جوزيف كونراد يشعّ من "قلب الظلام" ويلتحم بالكونيّة
31 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

جوزيف كونراد – (أرشيفية)
ذوات

المؤرخون لسيرة الأديب الإنجليزي البولندي جوزيف كونراد (1857-1924) يشيرون إلى أنه بدأ حياته بحّاراً في الأسطول التجاري الفرنسي، وهو ابن السادسة في مدينة "مرسيليا"، بعدما تم تهجير والديه من بولندا"، وكاد يموت بطلق ناري، غير أنّ الغالب في حياة هذا الرجل الذي يشبه إلى حدّ ما الأمريكي أرنست همنغواي من حيث علاقتهما بالبحر أنه عاش للكتابة وفي صميم الكتابة إلى آخر رمق في حياته، وكان دقيقاً، كما لو أنه معماري، في بناء رواياته ومنها: "زنجي السفينة نرجس"، و"لورد جيم" و"نوسترومو" و"العميل السرّي"، أما قصصه القصيرة، فمنها: "العاصفة وقصص أخرى".

 غير أنّ "قلب الظلام" غطت على كل هذا الإرث الأدبي لـ"كونراد" الذي كتب أعمالاً نثرية شخصية تناولت تأملاته في الحياة والأدب .

أدرك كونراد، منذ كان يافعاً، كما يقول د .عمر مصطفى شركيان في دراسة حوله "الروح العميقة للقومية المكبوتة في بولندا التي كانت تسيطر عليها روسيا، وإلى حدّ ما الإمبراطورية النمساوية وبروسيا لأكثر من 60 عاماً حتى لم يبق لها وجود كأمّة في حقيقة الأمر إلا في قلوب وأدمغة الناس".

عاش كونراد للكتابة وفي صميم الكتابة إلى آخر رمق في حياته، وكان دقيقاً، كما لو أنه معماري، في بناء رواياته

كتب كونراد 13 رواية وعدداً من القصص القصيرة، غير أن روايته "قلب الظلام" على حجمها الصغير، نالت شهرة عالمية، ووضعت كونراد في طليعة كتّاب الرواية في النصف الأول من القرن العشرين بشكل خاص؛ فالرواية التي صدرت في العام 1899 كانت علامة بارزة في قرن الكلاسيكيات الكبرى، ليس على مستوى الفن الروائي فقط، بل، وعلى مستوى الفنون التشكيلية والموسيقى والشعر والقصة القصيرة .وكان من بين أهم من نقلها إلى العربية المترجم والأديب الأردني الراحل صلاح حزيّن الذي قدم لها بدراسة ضافية وعميقة وممتعة.

في الكلام على كونراد أو استعادته بعد نحو تسعين عاماً على وفاته، نستعيد أيضاً إدوارد سعيد الذي وضع كتاباً كاملاً حول كونراد. يقول الناقد محمد شاهين حول علاقة سعيد بـ"كونراد"  إن إدوارد سعيد يقدم قراءة جديدة لـ"قلب الظلام" عندما يقول إن "كونراد يجعلنا نحس أنه يحاول أن يخرج من الدائرة التي وضع نفسه فيها، ليصل بنا إلى واقع ملموس خارج الوصف البشع للاستعمار الذي ينشغل به ذلك الواقع، الذي يمكن في الوقت نفسه أن يكون مناهضاً للاستعمار ذاته".

وثمة من يشير إلى قواسم مشتركة بين إدوارد سعيد وكونراد، ومنها اللغة، فصاحب كتاب "الاستشراق" الذي وجّه نقداً ثقافياً علمياً للغرب كان يكتب باللغة الإنجليزية أفضل مما يكتب بها أهلها. وكذلك، تخلى كونراد عن اللغة البولندية وعن اللغة الفرنسية أيضاً واختار الكتابة بالإنجليزية.

الأهم من ذلك أنّ أدب جوزيف كونراد كان في القلب من اهتمام منظري ما بعد الكولونيالية، ومن بينهم إدوارد سعيد وهومي بابا، جنباً إلى جنب مع كيبلنغ وإي إم فورستر وآخرين، فأعيدت قراءة أعماله مجدداً، وبخاصة روايتي "قلب الظلام" و"نوسترومو" التي تدور أحداثها في جمهورية "كوستغوانا"، وهي مكان خيالي لكنه قريب الشبه ببلدان أمريكا اللاتينية.

ولكن هذه القراءة لم تأت في اتجاه واحد، أي اتجاه التقدير لموقف كونراد في فضح ممارسات المستعمر في المستعمرات البعيدة، كما لاحظت صحيفة "الحياة" فقد رأى فيه الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي روائياً عنصرياً ينظر بازدراء إلى الأفارقة. وفي مقالة عنوانها "صورة لافريقيا: العنصرية في قلب الظلام لكونراد".

يقول أتشيبي: "إن كونراد يعرض صورة لافريقيا باعتبارها "عالم الآخر"، نقيض أوروبا وبالتالي نقيض الحضارة". ويضيف: "ليس الاختلاف بين البيض والأفارقة هو ما يقلق كونراد بل التلميح المستتر إلى القرابة، إلى الأجداد المشتركين". ويصل ذروة انتقاده لكونراد بالقول: "إن كونراد يتجنب استخدام كلمة "أخ" في وصف هذه العلاقة وأقصى ما يصل إليه في وصفها هو كلمة القرابة". ولكن أتشيبي يعترف بأن "كونراد لم يبتكر صورة افريقيا التي نراها في كتبه، فهي كانت وما زالت صورة افريقيا المهيمنة على الخيال الغربي".

"قلب الظلام" على حجمها الصغير، نالت شهرة مدوّية، ووضعت كونراد في طليعة كتّاب الرواية في العالم

انتقد إدوارد سعيد هذه النظرة من جانب أتشيبي وقدم تقويماً أكثر موضوعية لكونراد في كتابه "الثقاقة والإمبريالية": "كونراد يكتب كرجل حفرت فيه وجهة النظر الغربية عن العالم غير الغربي حتى أعمته عن رؤية أي تواريخ وثقافات أخرى وتطلعات أخرى".

ولم تكن لدى إدوارد سعيد أي أوهام في شأن كونراد الأوروبي الأبيض أولاً وأخيراً، فهو يرى أن كونراد كان إمبريالياً ومعادياً للأمبريالية في الوقت نفسه، ولكن ما يميزه عن غيره من الكتاب الاستعماريين المعاصرين له هو أنه "كان واعياً وعياً ذاتياً حاداً لما يفعله لأسباب تعود جزئياً إلى الاستعمار الذي حوله هو المهاجر البولندي، إلى موظف لدى النظام الإمبريالي".

ويخرج سعيد ببعض أكثر الاستنتاجات إثارة من خلال قراءته لروايات كونراد، ففي رواية "نوسترومو" يقول هولرويد، وهو مستثمر أمريكي من سان فرنسيسكو "في وسعنا أن نجلس ونراقب. وذات يوم سوف نتدخل. طبعاً لا مفر لنا من ذلك. ولكن ليس ثمة ما يدعونا إلى العجلة. إن على الزمن ذاته أن يقف على خدمة أعظم بلد في الكون الواسع. ستكون لنا الكلمة في كل شيء: في الصناعة والتجارة والقانون والصحافة والفنون والسياسة والدين... سوف يكون لدينا من الوقت ما يمكننا من الاستيلاء على الجزر والقارات القصية من الكرة الأرضية. سنقوم بإدارة أعمال العالم، سواء راق ذلك للعالم أم لم يرق. وليس في وسع العالم أن يمنع ذلك، وليس في وسعنا نحن أيضاً".

ويرى سعيد أن كونراد من خلال هذه الرؤية النافذة التي تحمل استشرافاً مبكراً للهيمنة الأمريكية على العالم، ورؤى أخرى يصوغها كونراد على لسان هولرويد في مقاطع أخرى من الرواية نفسها، إنما تحتوي قدراً كبيراً من بلاغيات "النظام العالمي الجديد".

وربما لا يعلم المحتفون بلغة كونراد الإنجليزية وجزالتها أنّ صاحبها طوّرها بجهده الذاتي، حيث استطاع أن يعلّم نفسه بنفسه اللغة الإنجليزية من خلال المعاملات مع البحارة على ظهر السفن .

حصل كونراد على الجنسية البريطانية في العام 1886 وعمل بعدها على السفن البريطانية وغيرها في رحلات إلى المستعمرات في الشرق، استطاع في خلال تلك الرحلات عبر آسيا وأفريقيا كسب الكثير من الخبرات، ورأى بعينيه شعوب تلك البلاد ومستعمريها من البيض، كما يقول الكاتب محمد العباسي.

استفاد كونراد من قراءاته المتنوعة لكبار الكتاب من أمثال شكسبير وديكنز ومن تجاربه المتنوعة في حياة البر والبحر سواء بسواء

وبعد فترة تبدلت نظر كونراد الرومانسية للبحر والعوامل الطبيعية التي يتسم بها، وحلت محلها تلك الفلسفة الواقعية التي ترى الخطر المحدق كامناً وغير مرئي في كل المظاهر الطبيعية من بخار وعواصف وأخطار، مما جعله بالتالي يشفق على حياة قباطنة وبحارة السفن، وهم يصارعون الأنواء والعواصف في كفاح أقل ما يوصف به أنه صراع مرير من أجل الحفاظ على سفنهم وحيواتهم .

ولعل أشد ما أثار انتباه كونراد في خلال تلك الرحلات هو الأطماع المادية والقسوة التي تتلقاها الشعوب المستعمرة على أيدي المستعمرين ..

وهنا وجد كونراد نفسه يوجه قلمه للدفاع عنهم وليعلي من أصواتهم حيث كان يسميهم (من لا صوت لهم).

وكان من أسباب اعتزاله البحر مرضه الشديد بسبب هذا العمل الشاق، ومن هنا وجد نفسه ممن اختارتهم الكتابة لأن يحترفوها وليصبح روائياً يشار إليه بالبنان .

ففي العام 1895 قام كونراد بنشر أول رواية كتبها في أثناء رحلاته الأخيرة، وبعدها تزوج من سيدة إنجليزية تصغره في السن وتقل عنه ثقافة وإدراكاً، ليجد نفسه يعاني المزيد من العزلة رغم استقراره في بريطانيا .

ولم تنته معاناة كونراد في الكتابة، بل ظل بسبب اختياره الكتابة باللغة الإنجليزية ـ التي لم تكن لغته الأم ـ أن يكتب بالبولندية ثم الفرنسية ليضع الكتابة في قالبها النهائي باللغة الإنجليزية.

وقد شكل هذا الأمر، كما يلفت عباسي، الكثير من الصعوبات له، خاصة وأنه في بداية حياته الأدبية، ولكنه تخلص من ذلك وتميز أسلوبه بالقوة والثراء .

ولما كان من العسير على أي كاتب أن يعتمد على قلمه في كسب قوت يومه، فقد عانى كونراد أيضاً من هذا الأمر، خاصة وأنه ككاتب يجب عليه أن يرضي القارئ الإنجليزي الذي كان وقتها يعاني من محدودية الثقافة ولا تجذبه سوى الكتابة عن المغامرات المثيرة .

وقد استفاد كونراد من قراءاته المتنوعة لكبار الكتاب من أمثال شكسبير وديكنز ومن تجاربه المتنوعة في حياة البر والبحر سواء بسواء وشكل له ذلك زخماً كبيراً اعتمد عليه كمادة للكتابة، كما شكلت له تجاربه السياسية وعمق فهمه لتلك الحياة وأسرارها منطقة ثراء في هذا المجال ساعده كثيراً.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق