جبران خليل جبران: "النبي" الحالم بالأخوة الإنسانية
04 يوليو 2014 | 0 تعليق

جبران خليل جبران - (أرشيفية)
الرباط - ذوات

شخصيتان بارزتان أثرتا أكثر من غيرهما عليه. ولكنهما شخصيتان مُتناقضتان: "المسيح" و "نيتشه". الأولى أتت بحكم ولادته لأسرة مسيحية والبيئة التي ترعرع فيها الطفل الصغير الذي ولد في العام 1883 في إحدى القرى اللبنانية. والثانية أتت يوم نضج الطفل وأخذ بالاطلاع على النتاج الفكري للفلاسفة والأدباء. ولبقية حياته، سيتأثر بهما جبران خليل جبران أكثر من غيرهما، إلى درجة حضورهما الكبير والطاغي في كتاباته ونتاجاته الأدبية.

كتابه (النبي) شكّل انعطافة كبرى في تاريخه الكتابي، ومنحه حضوراً عالمياً. فمن جهة، جاء كتاب (النبي) كإنجيل جديد يحمل على صليبه آلاماً جديدة مُضمّخة بآمال وأحلام كبار، فتلك البشارة التي يتضمنها الكتاب هي بشارة لكلّ الناس وجبران هو النبي الجديد الذي بشَّر بالأخوة الإنسانية، بعد أن تعرضت لرضّات وخيبات كثيرة ومتعددة عبر تاريخ طويل. ومن جهة ثانية، كان كتاب (النبي) بمثابة محاكاة لكتاب (هكذا تكلّم زرادشت) لـ "نيتشه".

إن التناقض الحاصل بين شخصية المسيح بصفته مُبشرّاً بالمسيحية ورسالة السماء، وشخصية "نيتشه" بصفته رافضاً للمسيحية ودعواتها السماوية، كان مُحفزّاً لجبران خليل جبران لكي يذيب شخصيتهما في شخصية واحدة، ويُعيد دمجهما في بناء نثري أدبي واحد. ما منحه حضوراً كبيراً في الحقل الثقافي العربي والعالمي.

وفي تأكيد على رسالته الإنسانية تمثَّل جبران الألم الإنساني على هيئة صليبٍ جديد، حمله على كتفيه لبقية عُمره. وفي سبيل مداواة هذا الألم دعا صاحب "الأرواح المتمردة" إلى المحبة بصفتها دواءً عظيماً يمكن أن يُشْفِي من داء الألم الإنساني. وفي هذا يقول في كتابه النبي:

"المحبة تضمكم إلى قلبها كأغمار الحبوب، وتدرسكم على بيادرها لكي تظهر عريكم، وتغربلكم لكي تحرركم من قشوركم، وتطحنكم لكي تجعلكم أنقياء كالثلج، وتعجنكم بدموعها حتى تلينوا، ثم تعدّكم لنارها المقدسة، لكي تصيروا خبزاً مقدساً يُقرّب على مائدة الرب المقدسة".

وفي موازاة نثره الأدبي، برز جبران خليل جبران كشاعرٍ غنَّى للطبيعة والحياة والموسيقى. ولكن انتشاره كأديب كان أسرع من انتشاره كشاعرٍ، إلى أتت فيروز وغنّت لَهُ بصوتها الشجي قصيدة "المواكب":

أعطني الناي وغنّ فالغنا سِر الوجود

وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود

فعندما اندمجت القصيدة بالموسيقى، عرف الناس بشكل واضح أن الأديب جبران خليل جبران يحمل بين جنبيه شاعراً أيضاً، غنى له كذلك جون لينون مقطعاً من قصيدته "رمل وزبد": نصف ما أقوله لك لا معنى له، غير أني أقوله لعل النصف الآخر يبلغك. وورد المقطع في أغنية Julia التي أطلقتها فرقة البيتلز سنة 1968.

ولتعزيز تواصله بالعالمين الغربي والعربي، فقد كتب باللغتين العربية والانجليزية، وبقي وفياً لضمير المحبة والحس الإنساني الذي نادى به طيلة حياته، إلى أن وافته المنية في نيوريورك يوم 10 أبريل (نيسان) 1931.

وكانت أمنية جبران أن يُدفن في لبنان، وقد تحقق له ذلك في 1932، إذ دُفن في صومعته القديمة في لبنان، فيما عُرف لاحقًا باسم متحف جبران.

مات جسد الشاعر، لكن "النبي" لم يمت، وظل حاضراً في الضمير الإنساني، يلقى رواجاً كبيراً في العالَم الغربي، كما في العالَم العربي أيضاً. فقد أوصى جبران أن يكتب على قبره:

"أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك؛ فاغمض عينيك والتفت؛ تراني أمامك".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق