جون ستيوارت مل ينتصر "منطقياً" لحقوق المرأة
28 ابريل 2016 | 0 تعليق

ذوات - منى شكري

لطالما آمن الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت مل (1806-1873) أن "الحرية هي أثمن وأقوى حاجات الطبيعة البشرية بعد الضرورات الأولية من غذاء وكساء"، وفي هذا السياق كان يرى أنه لا ينبغي النظر إلى قضية المرأة على أن الحكم فيها قد صدر مقدماً عن طريق الواقع القائم والرأي العام السائد، بل لا بد من فتحها للنقاش على أساس أنها مسألة عدالة ومنفعة، ومن ثم ينبغي أن يكون الحكم فيها كما هي الحال في أي أوضاع اجتماعية وبشرية أخرى.. معتمداً على تقدير مستنير للاتجاهات والنتائج التي قد يثبت أنها أكثر فائدة للبشر دون التمييز بين الجنسين.

في النص التالي من كتابه "استعباد النساء" يبدأ مل بالتدرج منطقياً في إثبات قضية حرية المرأة وحقوقها وبطلان التمييز ضدها الذي تحركه "الغريزة" وليس التفكير العقلاني، "المفروض أن يقع عبء البرهان على أولئك الذين يعارضون الحرية، ويدافعون عن كل قيد، وكل تحريم، إما بتقييد الحريات العامة للأفعال البشرية، وإما بحرمان أي شخص أو مجموعة من الأشخاص من مزايا يتمتع بها غيرهم"، وهو في جرأة طرحه كان سابقاً لعصره ولمعظم المفكرين والفلاسفة قبله الذين بالكاد أولوا المرأة شيئاً من اهتمامهم.

"إن العبء الذي يحمله أولئك الذين يأخذون على عاتقهم مهاجمة رأي يكاد يجمع الناس عليه هو عبء ثقيل من كل وجه. فهم لا بد أن يكونوا محظوظين جداً، وعلى درجة غير عادية من الكفاءة لو أصاخ لهم الناس السمع على الإطلاق. فهناك صعوبة كبيرة في أن ننتزع من الناس اعترافاً بأن هناك قضية (خاصة بالمرأة)، وهي صعوبة تزيد على الصعوبة التي يواجهها الآخرون في الحصول على قرار أو حكم. فإذا نجحنا في انتزاع هذا الاعتراف وأصاخوا السمع، فرضوا علينا مطالب منطقية تختلف اختلافاً تاماً عما يُطلب من غيرنا من الناس. فمن المفروض أن عبء البرهان، في جميع القضايا الأخرى، يقع على من يريد أن يثبت شيئاً، فإذا ما اتهم شخص بجريمة قتل، مثلاً، وقع عبء البرهان على من اتهموه، فإن عليهم وحدهم مسؤولية إثبات ارتكابه للجريمة، وليس عليه هو أن يثبت براءته. وإذا وقع خلاف في الرأي على واقعة تاريخية مزعومة.. كحصار طروادة مثلاً، فإن أولئك الذين يؤكدون وقوع "حصار طروادة" عليهم أن يثبتوا ذلك، وأن يقدموا براهينهم، قبل أن يطلب من المعارضين أن يقولوا شيئاً، بل لا يطلب منهم، في أي وقت، أكثر من تفنيد البراهين التي يقدمها المؤيدون لواقع الحصار، وبيان أنها لا قيمة لها، وقل مثل ذلك في المسائل العلمية: فالمفروض أن يقع عبء البرهان على أولئك الذين يعارضون الحرية، ويدافعون عن كل قيد، وكل تحريم، إما بتقييد الحريات العامة للأفعال البشرية، وإما بحرمان أي شخص أو مجموعة من الأشخاص من مزايا يتمتع بها غيرهم، فالافتراض السابق لأي افتراض "آخر يؤيد الحرية وعدم التمييز بين الناس؛ إذ من المفروض ألا تكون هناك قيود إلا ما يتطلبها الصالح العام، وألا يميز القانون بين الناس، بل يعاملهم جميعاً على قدم المساواة، اللهم إلا إذا كان التمييز في المعاملة لأسباب موضوعية تتطلبها العدالة أو السياسة العامة للدولة. ولكن أولئك الذين يعتنقون الرأي الذي أذهب إليه (ويدافعون عن قضية المرأة) لا يسمح لهم بالاستفادة من أية قاعدة من قواعد الإثبات هذه. في رأيي أنه من نافلة القول أن نشير إلى أن أولئك الذين يذهبون إلى أن للرجال حق الأمر، وأن على النساء واجب الطاعة – أو أن الرجال يصلحون للحكم وإدارة شؤون الدولة في حين أن النساء لا يصلحن لذلك يمثلون الجانب الإيجابي في هذه القضية، ومن ثم فعليهم مهمة الإثبات، وتقديم البراهين والأدلة الإيجابية التي تثبت ما يؤكدونه أو أن ترفض دعواهم.

ومن نافلة القول أيضاً، أن نذكر أن أولئك الذين ينكرون على النساء أي حق في الحرية أو ميزة يتمتع بها الرجال، يؤكدون افتراضاً مسبقاً مزدوجاً ضد أنفسهم هو: معارضتهم للحرية، وتأييدهم للتحيز، وأنهم مطالبون بتقديم الدليل الحاسم على صدق دعواهم، وما لم ينجحوا في إزالة أي شك في قضيتهم، فإنه يتعين صدور الحكم ضدهم. وربما نذهب إلى أن هذه المواقف سليمة وصحيحة، وأنها عادلة في أية قضية عامة، لكنها، مع ذلك كله، لن تكون كذلك في قضية المرأة. ولذلك فإن القارئ يتوقع مني – حتى يكون لديّ أمل في التأثير عليه – لا أن أرد فقط على كل ما يمكن أن يقولوه وأبحث عن مبرراته وأرد عليها.

وإلى جانب تفنيد حجج الإثبات كلها، سأكون مطالباً بتقديم حجج إيجابية حاسمة لإثبات السلب (أي سلب موقفهم وهو تأييد حقوق المرأة)، وحتى إذا استطعتُ أن أقوم بذلك كله وتركتُ حزب المعارضة (أي خصوم المرأة) أمام مجموعة كبيرة من الحجج لا تدحض، ولم أترك حجة واحدة بغير تفنيد، فإن ذلك كله سوف يعتبر عملاً ضئيل الشأن، من المفترض أن قضيتهم (أي معارضة حقوق المرأة) يدعمها العرف العام من ناحية، والمشاعر القوية لدى الناس من ناحية أخرى، بطريقة تفوق أي اقتناع يعتمد على العقل، حتى أن العقل لن يكون له سلطان إلا عند فئة قليلة من المثقفين.

وأنا لا أذكر هذه المصاعب والعقبات على سبيل الشكوى:

أولاً: لأن الشكوى لا غناء فيها؛ فالمصاعب والعقبات لا بد منها إذا ما أراد المرء التأثير على عقول الناس ضد مشاعرهم وعواطفهم وميولهم أو اتجاهاتهم العملية.

ثانياً: إن عقول الغالبية العظمى من البشر يجب أن تصل إلى مستوى أعلى، مما وصلت إليه في أي وقت، قبل أن يُطلب إليها الاعتماد على قدرتها الخاصة في تقييم الحجج والإقلاع عن المبادئ العملية التي ولدوا فيها وعاشوا معها – والتي هي الأساس للجانب الأكبر من النظام الاجتماعي القائم في العالم – عند أول هجوم بالحجج، وإنما لثقتهم الشديدة في هذه المبادئ العامة، وإيمانهم بالعادات، والتقاليد، والمشاعر العامة، أكثر مما ينبغي.

ثالثاً: إحدى الخصائص المبتسرة للعقل في القرن التاسع عشر ضد عقلانية القرن الثامن عشر هي أنه وصف العناصر اللامعقولة في الطبيعة البشرية بالعصمة من الخطأ، وهي الصفة التي كان يعزوها القرن الثامن عشر للعناصر العقلية وحدها. فاستبدلنا بتأليه العقل تأليه الغريزة.

ونحن نطلق كلمة "الغريزة" على كل ما نجده في أنفسنا، ولا نستطيع أن نعثر له على أساس عقلي. أن عبادة هذا الصنم "الغريزة" لهو أكثر انحطاطاً بكثير من عبادة الأصنام الأخرى، وأشد ضرراً من جميع العبادات الأخرى الزائفة التي تسود عصرنا الحاضر؛ بل إن "عبادة الغريزة" لتمثل الآن الدعامة الرئيسة لجميع العبادات الأخرى، وسوف تظل قائمة، في الأعم الأغلب، إلى أن تتراجع أمام علم نفس سليم يكشف عن الجذور الحقيقية لكثير، مما ننحني أمامه بوصفه نية "الطبيعة" وقصدها، وخطة "الله" وأوامره.

أما بخصوص المشكلة الراهنة (وهي حقوق المرأة)، فأنا أوافق عن طيب خاطر على الشروط والظروف غير المحبوبة التي تعينها لي الأحكام المبتسرة. فأنا أسلم أن العادات والمشاعر تنتمي في كل عصر إلى أسباب أخرى غير كونها صحيحة، وأنها تستمد قوتها من أسوأ جوانب الطبيعة البشرية وليس من أفضل جوانبها.. وأنا أقبل، عن طيب خاطر، أن يصدر الحكم ضدي ما لم أستطع أن أثبت أن هناك تلاعباً مع القاضي، وليس ذلك أمراً عسيراً كما قد يبدو، بل إن إثباته هو أسهل جوانب مهمتي".

جون ستيوارت مل، استعباد النساء، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1998  ص36- 38، (صدر الكتاب الأصلي عام 1869)

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق