درويش في الذكرى الثامنة لرحيله: خاطف الشعر وأمير الكلام لم يمت
10 اغسطس 2016 | 0 تعليق

الشاعر محمود درويش – (أرشيفية)
ذوات

 أثار مثقفون أسئلة الشعر والعبقرية والغياب في الذكرى الثامنة لوفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الذي رحل بعد إجرائه عملية في القلب بالولايات المتحدة الأمريكية عام ٢٠٠٨.

وكما كان درويش شاغلَ الناس في حياته، فإنه في مماته يفعل الأمر ذاته، ويثير السجال، ويثوّر الفضاء العربي بحضوره الكثيف.

فتحت عنوان "فلسطين الأُخرى" كتب الشاعر اللبنانيعباس بيضونإن وداع درويش لم ينته بعد، فـ "ما زال المغنى الذي طار، قبل ثماني سنوات، يكلّمنا مباشرة وما زالت فلسطين تشبه أكثر فأكثر أغنيته، بل تصير أحياناً الأغنية نفسها. محمود درويش هو الذي جعل من فلسطين أغنية، وهو الذي جعل منها أوديسة كونية، وهو الذي جعل منها جرحاً عالمياً، هكذا بعد غياب محمود درويش يزداد الشاعر التصاقاً بالمأساة التي استشفّ فيها الخسارة. وهكذا يستطيع درويش أن يحضر أكثر كلّما زادت المأساة تبلوراً وكلما كانت الخسارة مستديمة مقيمة متصلة".

ويضيف بيضون :"محمود درويش شاعر فلسطين، ليس لأحد أن يُنكِر ذلك، أنه شاعر قضية لبسها ولبسته حتى صار وجهاً لها، واسماً آخر وعنواناً. شاعر قضية بدون شك، لكنه جاء إلى القضية من الشعر وحملها إلى الشعر، وظلت عنده شعراً يسفر عن شعر ويزداد شعراً كلما أوغل فيها، وكلما شفَّت هي، وتحوّلت أكثر فأكثر إلى تراجيديا إغريقية، وتوحدت مع مأساتها واستدقت رمزيتها، وخرجت من الصخب السياسي والمعتركات الوقائعية والخطاب الإيديولوجي أو قل الخطب الأيديولوجية، خرجت لذلك من المصطلح السياسي وفوقه المصطلح النضالي بل النفير النضالي".

وكتب الأديب الفلسطيني زياد خدّاش "مات خاطف الشعر": "قبل قليل" عدت من هناك، صافحت حارس المكان، لمست وردة بيضاء، جلست على الدرجات، التقطت صورة لضريحه وهمست له: مساء واسع لعينيك يا محمود، ثم عدت إلى البيت لأفكر في محمود درويش هذه الظاهرة التي حيّرت وأغاظت وأبهجت الكثيرين، خطر في بالي سؤال: أين هم أولئك الشعراء الذين طالما اتهموا محمود درويش بأنه كان يعرقل بشهرته الكبيرة مواهبهم وانتشارهم؟ محمود ميت الآن، (أهو حقاً ميت؟)، فأين أنتم؟ أين قصائدكم؟ أين أمسياتكم؟ لم لا تنتشرون؟ فالساحة الآن خالية من محمود، (هل حقاً خلت الساحة من محمود؟).

وتابع خدّاش: "مات من خطف الشعر يوماً كما تتوهمون، فهيا اصنعوا لنا أمسية يحضرها الآلاف، أتقدرون؟ لدينا تجارب شعرية مهمة ولافتة، لا شك في ذلك، لا أحد يجادل في ذلك، لكن المسألة ليست في الاعتراف بهؤلاء، هي تماماً هناك في قدرة البعض على التسليم بوجود عبقرية شعرية محيّرة بالفعل، ولن تتكرر في طبيعتها وأسلوبها ولغتها وبنائها وحمولاتها واختلاط الوطني فيها بالإنساني باليومي بالأسطوري بالغنائي، اسمها محمود درويش".

وعلى صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" كتب الشاعر الأردني يوسف عبد العزيز "احتفاءً بأمير الكلام" الذي تمتاز تجربته عن غيرها من التجارب، في كونها التجربة الاستثنائية التي لخّصت مسار الشعرية العربية في العصر الحديث، وقادته نحو أفق الحداثة العالمية".

وتابع عبد العزيز: "العمل الجبّار الذي قام به درويش، كان بمثابة معجزة، إذ لم نلحظ من قَبْلُ شاعراً عمل على تطوير تجربته بهذا الشكل الكبير، وتطعيمها بهذه المناخات المتعدّدة المتّكئة على أسلافه من الشعراء العرب ومن بلدان العالم. سوف نأخذ بعين الاعتبار هنا، أنّ درويش حين شقّ طريقه نحو العالمية، فإنّه لم يسعَ إلى التّنكّر لواقعه، أو إلى تبديل جلده الشعري، وإنّما شقّ هذا الطريق ووصل إلى العالمية من خلال احتفاله بخصوصيّته، يقول في أحد الحوارات التي أجريت معه: "العالمي أساساً هو العالمي في نصّه الأصلي، بمعنى أن يحمل الشاعر في نصّه الأصلي سماتٍ إنسانية تعني قارئاً من خارج هذه اللغة، أي أن يحمل مشتَرَكاً منطلقاً من خصوصيّة محلّية".

واستذكر عبد العزيز لقاءه بدرويش في عمّان قبل أسبوعين من وفاته: "استقبلنا أمير الكلام بكل روعة وشاعريّة، وقام بإعداد القهوة بنفسه، وقدّمها لنا، كما قدّم نوعاً لذيذاً من الشّوكولاته. جلس أمير الكلام وخضنا معه أحاديث شتى عن الوطن والشعر والحبّ. كان ارتباكه واضحاً، خاصّةً من جهة مرض القلب والشرايين الذي يعاني منه، قلت مبدّداً ذلك الارتباك: "أستاذ محمود أنا أعتقد أنّ الشاعر يمرض فقط حين لا يكتب شعراً جميلاً، وبما أنّك تواصل الكتابة بكل هذه الروعة والجمال فأنت غير مريض، أدعوك إلى رمي الأدوية جميعها". ابتسم درويش، ولكنّه سرعان ما قال لي إنّ الأمر هو أبعد من هذا التبسيط. حين غادرنا منزله، أمسك بيدي وقال "يوسف اجعلها بعودة". لم أرجع إلى بيته، لأنّ درويش غادر بعد يومين إلى فلسطين، ثمّ ذهب في رحلته المدمِّرة إلى هيوستن في الولايات المتّحدة الأمريكية. يا إلهي لقد مات وخلّفني بكامل يتمي!".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق