ثرثرة حول مواقع التواصل الاجتماعي
25 فبراير 2017 | 0 تعليق

* الكاتب والإعلامي الأردني الدكتور موسى برهومة
د. موسى برهومة*

عندما رحل عن هذه الدنيا الفانية الشاعرُ الشعبي المصري سيد حجاب، راحت المذيعة الإعلامية في الـ"بي بي سي" رشا قنديل تنعاه، في لفتة وفاء على "تويتر" فكتبت: "الأستاذ سيد حجاب في ذمة الله.." فردّ عليها أحد المعلقين: "الحجاب لبس المؤمنات، ولن تقتليه أنتي ولا البي بي سي"!

وتمثل هذه، وهي من نوع المضحك المبكي، أحد أبرز العلامات في مواقع التواصل الاجتماعي، فالحوار بمعناه التواصلي البنّاء المثمر مفقود، وثمة "ثقافة" استهلاكية تقتل، بالإهمال، أعظم المعاني، وتتوّج أحطّ الأفكار في مراتب عالية، وتمنح الإعجاب لمن يثيرون التقزّز والسأم، وتنأى عمن يبدعون الدّرر، وينحتون كلماتهم ورؤاهم، وفي ظنّهم أنهم يرفدون المعرفة، ويعمّمون الجودة.

وقد مرّ كثيرون بحوادث من قبيل أن يضع أحدهم رابطاً لمقالة، أو يكتب نصاً طويلاً يحتاج ربما لخمس دقائق مركّزة من أجل قراءته، فتنهمر "اللايكات" عليه منذ الثواني الأولى، حتى ليظن الكاتب أنّه لو وضع في النص شتيمة، لأحدهم لسجّل "هذا الأحد" إعجاباً بها، فهو لا يقرأ.. فقط هو أمام الشاشة ويوزّع الأحكام لكل من هبّ ودبّ.

هناك من يعتقد أنّ مواقع التواصل الاجتماعي ليست منصات تثقيفية، وليست مؤهلة لتعميق المعرفة، أو توطين أفكار تنويرية أو أخرى ذات صلة بالمواطنة وامكافحة الفساد والكراهية، أو تطوير التفكير النقدي، وخلق روح علمانية تفكّ الاشتباك مع إشكالية المقدّس وتعيد الدين والسياسة وإدارة المجتمع إلى أدوات الحياة بمعزل عن التداخل، وبما يحفظ لكل حقل ميدانه الحيوي من دون أن يغرق الآخر بفيوضاته وإكراهاته.
وأصحاب هذا الرأي ممن لا يعوّلون كثيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، يَصدرون عن موقف بأنّ الجمهور في هذه المواقع ليس معروفاً، وليس متجانساً، ولا يكشف دائماً عن ميوله، وهو جمهور زئبقي من السهل أن يتنصّل من مسؤوليته، ومن الأسهل أيضاً أن يختبيء وراء أقنعة ورموز، فلا يعود المرء عارفاً بمن يتحدث معه إلا في إطار أصدقائه المعروفين المتجسّدين في ذاكرته من لحم ودم، وهؤلاء في جملتهم قلّة، مع أنها قلّة مضمونة ومتعيّنة.

ويتحفّظ كثيرون من الكتّاب في نشر إبداعاتهم على شبكات التواصل، خشية السطو عليها، وما أكثرَ الساطين والسارقين، لهذا لا يكشف المبدعون عن حقيقة أعمالهم ومشاريعهم، وهم محقّون في ذلك، فثمة "كتّاب" و"كاتبات" لا يرفّ لهم جفن، وهم يغيّرون اسمك، ويضعون مكانه أسماءهم، ويقدّمون أنفسهم للقراء باعتبارهم مفكرين جهابذة، مع أنهم لم يقرأوا في حياتهم كتاباً، ولا يعرفون شيئاً من أصول اللغة وقواعدها، بدلالة كوارثهم التي يندى لها الجبين حين يضطرون لكتابة "خواطرهم" بعد أن يكونوا قد يئسوا من السطو على منشور مناسب!

ومما يثير الانتباه في مواقع التواصل الاجتماعي أنها تكشف عن "داعشية" مقيتة تنبيء بانسداد الآفاق أمام مشاريع التنوير والتحديث في العقل العربي والإسلامي. كما تقدّم تصوراً معتماً لأية مشاريع تهدف إلى تحرير المجتمع من أغلاله, وأشدّ هذه الأغلال ما يقع على كاهل المرأة.

فإن نشر ناشط  ليبرالي أو علمانيّ منشوراً يدعو إلى تحرّر المرأة، أو أبدى موقفاً من الحجاب (وليس من الراحل سيد حجاب!) فإنّ كثيرين يؤازرونه من دون أن يُشهروا ذلك، بينما ينهمر المعارضون ويتكاتفون في حرب منظمة هدفها تقويض فكرة الداعي والحطّ من شأنها، عبر سلاح الترهيب باسم الدين، وبأنّ الداعي هدفه هدم الإسلام، ونشر الفاحشة والرذيلة، وتعميم الأفكار المنحرفة. وهم يفعلون ذلك كواجب ديني. إنهم يعتقدون أنّ تعليقاتهم تعادل في الحسبة الدينية "الجهاد الأصغر" أو هي بمثابة إماطة الأذى، أو إبطال المنكر، باللسان والقلب، باعتبار أنّ الأخيرة أضعف الإيمان، بحسب الحديث النبويّ، وفي ذلك تأويل لمعنى الجهاد أو التصدّق أو عدم الرضى بمبتذل الكلام وسقَطه.

مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن ذلك، تعمّق الإحساس بالبلاهة، فثمة من يعتقد أن عدم إيجاد "ولاعة" لإشعال سيجارته، في آخر الليل، أمر حيوي يستدعي أن ينشره على صفحته لتنهمر التعليقات والمحاورات في هذه القضية الوجودية المقلقة حقاً!

تلك المواقع، في جملتها، تقتل الإبداع، بلا ريب، وتشجّع على عدم التفكير. لا وقت أمامك إلا لكي تضع "اللايك" أو تعلّق على نحو غبيّ أحياناً، فتدفق المعلومات والمنشورات لا يتيح لك مجالاً للتأمل. أنت منهوب الحواس أمام هذه الشاشة التي تحوّلك، إن تورطت بها، إلى عبد، وتمنحك على الأغلب تفاهة وضموراً في التفكير الخلاق ورثاثة في الأفكار، وتضيّع وقتك فيما لا طائل منه.

وقد يعترض معترض فيقول إنني لا أرى إلا نصف الكأس الفارغ من المشهد، وعليّ أن أحدّق في النصف الملآن. فهذه المواقع كان لها الأثر الفعّال في إشعال شرارات الربيع العربي، وفي تنظيم مشاركة الجماهير التي خرجت إلى الشوارع بسبب الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي التي أطلقت مفهوم "المواطن الصحفي" الذي صار يقدّم الأخبار بمعزل عن الرقابة، وصار يوثق الأحداث بالصوت والصورة، فيهشّم رواية الإعلام الرسمي السقيمة.

ومَن لا يقرّ بذلك، وأكثر؟ فتلك المواقع أحدثت، حقاً، ثورة في عالم الاتصال، وعمّمت أفكاراً كان من الصعب أن تصل لولا منصاتها، كما أنها قرّبت المسافات بين البشر،، وأعادت اكتشاف الصداقات القديمة، فرمّمت المودة، وبثت الدفء في أوصال الوجدان الإنساني.

صحيح هذا كله، وليس ثمة من يعارضه، لكنّ المأخذ هنا هو الإفراط في التعويل على تلك المواقع في إحداث الفرق المنشود في المجتمع، كما يروّج لذلك بعض الحالمين الذين يعربون عن ثقتهم بأنّ تلك المواقع هي التي ستغيّر المجتمع والثقافة والأفكار عن الدولة والحقوق والسلطة والمستقبل.
لست من أولئك المتحمسين بالطبع، لأنّ كمية الزيّف في هذه المواقع أكثر مما يحتملها الإنسان العاقل الذي، إن هو عزم على التغيير، يلزمه التأمل والتفكير العميق، وبعد ذلك يلزمه السياق المتجانس الذي يتقبّل أفكاره ويثريها بالنقد والتحليل والتقريظ والإضافة، وهذا ما لا يوفره الفضاء السبراني بعامة.

مواقع التواصل، في مجملها، لا تعرف الفعل التراكمي الذي تنشده قوى التغيير الثقافي والمعرفي. لأنّ ذاكرة أغلب هذه المواقع ذاكرة لحظية عابرة، فكل يوم أنت على موعد جديد مع "معرفة" جديدة. والناس هنا ذوو ذاكرة تشبه ذاكرة النملة. وأي رهان جِدّي على تلك الذاكرة مآله الإخفاق والندم.

مواقع التواصل الاجتماعي، في أحسن الأحوال، صالحة لتزجية الوقت، وقتل الملل، والقليل منها يثري الروح والوجدان ويمنح المرء ثقافة ملهمة.

ومثل المعلق على "يوتيوب" الذي عاب على رشا قنديل نعي سيد حجاب، مذكّراً إياها بأنّ الحجاب حيّ لا يموت ، فقد كانت مواقع التواصل الاجتماعي ضجَّت بالسخرية أواخر العام 2014 من أحد النواب في مجلس الأمة الكويتي، إثر مطالبته بإلغاء أمسية عن الشاعر والفقيه جلال الدين الرومي، المتوفى في عام 1273م، أي قبل ما يعادل 744 سنة.

وكان النائب محمد الجبري أكد بأنه تلقى رسالة تفيد بأنّ أمسية ستقام عن جلال الدين الرومي في الكويت، مشدّداً على ضرورة إيقافها من قبل وزيريْ الداخلية والإعلام.

ودعا النائب إلى منع جلال الدين الرومي من تقديم أمسيته التي قيل إنّ الدعوة فيها مخصصة للنساء فقط، لأنّ "مثل هذه الأمسيات فيها من الخزعبلات والرقص المنافي للشريعة الإسلامية"، وبمقدور من أراد التوثق من هذه الحادثة أن "يستمتع" بمداخلة النائب الهمام على موقع "يوتيوب"!

سيقول قائل إنّ "يوتيوب" وثّق مثل هذه الحادثة، ولولاه لما عرفنا بها، وهذا من محاسن مواقع التواصل الاجتماعي. وأقول إن ذلك صحيح، لكنّ الذاكرة مأهولة بحوادث أخرى من هذا القبيل، قبل انفجار ثورة المعلومات. ويتذكر كثير من الأردنيين كيف طالب وزير ثقافة، ذات زمان منصرم، بأن يتم التفاهم مع بيكاسو لدى حضوره الأردن بخصوص تفاصيل معرض استعادي كانت الوزارة تخطط لإقامته تكريماً للفنان الإسباني الذي كان رحل قبل أكثر من ربع قرن على تلك الحادثة!

لا نبخس مواقع التواصل الاجتماعي حقها في الإشادة، وفي إسقاط حراس البوابة الإعلامية، وإحالتهم إلى العطالة. كما أننا نقرّ بأنها فتحت المجال أمام "الديمقراطية الاتصالية"، لكنّها في المقابل غمرت المنصات جلها بخطابات كراهية ودعوات لاستئصال الآخر، وعرّضت حياة الناس للنهش والاغتيال المعنوي، وأثارت الإشاعات، وعمّقت الانقسامات الإثنية والمذهبية، وأخرجت، وما انفكت تفعل، الصديد من أعماق الناس، وهو أمر يجب أن يخضع للتحليل النفسي.

سيوضع رابط هذه المقالة، بعد نشرها، على مواقع التواصل الاجتماعي. وبعد ثوان من ضغط زر النشر، سيكون ثمة من وضع "لايك" وهو لا يدري طبيعة المحتوى. وتلك لعمري معضلة لا يتعيّن التقليل من فداحتها!

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق