبناء الثقافات الأخرى من أجل الإبقاء على الهوة بينها وبينهم، وتمييز من ينتمي إليها من غيرهم، وهو ما يساهم غالبا في تأزيم الاختلافات الثقافيّة (ص 74).

لا يستطيع غوغول في الوقت نفسه أن يكون متماهيا مع ثقافة والديه بالمطلق ولا أن يتخلّى عنها أيضا؛ فهي ضاغطة عليه بشكل يظهره، محاولا التخلّص منها ويشتاق لها في الوقت نفسه، بالإضافة إلى دور والديه في دعوته الدائمة إلى التمسّك بقيمهما، (وتظهر محاولات الآباء تعليمَ أبنائهم ثقافتَهم ولغتهم في غير قصّة من مجموعة ترجمان الأوجاع)، وبالمقابل المجتمع يدعوه إلى قيمه والتفكير مثله. يظهر غوغول على سبيل المثال ممزقا بين صورة التلاحم الأسريّ في بيته والحريّة والاستقلاليّة في المجتمع الأمريكي، بين وفرة الحنين ودفء المشاعر في أسرته والبراغماتيّة ويسر الحياة والاستقلاليّة في المجتمع الأمريكيّ. والرواية بديعة في عرضها مقارناتٍ عديدةً بشكل غير مباشر بين الثقافة الهنديّة والأمريكيّة من خلال ما يحدث لغوغول، ويواجهه في أسرته وفي المجتمع، على مستوى القيم والثقافة واللباس والطعام وغير ذلك. وتطرأ تغيّرات واضحة على مواقف عدّة في الرواية؛ فمثلا تعرض الرواية الثقافة الأسريّة الهنديّة بشكل يثير الحنين لها والشغف بأجوائها الحميمة، ثم تعود لتعرّض ذلك لشيء من الازدراء حين يتورط غوغول أكثر في المجتمع الأمريكيّ وثقافته البراجماتيّة العمليّة، فيظهر غوغول غيرَ قادر على قبول فكرة أهله عن ضرورة أن يخرج مودّعا أباه ومرافقا له إلى المطار في أسفاره الكثيرة، إلا أنّ غوغول يتعرّض لتحوّل كبير عندما يموت والده، ويعود ليتقبّل أكثر فأكثر ثقافة والديه وقيمهم الهنديّة.

إن الثقافات الغالبة تعمل على خلق قوالب تشخيصيّة نمطيّة لأبناء الثقافات الأخرى من أجل الإبقاء على الهوة بينها وبينهم

وتُقدم الرواية تقابلا في الانتماء بين شخصيّتين أنثويّتين: أشيما والدة غوغول، وميشومي ذات الأصل الهندي التي يتزوّجها غوغول من خلال والديه وفق الأعراف الهنديّة. على الرغم من أن حياة أشيما التي عاشتها في أمريكا أطول كثيرا من حياتها في الهند، إلا أنّها نموذج السيّدة الهنديّة المجسّدة لثقافة بلادها على مستوى القيم والممارسة، فهي سيّدة هنديّة في أقوالها وأفعالها، في طريقة مخاطبتها لزوجها، وفي ملابسها والطعام الذي تحبّه وتقدّمه لعائلتها وضيوفها...، وفي النهاية بعد موت زوجها لا تقوى على الاستمرار في الحياة في أمريكا، فتقرر العودة إلى الهند، حيث تستطيع أن تجد حياة تتفق مع ما تحمله من تصورات عن الوجود والمجتمع الإنسانيّ، وأن تكون بالتالي منسجمة مع نفسها.

على العكس تماما، تمثّل ميشومي حالة حادّة من محاولات التماهي مع الثقافة الأمريكيّة وعدم القدرة على تقدير قيم أهلها الهنديّة أو التعايش معها، فتفشل في ارتباطاتها الاجتماعيّة لا سيّما تلك المتّصلة بالزواج. تتصف موشومي بالتمرّد، فبينما لا تتمكن من أن تكون على علاقة مع غير الهنود بمن فيهم أساتذتها في الجامعة، ترفض الارتباط بالشباب الهنود. وفي الوقت نفسه، تتمرد على رغبة أهلها في أن تدرس الكيمياء في الجامعة وتدرس، دون علم والديها، تخصصا آخر معه، وهو اللغة الفرنسية، وهذا يمثّل محاولة منها التمرد على صراع الانتماء داخلها بين الهويّة الأمريكيّة والأصل الهنديّ، فكان "انغماسها في لغة وثقافة جديدة ملاذها الوحيد. أقبلت موشومي على الفرنسيّة، على النقيض من كلّ شيء أمريكي أو هندي، دون أيّ شعور بالذنب أو الريبة، ودون توقعات من أيّ نوع. كان أسهل عليها أن تدير ظهرها لدولتين تطالبانها بالكثير من أجل دولة لا تملك الحقّ في مطالبتها بأيّ شيء." (ص 347-348). بعد تخرجها خيّبت أمل والديها في أن تعمل كيميائيّة، وتسافر بدلا من ذلك إلى باريس وتنجح في بناء علاقات غراميّة عدّة بعد فشلها في ذلك في أمريكا. ونجحت أيضا في الارتباط بخطيبها الأمريكي غراهام في باريس، وعادت معه إلى أمريكا فتقبّلته عائلة موشومي وسافر معهم إلى الهند، ولبس اللباس الهنديّ التقليديّ وأكل الطعام مع أقاربها، وأظهر احتراما لجدي خطيبته، غير أنّه أظهر موقفه السلبيّ من تلك الثقافة وغرابة كلّ ما عايشه في الهند، وهو في حالة سكر، فشعرت بالخديعة، وأنّه كان يدّعي كلّ ذلك الوقت قبولَ ثقافة أهلها و"بدآ يتجادلان وكأنّ هوة انفتقت بينهما وابتلعتهما، وفجأة خلعت موشومي خاتم جدّته، وكلّها غضب، وقذفته بالشارع باتجاه السيّارات العابرة." (ص 352).

تتعرف موشومي على غوغول من خلال عائلتها، وهي تعدّ الدكتوراه في جامعة براون ويتزوجان بدون احتفال كبير، على الرغم من عدم اعتراضها على ما قالته إحدى صديقاتها الأمريكيّات: "لا أستطيع أن أتخيّلك مع رجل هنديّ" (ص 400). تبقى موشومي متعلّقة بأصدقائها الأمريكيين أكثر من غوغول الذي لا يشعر بالكثير من الانسجام في علاقاتها مع أصدقائها، وتكشف أثناء حديث مع زوجين من المقرّبين من أصدقائها دونالد وزوجته أستريد أنّها كانت تشعر بالغرابة تجاه اسمها، فإنّ "اسما مثل اسمها يُعدّ نقمة، ذلك أنّ الجميع يعجزون عن نطقه بالشكل الصحيح؛ فالأطفال في المدرسة كانوا ينادونها موسومي، ويختصرونه إلى موس. لطالما كرهت حقيقة أنّني موشومي الوحيدة في العالم، فلم أقابل أحدا يحمل الاسم نفسه." (ص 387).

بحثت لاهيري عن صورة متّزنة لهويّتها من خلال تعلّمها اللغة الإيطاليّة، وهو ما ظهر في الرواية في تعلّم موشومي اللغة الفرنسيّة

يظهر الفرق بين موقف غوغول من الثقافة الهنديّة وموقف موشومي في مطعم يعمل فيه هنودٌ وبنغاليون، فبينما يُعجب المطعمُ والطعامُ غوغول، تشعر موشومي بالتقزز، وأنّها مستهدفة من كل شيء يحيط بها (ص 404-408). يُظهر الفرق بين موقفيهما من المطعم الهنديّ أنّ أيّ انسجام بينهما مصطنع وبعيد عن الحقيقة، وينتهي زواجهما بعد تأزّم التمزق الذي تشعر به موشومي، فترتبط بعلاقة جنسيّة مع صديق قديم لها، على الرغم من أنّه كان يهزأ من اسمها الغريب. صورة موشومي المزعزعة لم تعرف الاستقرار والاتزان في الرواية إلا في فرنسا، حيث تجد ثقافة ولغة وقيما ليست هنديّة ولا أمريكيّة.

مأزق موشومي وغوغول تجاه الهويّة الأمريكيّة يبدو معبّرا عما تشعر به جومبا لاهيري نفسها، فهي بين أن تكون أمريكيّة تحيا قيم مكانها ولغتها وثقافتها، وبين أن تبقى مرتبطة في دائرة التقابل مع لغة والديها وثقافتهما التي يصعب عليها أن تعيشها، فتبتعد حالة التوازن نتيجة الفجوة بين الثقافة القادمة من التاريخ والنسب وتلك المبنيّة على الانتماء الجديد، فبحثت لاهيري عن صورة متّزنة لهويّتها من خلال تعلّمها اللغة الإيطاليّة، وهو ما ظهر في الرواية في تعلّم موشومي اللغة الفرنسيّة. هذا النمط من التمزّق يشعر بـ "التنكّر للذات" بلفظ أمين معلوف في كتابه "الهويّات القاتلة"، فتعمل جومبا لاهيري على معالجته في عالم الكلام، وهي التي تصف نفسها بأنّها مولعة بمعرفة التمييزات الدقيقة بين أشكال التعبير، فتحمي نفسها من هذا التنكّر والتمزّق من خلال البحث عن لغة جديدة وانتماء لفظيّ وتعبيريّ مختلف، وجدته في اللغة الإيطاليّة.

 

* مقال منشور ضمن العدد التاسع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " الشعر العربي المعاصر وسؤال التلقي.."

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/JXOEVY

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق