خليل عبد الكريم: الشيخ الأحمر
08 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

خليل عبد الكريم – (أرشيفية)
ذوات

عندما مضى خليل عبد الكريم في اتجاه النقد التاريخي للتاريخ الإسلامي منذ تفجّر الدعوة المحمدية، لم يكن يتنكّب هذه المشقة سدى أو من غير طائل، فقد أراد أن يُميط اللثام عن المسكوت عنه في ذلك التاريخ، من أجل فهمه وإعادة إنتاج الدلالات والإشارات التي تُحدّد سيرورة الدعوة النبوية.

في كتابه "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" يقدم عبد الكريم رؤية جديدة غير مسبوقة حول فترة أغفل الحديث عنها، أو هي مرت مروراً عابراً في بعض السِّير، أو أنه دار حولها مزاعم من قبل المستشرقين، وهي تلك الفترة الممتدة منذ زواج محمد صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة حتى واقعة غار حراء، تلك الفترة ظلت متوارية في الظل بخلاف ما سبقها من قطاعات السيرة وما لحقها، رغم أنها من أهم وأخطر مراحلها.

كان عبدالكريم ناشطًا وعضوًا في حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي اليساري مع أنّ خلفيته ليست شيوعية مثل أغلب أعضاء الحزب

وقد التزم عبد الكريم، في دراسته، كما يذكر ناشره، بالمنهج التاريخي، ومن خلال ذلك قام بتفنيد كل المزاعم الباطلة التي ساقها المستشرقون وغيرهم في هذا السياق، من مثل أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم تعلم القرآن من حداد بمكة يسمى بلعام، وفي رواية من عَبْدَيْن صقليين أحدهما يسمى يسار والآخر جبر وثلاثتهم من النصارى، هذه وغيرها من المزاعم أو الترّهات يقدمها هؤلاء كتعليل لصدوره- أي القرآن الكريم- منه صلى الله عليه وسلم. وقد قام المؤلف بتفنيدها جميعاً وكشف زيفها ورفع الحجاب عن فسادها.

ولعل هذه الشجاعة في نبش التاريخ، وبخاصة تاريخ التأسيس الأول للدعوة النبوية، هو ما قاد على خليل عبد الكريم الحملات الشعواء من قبل خصومه الذين أطلقوا عليه لقب "الشيخ الأحمر" أي الشيوعي، بسبب آرائه التي انتقل فيها من تربيته الأولى في صفوف الإخوان المسلمين، إلى المنهج التاريخي، كما تقول سيرته العلمية.

ولد خليل عبد الكريم في العام1930 وغادر الحياة في 14 أبريل 2002 في محافظة أسوان في جنوب مصر. أنهى دراسته في الفقه والشريعة الإسلامية في الأزهر مطلع الخمسينيات ودرس القانون في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) وتخرج فيها عام 1951. عمل عبد الكريم محامياً وقضى أغلب حياته في القاهرة في حي بولاق الدكرور، وقام بالدفاع عن زميله نصر حامد أبو زيد عندما أتهم بالكفر، واضطر أن يدافع عن كتبه و أفكاره أمام المحكمة.

كان عبدالكريم ناشطًا وعضوًا في حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي اليساري مع أنّ خلفيته ليست شيوعية مثل أغلب أعضاء الحزب، بل على العكس من ذلك، كانت له خلفية إسلامية وكان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، وسُجن مرتين بسبب انتمائه لها.

كان عبد الكريم يدعي أنه يمثل الروح الحقيقية للجماعة حينما يمزج بين الإسلام الليبرالي والعدالة الاجتماعية على العكس من القادة الحاليين الذين يصبون همهم على تطبيق الشريعة، على حد تعبيره.

رفد عبد الكريم المكتبة العربية بأكثر من 13 كتاباً، ومن أبرزها:

مفاهيم خاطئة ألصقوها بالإسلام

لتطبيق الشريعة لا للحكم

الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية

الإسلام بين الدولة الدينية والمدنية

مجتمع يثرب

شدو الربابة بأحوال الصحابة

العرب والمرأة

دولة يثرب

قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية

فترة التكوين في حياة الصادق الأمين

النص المؤسس ومجتمعه (آخر كتبه)

ويقرأ في كتابه "مجتمع يثرب" العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمع المدنية/ يثرب إبّان حياة النبي محمد وزمن خلفائه الأربعة من أهم معالم هذا المجتمع الذي بمعرفة أبنائه تحققت الثورة التي فجرها النبي محمد في القرن السابع الميلادي في منطقة الحجاز، والتي تعد من أخطر الثورات التي شهدتها الإنسانية منذ العصور الوسطى. وهو المجتمع الذي مَوضَع، بحسب عبد الكريم، تجربة تلك الثورة المظفرة وشيّأها. وشاء المؤلف أن يضيء كتابه جانباً مهماً في ذلك المجتمع، أي العلاقة بين الرجل والمرأة.

نحن نؤمن بتاريخية النصوص الدينية وبربطها بأسباب ورودها وبالفترة التي ظهرت فيها وبالبيئة التي انبعثت منها، وبالمجتمع الذي ولدت فيه 

قريء عبد الكريم من زوايا متعدّدة غالبيتها ناقمة على طريقته في معاينة التاريخ الأسلامي في المرحلة التأسيسية. لكنّ اليساري المصري الدكتور رفعت السعيد، الذي ترأس حزب التجمع خلفًا لخالد محيي الدين، طالع منجز عبد الكريم في عدة حلقات نشرتها صحف مصرية، إذ يذكر أنه في صفوف "التجمع" كان هناك مفكرون إسلاميون مجددون وليبراليون ويساريون: د. حسن حنفي- الشيخ زين السماك شيخ الطريقة السماكية- والشيخ مصطفى عاصي.. وغيرهم، وفي صفوفهم تألق خليل عبدالكريم بوضوحه وليبراليته الحقة وإصراره على خوض معركة التجديد وعلى مواجهة الإرهاب المتأسلم، مواجهة شجاعة ومباشرة.

ولجأ خليل عبدالكريم إلى وسيلة مبتكرة فى تقديم نفسه عبر كتابه الممتع، كما يصفه السعيد، "الأسس الفكرية لليسار الإسلامي"، فقد استعار مقالاً كتبه عنه الصحفي الأمريكي ستيف نيقوس في جريدة ميدل إيست إيجيبت، بعنوان "مقابلة مع مفتي الماركسية في مصر.

ويقول خليل عبدالكريم "إنه أحد الألقاب التي أنعم عليّ بها خصومي في الرأي، ومنها أيضا الشيوعي الملتحي، والشيخ الأحمر وغيرها.

يقول السعيد: لعل "ذلك الغيظ الذي دفع جماعة الإخوان إلى إطلاق هذه التسميات على الاستاذ خليل عبدالكريم كان مصدره أنه لم يترك الإخوان فحسب، ولا انتقدهم فقط، وإنما انضم أيضاً إلى الحزب الأشد خصومة لتأسلمهم وهو حزب التجمع، وهو ما أكده خليل عبدالكريم في حوارات عدة معه قائلاً: تركت الإخوان رافضاً لمسلكهم الفكري والعملي، وأتيت إلى التجمع لأنه الحزب الوحيد الذي رفض ذات المسلك الفكري والعملي، وهاجمه قولاً وفكراً وكتابة وعلى المستوى الجماهيري، متحدياً السائد آنذاك، سواء من الحكم أو الإعلام أو الكثرة الغالبة من السياسيين".

ويقول خليل عبدالكريم ناقلاً عن مقال ستيف نيقوس: وصفَ ملبسي ومكتبي المتواضع الذي يقع في منطقة شعبية فقيرة، وأدركت أنه وضع يده على الجرح كما يقول المثل الشعبي، إذ تساءل "الشيخ مظهره إسلامي وسمته إسلامي، وينطلق من أرضية إسلامية في خطابه وطروحاته، فلماذا إذن يرفضه الإسلاميون (وهم فى الحقيقة إسلامويون كما أصر على تسميتهم) وينفونه من صفوفهم ولا يعتبرونه واحداً منهم؟

ويعلق خليل عبدالكريم: وقلت لنفسي كيف استطاع هذا الصحفي الأمريكي الذي لم يمكث معي أكثر من ساعتين أن يدرك أنني أقف على أرضية إسلامية لم أغادرها في يوم من الأيام، ولم يدرك ذاك الإسلامويون الذين زاملت أغلب نجومهم الساطعة وبدورهم اللامعة الآن؟

زاملتهم في سجون الناصرية، السجن الحربي ومزرعة ليمان طرة، وخرجت مع آخرين في سبيل الله عدة أسابيع، وخرجت مثلاً مع أحدهم لمدة خمسين يوماً قضيناها في أمريكا وهو الآن يشرف على جريدة دينية تصليني ناراً حامية.

ثم يتساءل خليل عبدالكريم: أهي المصالح والمنافع والمكاسب التي تعمي البصائر قبل الأبصار وتجعل من يزعم أنه داعية يسكت عن شهادة الحق ويتحول إلى شيطان أخرس، بل إن بعضهم تحول إلى شيطان ناطق، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟

ويقول الدكتور رفعت السعيد متذكراً لقاءه الأول بخليل عبد الكريم: مع بدايات تأسيس حزب التجمع دخل مكتبي شخص طويل القامة، ضخم البنيان، أسمر الوجه بحيث يتبدى نوبياً ويرتدي جلباباً، وأحاط رأسه بشال أبيض ملفوف كعمامة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا خليل عبدالكريم المحامي، جئت أنضم إلى حزب التجمع إعجاباً بموقفكم ممن تسميهم أنت في كتاباتك بالمتأسلمين، وأسميهم أنا بالإسلامويين، وطلب نعناعاً، وامتلأت الغرفة بعبق العطر الإسلامي المميز والمستخدم من زيت العتر. وبدأ يحكي قصته مع الإسلامويين. كان معهم مبكراً، وعندما تخرج في كلية الحقوق عمل محامياً في مكتب الأستاذ عبدالقادر عودة المحامي، وأصبح كادراً إخوانياً.

ثم هاله، كما يروي السعيد "التقلب الإخواني، وهاله وجود شيء خفي في كل ما يقولون وما يفعلون، واكتشف وجود جهاز سري، واستمع في الاجتماعات إلى همسات عن الأخوة (تحت الأرض)، وإلى ألفاظ مثل كافر وكفَرة ومرتد، وضرورة إقامة حد الردة عليهم، وإلى التوجيه الأثير والدائم الذي يتلقنه كل كادر إخواني مفعماً بالولاء الكامل لقائلة الإمام حسن البنا، وهو أن على الإخوان أن يتقنوا (لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت)، وقالوا له تستمر اللعبة حتى نتمكن، ثم ننقلب على الطاغوت، ولابد من الاستعداد الدائم لمثل هذا الانقلاب".

قد يفتي فقيه أنّ فعلاً ما هو زنا صريح، لكنّ آخر يفتي أنّ ذات الفعل نكاح صحيح، أو على الأقل نكاح فاسد لا يستوجب إقامة الحد ولا حتى التعزير

يقول عبد الكريم: لسنا نقول كالدكتور حسن حنفي "احتمينا بالنصوص فدخل اللصوص" ولكن نقول لهم "وسّعتم خيمة النصوص فتعمقت هوة التخلف والنكوص"، موضحاً، كما يذكر السعيد، أنّ "النصوص مجالها العقيدة والعبادة والأخلاق، فأرادوا، لحاجة في نفس يعقوب، مدها إلى مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون والآداب والإعلام والتعليم والعلوم الإنسانية بل العلوم التجريبية حتى الطب، فتولد من ذلك الإرهاب والعنف وازدادت التواكلية والقدرية والتسليمية والتفويضية، وظهرت الخرافات والشعوذات والتوهمات وكلها بلا استثناء رفعت شعارات الدين، وخاصمونا، ورققوا عقيدتنا عندما لفتنا أنظارهم إلى أنّ الإسلام شأنه في ذلك شأن الديانتين الإبراهيميتين اللتين سبقتاه في التاريخ، ميدانه الأصيل المساجد والجوامع والتكايا والخانقاهات والحسينيات والخلاوي وحضرات الصوفية وحلقات الذكر، ذكرنا لهم ذلك منذ خمسة أعوام في كتابنا "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية" ولكن أخذتهم العزة بادعاء تملك الحقيقة المطلقة فاعتبروا ذلك تهويناً للإسلام وطعناً فيه، مع أنّ العكس هو الصحيح، إذ إنّ رسالة الدين الوحيدة والرئيسية هي تخريج المؤمن الصالح، أما الجوانب الأخرى من الحياة فهي موكولة إلى علوم دنيوية بحتة، وسندنا الذي نقطع به حجة المعاندين والمكابرين وهيئة المنتفعين بإخراج الإسلام من تلك الأماكن المبروكة التي ذكرنا هو الحديث النبوي "فما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فشأنكم به، أنتم أعلم بأمر دنياكم" (أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجه في السنن وأحمد في المسند).

ويمضي خليل عبدالكريم "نحن نؤمن بتاريخية النصوص وبربطها بأسباب ورودها وبالفترة التي ظهرت فيها وبالبيئة التي انبعثت منها، وبالمجتمع الذي ولدت فيه، بل بالظروف الجغرافية التي واكبتها، وبالدرجة الحضارية للمخاطبين بها وبمداهم المعرفي وأفقهم الثقافي، مع الوضع في الاعتبار أنّ النصوص ذاتها ذكرت صراحة أنها تتوجه إلى أمة أميّة".

ومن ثم فهو يقول صراحة "نحن لا نسلّم بقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" لأنّ فيها إهداراً لسبب النزول، وإهداره يحجب المدلول الحقيقي لـ"اللفظ" ذاته ويغيم عليه ويشوش معناه، ومن ثم يجىء الحكم رجراجاً مائعاً غير منضبط، وهذا أحد أسباب اختلاف الفقهاء وتناقض أحكامهم حتى في أخطر الأمور، فما يراه أحدهم بيعاً يجزم آخر أنه ربا.

وقد يفتي فقيه أنّ فعلاً ما هو زنا صريح، لكنّ آخر يفتي أنّ ذات الفعل نكاح صحيح، أو على الأقل نكاح فاسد لا يستوجب إقامة الحد ولا حتى التعزير.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق