تفاهة فكرة الجحيم في قصص حسن بلاسم
28 ابريل 2017 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

دخلت معرض حسن بلاسم للجثث، فلفحتني روائح الجيف البشرية والأشلاء والدماء الحرّى والأحشاء الممزقة، وزعزعتني أصوات الانفجارات من قصة إلى قصة، واكتشفت أنّ التقتيل صار فناً أصيلاً يقتضي مهارات إبداعية لا يتقنها كل من هب ودب، فله مختصون يظهرون من حين إلى حين في قصة/لوحة بملامحهم القاسية وسكاكينهم وأسلحتهم وعبواتهم وأحزمتهم وقلوبهم الحديد، فيتفننون في صناعة الموت، وينكلون بالحياة تنكيلاً يعكس بؤس الواقع الذي أنتجهم، وحوّلهم إلى وحوش بشريّة قاسية.

واللوحات المبعثرة في رواق المعرض أكثر من مؤلمة، كأنها بدل الحائط، متدلّية من خيط مربوط إلى قلب رائيها، تؤلمه وتستنزف دمه، تسمع أنين أبطالها وهلوساتهم وصياحهم ونحيبهم، وترى وجوههم الشاحبة وأشلاءهم، حتى صار الناجي من الموت منهم مشروع قتيل مع تأجيل التنفيذ إلى حين يلتقي فيه بسكين أو بشظية أو برصاصة في زاوية من زوايا مدينة الموت.

أما الموت، فله طرائقه الفاحشة في قطع الرؤوس وتزيين وجه المدينة بالألسنة والعيون المقلوعة والأطراف المقطوعة، وهو في ذلك الأكثر مهارة على الإطلاق. ففي قصة "العذراء والجندي" يبدع الموت في التنكيل بجثة، كما لا يفعل أشهر السفاحين وأقساهم قلباً، وتطالعنا لوحة سوريالية غريبة مفزعة مقززة حد القرف: "في مؤخرة الجثة حشرت زجاجة كحول، ومن اليد اليمنى قطعت ثلاثة أصابع. وهناك جروح فظيعة أخرى، وكأنها من أفعال ذئاب وليس بشراً" (ص. 37).

يعمل الموت على ملاحقة كل نبضة حياة، وكل محاولة نجاة تعد مجازفة خطرة قد تنتهي في أكثر الأحيان، كما انتهت رحلة بعض الشباب في شاحنة هربهم من الوطن الجحيم. مثل ما حصل في شاحنة الهرب، حيث "كانت هناك أربع وثلاثون جثة. لم تمزقها السكاكين، أو أي سلاح آخر، بل كانت أجساداً عملت بها مخالب ومناقير نسور وأنياب تماسيح وأدوات مجهولة أخرى"، وحتى يكون المشهد أقرب إلى الحقيقة يواصل السارد نقله بـ"أمانة" قائلاً: "كانت الشاحنة مليئة بالخراء والبول والدم والأكباد الممزقة، والعيون المقلوعة والأحشاء، تماماً كما لو أن ذئاباً جائعة كانت هناك"، باختصار: "تحول أربعة وثلاثون شاباً إلى عجينة كبيرة من اللحم والدم والخراء" (ص. 27)

صار الموت فناً من الفنون أصيلاً قاعدته الأساس في قصة "معرض الجثث" أن "كل جثة تنجزها هي عمل فني ينتظر منك اللمسة الأخيرة". وتتصور أن "الموت" قد انتزع قلبه، أو إنه بلا قلب، أو إن آلة القتل والتقتيل هي آلة حقيقية بالمعنى التقني للكمة، غير أن للآلة أخطاءها، وأما هذا الموت، بوصفه البطل في "معرض الجثث"، فلا يخطئ أهدافه مطلقاً، ويحقق في كل مرة نجاحاً أكثر من المتوقع، ويحصد من الأعناق فوق الاحتمال، بطرائق متنوعة تفاجئ آفاق انتظارنا.

وأما الوجوه المرسومة في اللوحات، أو ما بقي من الوجوه بالأحرى، فقد بدت جامعة كل التناقضات؛ مذعورة مترددة غاضبة ثائرة تتقلب في أرض الله بحثاً عن خلاص محتمل، أو تواجه مصائرها ببسالة وسخرية وتهكم، والحالة الوحيدة التي تبدو فيها الوجوه قادرة على الابتسام، فغالباً ما تكون تلك الابتسامة مفروضة فرضاً، وتتحول من نعمة إلى لعنة تلاحق الشخصية كما في نص "تلك الابتسامة المشؤومة"، حين يستفيق رجل ويرى ابتسامة قد التصقت بوجهه، وسرعان ما سيكتشف أنها ابتسامة نحس، لأنها ستطرده من المكان وستوقعه في مآزق كثيرة: في قاعة السينما ستنعته عجوز مثلية بأنّه "خنزير" لما تراه يبتسم عاجزاً عن البكاء أمام مشهد أحرقت فيه البطلة بيتها على زوجها وأطفالها؛ وفي بار النازيين الجدد، يقول له النادل: "عليك أن تحتسي بيرتك بسرعة وتنصرف" (ص. 114) ثم يشبعه أربعة شبان ضرباً في الغابة.

وأمام وحشية الموت وعبثية الواقع، لا يبقى أمام الشخصيات في كل حالاتها تلك من حيلة سوى فعل الحكي تمارسه بعطش الظمآن، وتتفنن في نقل تفاصيله مهووسة بالحكي الذي يتحول في بعض الأحيان إلى هستيريا وثرثرة وهذيان محموم مثقل بالهم والحزن كما في "خنفساء الروث"، لما يتحول الكلام إلى مجرّد إفراغ هذياني جنوني بلا معنى، أو هو المعنى في ذاته: "دكتور! فارزة أخرى من فضلك. اسمح لي أن أذهب إلى الحمام. سأحدثك يا دكتور حين أعود عن فارزة أخرى اسمها: الوحشة. لكن دعني الآن أفرغ أمعائي. أشعر أنني شربت برميلاً من الوحل... دكتور.. هل تعرف أن أنواعاً من الفئران تبدأ بقضم ذيلها حين تجوع. والفأرة الأهم التي عرفتها وأعانتني في أن أتنبأ بمصيري هي فأرة كافكا. هل قرأتها يا دكتور، باللغة الفنلندية؟ كيف سأترجمها لك؟ هي من سموم كافكا القصيرة جداً وعنوانها حكاية صغيرة: قالت الفأرة..." (ص. 107)

ومن الوجوه من أخذ يغرّد بعيداً عن المألوف، منازلاً الواقع بسخريته ورفضه دافعاً حجراً سيزيفياً نحو قمة عالية مثل جعفر المطلبي الملحن الذي أشهر عداوته للدين والآلهة معلناً إلحاده. يبتكر أقسى الشتائم وأكثرها غرابة، منازلاً واقعه اللعين البذيء بالبذاءة نفسها وبالتمرد عينه: "صفر أبي في البدء بلحن مبتكر على الطريقة العسكرية، ثم أضاف شتيمة جديدة: مسمار في خصوة أخت الله!" (ص. 93). و"كان يطوف الشوارع وهو ينشد ضد الله حاملاً عوده الذي لم يبق فيه وتر واحد" (ص. 96)، وينتهي به الأمر "من دون رأس، وهو مربوط إلى جرار زراعي بحبل غليظ" (ص. 97).

أما الطيار الذي ألجأه المرض والموت واليأس والسرطان إلى غرفة بالطابق الخامس، فلم يعد يجد لوجوده مبرراً ولا معنى، ولم يتردد طويلاً في إنهاء حياته: "تسلق الطيار، بصعوبة، حافة النافذة. كان يصرخ من الألم، فشظايا الزجاج مزقت كفيه. دفع جسده بمشقة خارج النافذة، فهوى فوق ساحة المعركة الدامية" (ص. 144) مستسلماً لقدره. وأما دانيال "المسيح العراقي" الذي كان مع أمه العجوز في مطعم، ففاجأه شاب يتمنطق بحزام ناسف، واقتاده تحت التهديد بتفجير نفسه إلى المرحاض حيث "لخّص ما يريده: أن يتبادلا الحزام، مقابل حياة العجوز". ثم خرج الشاب إلى العجوز فسحبها خارج المطعم، و"وسط هلع الناس والأطفال، وهم يدوسون فوق بعضهم بعض، لمح المسيح كرسي أمه فارغاً. فضغط على الزر.." (ص. 150).

أما تلك الوجوه التي تمكنت من القفز خارج العراق فليس مآلها أحسن حالاً، فسليم عبد الحسين الذي صنع المستحيل من أجل محو "عراقيته" لغةً وتفكيراً وسلوكاً وعادات، وظن أنه صار سويدياً أوروبياً، فإنّ أحلامه الكابوسية المزعجة كانت ترده إلى العراق الذي يريد محوه من الذاكرة، حتى بعد أن سمى نفسه "كارلوس فوينتس" شاطباً اسمه العراقي سليم عبد الحسين، وهو "الشخص" الذي ظهر له في أحد كوابيسه ولما أطلق عليه النار بكل ما في قلبه من قسوة، لم يصبه. ويظهر خاتم الهوية الفضي الذي عثر عليه في شوارع العراق لما كان عاملاً بالبلدية يكنس بقايا الانفجارات، ويجمع قطع الذهب والفضة من الأصابع المقطوعة كي يجد ما به يغادر العراق إلى الأبد، يظهر الخاتم في بداية القصة التي تنغلق بظهوره ثانية في إصبع عبد الحسين دليلاً رمزياً على أن نكد الهوية يلاحق العراقي حيثما حل، وإن صنع ما صنع.

ولحسن بلاسم قدرة هائلة على القصّ، ذلك أن القصة التقليدية أقل من أن تلم بكل تلك الهموم والتفاصيل الصغيرة المؤلمة، وأعجز من أن تسع هموم الشخصيات، لذلك حشد الكاتب طاقاته التصويرية مستعيناً بالتقنيات التصويرية في السينما والخلفيات والمشهدية والمونتاج والفلاش-باك واللعب بالأضواء والألوان. وترك المجال للشخصيات كي تتكلم عن تجاربها كما في الأفلام الوثائقية كي يضع حداً واضحاً ويترك مسافة بين الشخصية والراوي الخارجي الذي يمهد للحكاية، ويترك الكلمة للراوي الداخلي – الشخصية كي تقول ذاتها دون تدخل منه. أما فيما سوى ذلك، فتظهر الشخصيات لتحكي قصصها بطريقة الـ"وان – مان -  شو" في المسرح، حيث تتداعى تداعياً حراً يصل حد الهذيان والجنون واللامعقول كما أسلفنا.

إن "معرض الجثث"، بتقنياته السردية وكمية الموت ووديان الدم التي أثثته، على ما فيها من سخرية تتسلل في ثناياها كبضاعة نادرة مهربة، جعل فكرتنا الأرضية البشرية عن الجحيم في ورطة، ذلك أننا ونحن ننتهي من قراءة الكتاب نكتشف فعلاً أن فكرتنا عن الجحيم سخيفة مقارنة بما تنقله إلينا نصوص الكتاب عن قطعة من الأرض يهاجمها مصاصو دماء لم يشهد لهم التاريخ مثيلاً. أما وقد صارت تلك القطعة من الأرض مستنسخة في قطع أخرى في أكثر من مكان في "عالمنا العربي الإسلامي"، فقد جعلت الجرح أكثر عمقاً، جرحاً نستقرئه في سخرية حسن بلاسم فنسمع صدى معاناته، وهو يمسك بالقلم ليكتب ما كتب، ونسمع مرافعته لإدانته زمن التوحش العالمي والتوحش المضاد. ويتحول النص إلى وثيقة إدانة حقيقية للأديان وتوظيفها في خدمة التوحش، وإدانة للبشر الذين غدا بعضهم يقتات على لحم بعض ودمه. إنها إدانة شاملة للتاريخ والإنسان، ولعلها تطرح ذاك السؤال القاسي الأخطر: هل مازال بعد حيّز لوجود ممكن، أم إننا ذاهبون بخطى حثيثة من عصر التوحش إلى العدم الشامل؟!

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق