تشريك البنات مع الصبيان في التعلم والتعليم
14 نوفمبر 2015 | 0 تعليق

ذوات - منى شكري

في الوقت الذي تسجل نسب الأمية في العالم العربي، وخصوصاً بين النساء، في الألفية الثالثة نسباً مرتفعة، فإن رائد النهضة المصرية الحديثة رفاعة رافع الطهطاوي (1801- 1873) تنبه لأهمية التعليم قبل ما يزيد عن قرن ونصف، حيث دعا الذكور والإناث للتشبث بالمدارس والمطالعة ليقطفوا ثمر العلم ومنافعه.

وخصص الطهطاوي في كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين" فصلاً بعنوان "في تشريك البنات مع الصبيان في التعلم والتعليم وكسب العرفان"، تحدث فيه عن أهمية تعليم الإناث لما لذلك من دور في تنوير العقول والاشتغال بما هو مفيد.

وأشار إلى وجود نساء في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن يعلمن الكتابة والقراءة من النساء للنساء.

وبين الطهطاوي أن العلم والعمل يصون المرأة، منوهاً إلى أن البطالة للمرأة مذمومة "أكثر" من الرجل، إذ توقعها فريسة الخوض في أحاديث غير ذي بال.

يقول في فصل بعنوان "في تشريك البنات مع الصبيان في التعلم والتعليم وكسب العرفان":

(...) وليكن للمرأه عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها، فكل ما تطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن، وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة. فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل. فالعمل يصون المرأة عما لا يليق ويقربها من الفضيلة وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء، فإن المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها، وفيما يأكلون ويشربون ويلبسون ويفرشون وفيما عندهم وعندها وهكذا.

وأما القول بأنه لا ينبغي تعليم النساء الكتابة، وأنها مكروهة في حقهن ارتكاناً على النهي عن بعض ذلك في بعض الآثار، فينبغي ألا يكون ذلك على عمومه ولا نظر إلى قول من علل ذلك بأن "من طبعهن المكر والدهاء والمداهنة ولا يعتمد على رأيهن لعدم كمال عقولهن. تعليم القراءة ربما جهلهن على الوسائل غير المرضية ككتابة رسالة إلى زيد ورقعة إلى عمرو وبيت شعر إلى خالد ونحو ذلك، وأن الله تعالى لو شاء أن يخلقهن كالرجال في جودة العقل وصواب الرأي وحب الفضائل لفعل، فكان الله تعالى خلقهن لحفظ متاع البيت ووعاء لصون مادة النسل". فمثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء على هذه الصفات الذميمة ولا تنطبق على جميع النساء، وكم من نهي وردت به الآثار كحب الدنيا ومقاربة السلاطين والملوك والتحذير عن الغنى، فقد حل على ما يعقبه شر وضر محقق.

وتعليم البنات لا يتحقق ضرره، فكيف ذلك وقد كان من أزواجه صلى الله عليه وسلم من تكتب وتقرأ كحفصه بنت عمر وعائشه بنت أبي بكر رضي الله عنهما وغيرهما من نساء كل زمن من الأزمان. ولم يعهد أن عدداً كثيراً من الرجال أضلهم التوغل في المعارف وترتب على علومهم ما لا يحصى من شبه الخروج والاعتزال. وليس مرجع التشديد في حرمان البنات من الكتابة إلا التغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أياً ما كانت في ميدان الرجال تبعاً للعوائد المحلية المشوبة بحمية جاهلية ولو جرب خلاف هذه العادة لصحت التجربة. فإننا لو فرضنا إنساناً أخذ بنتاً صغيرة السن مميزة وعلمها القراءة والكتابة والحساب، وبعضاً مما يليق بالبنات يتعلمنه من الصنائع كالخياطة والتطريز، ثم زوجها لإنسان حسن الأخلاق كامل التربية مثلها فلا يصح أنها لا تصن العشرة معه أو لا تكون له أمينة.

ومثل ذلك سائر البنات، فإن تعليمهن في نفس الأمر عبارة عن تنوير عقولهن بمصباح المعارف المرشد لهن، فلا شك أن حصول النساء على ملكة القراءة والكتابة وعلى التخلق بالأخلاق الحميدة والاطلاع على المعارف المفيدة هو أجمل صفات الكمال، وهو أشوق للرجال المتربين من الجمال. فالأدب للمرأة يغني عن الجمال ولكن الجمال لا يغني عن الأدب، لأنه عرض زائل وأيضاً آداب المرأة ومعارفها تؤثر كثيراً في أخلاق أولادها؛ إذ البنت الصغيره متى رأت أمها مقبلة على مطالعة الكتب وضبط أمور البيت والاشتغال بتربية أولادها جذبتها الغيرة إلى أن تكون مثل أمها بخلاف ما إذا رأت أمها مقبلة على مجرد الزينة والتبرج وإضاعة الوقت بهدر الكلام والزيارات غير اللازمة، حيث تتصور البنت من الصغر أن جميع النساء كذلك، فتألف ذلك من صغرها، فشتان ما بين هذه وبين من تعتمد على معارفها وآدابها وتفعل ما فيه إرضاء بعلها وتربية أولادها، إلا أنها شبت على ذلك كما قال البوصيري رحمه الله.

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، وقد قضت التجربة في كثير من البلاد أن نفع تعليم البنات أكثر من شره، بل إنه لا ضرر فيه أصلاً. فقد روي في كتب الأحاديث روايات عن النساء كثيرة وقد كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعلم الكتابة والقراءة من النساء للنساء، كالشفاء أم سليمان، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتاب أي الخط والهجاء. وخرج أبو الدرداء رضى الله عنه عن الشفاء بنت عبد الله قالت دخل على النبى صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة، فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتاب، انتهت. والنملة بثور صغار مع ورم يسير ثم يتقرح فيتسع وتسميه الأطباء الذباب. وهذا الحديث دليل على أن تعلم النساء الكتابة جائز، وأن اشتراكهن مع الرجال لا بأس به، حيث اشتركن معهم في أصل الطبائع والغرائز وورود النهي عن تعليمهن ينبغى أن يكون ليس على إطلاقه بدليل ما يعارضه بإباحة التعليم.

فليتمسك كل من الفريقين الذكور والإناث بالأحاديث الواردة في فضل التعلم والتعليم، ويتشبثوا جميعاً بأذيال المدارس والمطالعة ليقطفا من أثمار العلم ومنافعه.

رفاعة الطهطاوي، المرشد الأمين للبنات والبنين، دار الكتاب المصري، 2012م (طبع أول مرة عام 1872)، ص142 – 146.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق