حليم بركات إذ يغوص في المجتمع العربي ويشخّص علله وتطلعاته
23 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

حليم بركات – (أرشيفية)
ذوات

في كتابه "المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغيّر الأحوال والعلاقات" الصادر عام 2000 عن مركز دراسات الوحدة العربية، يحاول الباحث السوري المرموق في علم الاجتماع الدكتور حليم بركات، تقديم صورة شاملة للمجتمع العربي خلال القرن العشرين تعكس تعقيداته، وخصوصيات أجزائه، وتحولاته، وبناه الظاهرة والخفية، وتناقضاته، وعلاقاته بذاته والآخر، وموقعه في التاريخ الحديث.

بركات: يعيش الشعب كابوساً لا حلماً. إنه محاصر ودائرة الحصار تضيق باستمرار

وكان هذا دأب بركات منذ بداياته العلمية الأولى، حيث سيطرت المشكلات الاجتماعية على تفكيره، ما جعله يواصل هذا النظر، متابعاً دراساته العليا في الولايات المتحدة، وحائزاً على درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة متشغن 1966.

وليس بعيداً عن هذا الشغف، الحياة الصعبة التي عاشها بركات منذ صغره، فقد ولد في الكفرون في سورية عام 1933، وتوفي والده عندما كان في سن العاشرة، فانتقلت عائلته للعيش في بيروت حيث نشأ. عملت أمه وكافحت لتعيل العائلة وتعلم أبناءها. ومن الجامعة الأمريكية في بيروت، حصل بركات على شهادتي البكالوريوس والماجستير في علم الاجتماع.

مضى بركات في تقديم تحليل اجتماعي نظري منهجي للمجتمع العربي يربط البحث العلمي بقضايا التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي، ويدرس الظواهر والوقائع في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، مركّزاً على التناقضات والصراع، والنظر في تداخل البنى والمؤسسات الاجتماعية.

ويستند بركات في كتابه "المجتمع العربي في القرن العشرين.." المنهج النقدي التحليلي للواقع الاجتماعي العربي في هذا الكتاب إلى مقولات متداخلة تشمل حالة الاغتراب المستعصية وأزمة المجتمع المدني، وتداعي المجتمع من الداخل، وتمحور النظام الاجتماعي السائد حول نواة من الجماعات الوسيطة، مما يؤدي إلى تغييب المجتمع وسحق شخصية الفرد المبدع، واستمرارية المرحلة الانتقالية الطويلة في محاولة التغلب على التخلف وتحقيق النهضة وتفاقم التناقضات بمختلف أشكالها في زمن العولمة.

ويقرأ بركات في "الهوية العربية ومسألة الاندماج الاجتماعي والسياسي: أحادية التعدّد، وفي "البداوة، الفلاحة، الحضارة: أنماط المعيشة"، وكذلك "البنية الاجتماعية: في سبيل تجاوز هيمنة الواحد"،  ويعاين "مكونات الثقافة العربية:قيم، إبداع، فكر"، والخامس:"التغيير التجاوزي: نهاية قرن، بداية قرن".

وقبل هذا الكتاب، وبعده، كان أصدر حليم بركات دراسات وكتباً، أبرزها:

المجتمع العربي المعاصر (1984)

حرب الخليج (1992)

المجتمع المدني في القرن العشرين (2000)

الهوية أزمة الحداثة والوعي التقليدي (2004)

الاغتراب في الثقافة العربي (2006)

 

في كتابه "غربة الكاتب العربي"، يرى بركات أنّ الكاتب العربي يعيش غربات عديدة، داخل الوطن وخارجه، وهي تجربة عاشها إنساناً ومثقّفاً، وجمعته صداقة حميمة بمثقّفين وكتّاب في المنفى.

الدعوة لمساواة المرأة  العربية هي دعوة مرافقة للتحولات الاجتماعية التي تحدث ‏

ويتناول الكتاب تأثيرات الغربة في شعر أدونيس، وفي فكر هشام شرابي وإدوارد سعيد، وفي روايات جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف والطيب صالح، وفي مسرح سعد ونوس، وفي لوحات مروان قصاب باشي.

وتوسع في مفهوم الغربة الذي قاده إلى دراسة عن "الاغتراب في الثقافة العربية: متاهات الإنسان بين الحلم والواقع" في  2006 قرأ فيه بركات ظاهرة الاغتراب مركّزاً بصورةٍ خاصّة على المجتمع العربيّ، حيث "يعيش الشعب – كما يقول – كابوساً لا حلماً... إنه محاصر. ودائرة الحصار تضيق باستمرار، فيضطر بفعل اليأس إلى الانشغال بتدبير شؤونه الخاصّة، وتحسين أوضاعه المعيشية الماديّة على حساب كرامته وإنسانيته وطاقاته الإبداعية".

وإذا كان مصطلح الاغتراب ما زال في حاجة إلى جلاء أبعاده، فإنَّ المؤلّف غاص في تفاصيل واقع الاغتراب، ما يجعل المصطلح أكثر اقتراباً من الوضوح والدقة العلميين، ولا سيّما حينما بحث بمنهج نقدي "طبيعة العلاقات السائدة بين الإنسان والمؤسسات والأنظمة السياسية والأوضاع الاجتماعية العامّة".

وبجوار هذا الجهد الذي يتولى مناقشة أزمات الإنسان العربي، كانت أزمة النزوح واللجوء والاقتلاع التي وسمت، وما تزال، ردحاً طويلاً من التاريخ العربي المعاصر، ومن عمق هذه الأزومة انبثق كتاب "النازحون اقتلاع ونفي: دراسة اجتماعية علمية" والذي كان أدلّ دراسة اجتماعية علمية عن اللاجئين الفلسطينيين الذين اضطروا إلى النزوح من الضفة الغربية إلى الأردن نتيجة حرب 1967. وشملت الدراسة نتائج المقابلات الميدانية التي أجراها، برفقة حليم بركات، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، بيتر ضود، مع عينات كبيرة من النازحين الجدد، وتشكل عرضاً وثائقياً تحليلياً للأسباب والعوامل التي دفعتهم إلى النزوح تاركين أرضهم ومنازلهم، والأحداث التي عاشوها في أثناء حرب 1967، ومشاعرهم، ومواقفهم تجاه أوضاعهم والتطورات المستجدة والأطراف المختلفة ذات العلاقة.

 وتبين الدراسة، بالتحليل الإجتماعي الميداني، أنّ الأسباب المباشرة لنزوح الفلسطينيين سنة 1967 ترجع، خلافاً لادعاءات إسرائيل، إلى تهديم القرى والمنازل العربية وطرد أهلها، وذكريات الإرهاب الصهيوني الدموي في مجزرة دير ياسين، والضغط الاقتصادي، والحرب النفسية.

وركّز بركات جهده لتحليل علاقة الرجل بالمرأة وعلاقة الكبار بالصغار، ورأى فيها علاقة هرمية؛ لأنّ العلاقات ليست أفقية متساوية بل هرمية تتضمن تفاوتاً كبيراً في السلطة، ولكن رغم ذلك تجد أنّ المرأة أحياناً، تملك سلطة أكثر مما نتصور، وهذه السلطة تأتي من طبيعة الوظائف التي تقوم بها أو من حيث إنها تشعر بمسؤوليتها عن العائلة أكثر من الرجل.

 ومضى بركات يقول، خلال حوار أجري معه، إنّ الرجل حصر اهتمامه بجمع الرزق وتقديمه للعائلة، لكنّ المرأة هي التي تدير وتدبر مصالح العائلة وتحرص عليها.. فقوة المرأة هنا مستترة لا تقوم على القوة العضلية أو العنف، إنما تعتمد العقل والليونة والمسايرة، ولذلك فإنّ المقولة الهرمية متشابكة وتحتاج للكثير من الدرس لإلقاء الضوء الكافي على مختلف القوى الظاهرة والمستترة في العائلة. ‏

وتساءل: إذا كانت المرأة العربية كائناً بغيره لا بذاته، أو عبد العبد كما يقولون.. كيف تتم عملية تحريرها؟ هل بتحرير العبد أولاً.. أم بتجزئة هذه القضية وعزلها عن قضايا التحرر السياسي مثلاً..؟! ‏

ويعتقد بركات أنّ تحرير المرأة يبدأ بحصول تحول في المجتمع، فمثلاً نجد أنّ المجتمع قد تطور وأصبح يتطلب أن تشارك المرأة في الحياة العامة، فتجاوز دورها نطاق العائلة انسجاماً مع هذا التطور الذي أصبح المجتمع بموجبه بحاجة لأن تلعب المرأة دورها، وهو لم يفعل ذلك بسبب الضغط، إنما بسبب الوظائف الجديدة التي توافرت. ‏

من هذه الناحية، اكتسبت المرأة قوة معنوية، ولكن أيضاً بنشوء الوعي في الكتابات التحليلية ظهر أنّ المرأة تاريخياً في الثقافة العربية كانت معزولة ومضطهدة إلى حد بعيد، والقوانين القائمة إن كانت مستمدة من الحياة العائلية القبلية أم من الدين والمؤسسات الدينية، كانت تعطي للرجل هذه الأولوية والهالة وتحجب الاعتراف بها علناً. ‏

لا يستطيع العربي أن يكتب الرواية دون أن يتوسع أفقياً وعمودياً في فهم المجتمع

ويرى أنّ ثمة تحوّلاً حدث في البنى الاجتماعية أدى لأن تلعب المرأة دورها، كما حدث وعي جديد ليس فقط بسبب التعامل مع الخارج، بل بالتحول الذي بدأ يظهر في المجتمع. هناك تفسير اجتماعي وهناك تفسير نفسي سيكولوجي، في كل الأحوال. لقد نشأ وعي جديد لكنه جاء نتيجة لوجود تحولات اجتماعية على صعيد البنى الاجتماعية فأصبح للمرأة هذا الدور، وأعتقد أنّ هذا مستمر. لذلك فإنّ الدعوة لمساواة المرأة هي دعوة مرافقة للتحولات الاجتماعية التي تحدث. ‏

وبجوار اهتماماته الأكاديمية، بل ربما في قلبها، يبزغ إبداع حليم بركات الروائي والأدبي الذي جعله يصدر أعمالاً نالت أصداء واسعة من الاهتمام، منذ وقت مبكّر في حياة بركات الذي أصدر:

القمم الخضراء (1956)

الصمت والمطر (1958)

ستة أيام (1961)

عودة الطائر إلى البحر (1969)

الرحيل بين السهم والوتر (1979)

طائر الحوم (1988)

إنانة والنهر (1995)

المدينة الملونة (2006)

وسئل بركات عن أي المجالين ساعده أكثر في فهم وشرح التجربة الإنسانية، الدراسات الاجتماعية أم الروايات، فردّ:‏منذ البداية بدأت أعرف أنني أريد أن أكون روائياً، وسألت نفسي هل أدرس في الجامعة لأتخصص بالأدب، أم أتخصص في علم الاجتماع والنفس، فاخترت علم الاجتماع، وذلك ليقيني أنه سيفيدني في كتابة الرواية، وذلك لأنه يكشف البنى الاجتماعية وتأثيرها في الأفراد، والعلاقة بين هذه البنى والمؤسسات مثل العائلة والدين والسياسة والطبقات الاجتماعية، وهي عناصر تدخل في بنية الرواية ليس فقط في وصف الشخصية، بل في تجارب هذه الشخصية المتأثرة إلى حدّ بعيد بالطبقات الاجتماعية والأوضاع المختلفة لظروف العائلة والدين والسياسية. ‏

وأكد أنّ معرفة بنية المجتمع وقضاياه وطبيعة المؤسسات الاجتماعية، أمور ضرورية لكتابة الرواية، ولكن بما أنني تخصصت في علم الاجتماع وعلم النفس، أصبحت الكتابة في هذين المجالين ترافقني في التعليم الجامعي، حيث درست علم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع السياسي وعلم اجتماع الأدب والرواية.. فكتبت بالإنكليزية والعربية حول الواقع الاجتماعي العربي، وأصبحت أُعرف كخبير في المجتمع والثقافة العربية... فالرواية لا تتكلم عن المشاعر، بل عن الوعي وعن معرفة الواقع الاجتماعي، معرفة العائلة وكيف تؤثر بالأفراد وكذلك معرفة الطبقات الاجتماعية والمؤسسات الدينية. لا يستطيع العربي أن يكتب دون أن يتوسع أفقياً وعمودياً في فهم المجتمع.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق