دورة أكاديمية لكرسي غرناطة تناقش أطروحات "الإسلام السياسي" ومساراته وتحولاته
18 مايو 2016 | 0 تعليق

ذوات

عقد كرسي غرناطة لدراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني دورة أكاديمية في موضوع "الإسلام والإسلام السياسي: الجوامع والفوارق"، وذلك في مقره بمدينة غرناطة، خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 13 مايو الجاري، بتعاون بين مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، والمؤسسة الأوروبية العربية للدراسات العليا، ومعهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا وجامعة غرناطة.

وقد أشرف على تأطير هذه الدورة التي احتضنت أشغالها كلية الترجمة بجامعة غرناطة، والمؤسسة الأوروبية العربية للدراسات العليا، كل من المفكر اللبناني الدكتور رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية ببيروت، والأكاديمي المغربي الدكتور محمد بنصالح، مدير الكرسي وأستاذ الإسلام السياسي وتاريخ الفكر السياسي في الجامعة المغربية، والدكتور رافاييل أورتيغا رودريغو، أستاذ الدراسات السامية في جامعة غرناطة والباحث في الحركات الإسلامية في أوروبا والعالم العربي.

وتناولت المحاضرات بالدرس والتحليل ظاهرة "الإسلام السياسي" وعوامل نشوئها، وأطروحات الحركات السياسية الإسلامية المعاصرة وآثارها على الحياة السياسية والاجتماعية في البلدان العربية خلال العقود الأخيرة، كما ناقشت شعاراتها ومواقفها وتحوّلاتها في سياق تطورات المشهد العالمي ومتغيرات الاجتماع السياسي العربي المعاصر.

وفي هذا الإطار، رصد الأساتذة المحاضرون أهم الظواهر التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون، والتي ولَّدت أحاسيس ضاربةً في الأعماق بفقد الشرعية الدينية في الاجتماع الإسلامي، من الاستعمار الأوروبي الذي انتهك الولاية والسيادة، إلى التغريب الذي ولَّد مخاوف على الهوية، وإلى حركات التجديد الإصلاحي والسلفي التي ضربت التقليد الديني الفقهي بما في ذلك "فقه العيش"، إلى زوال النظام القديم الذي كانت الخلافة آخر مظاهره الشكلية، فإلى الأحداث العاصفة في القرن العشرين، وأهمُّها تأثيراً في الوعي العربي الإسلامي ضياع فلسطين، وقيام دولة المسلمين المنفصلة في شبه القارة الهندية. وهما مشكلتان لم تتمكّن الدولة الوطنية في مرحلتها الأولى قبل النصف الثاني من القرن العشرين من معالجتهما، الأمر الذي أدّى إلى ظهورٍ قويٍّ للحركات الإحيائية التي دعت في البداية إلى ضرورة الانفصال عن الخارج المُعادي بالمعاني الدينية والثقافية والإنسانية؛ ثم تطورت دعوتها، وفقاً لما ذهب إليه الدكتور رضوان السيد، إلى فصامٍ وانشقاقٍ بدواخل الأفراد والمجتمعات والدول خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

وهكذا، يقول الدكتور رضوان السيد، حدثت على المستوى الديني ثلاثة أمور: الصحوة الإسلامية التي عنت سمْتيةً صارمةً في العقائد والشعائر والعبادات واللباس والعادات الاجتماعية. وكأنما عنى ذلك تعويضاً عن الإحساس بالغربة والفُقدان ولواذاً بظواهر الدين وحرفياته أو ما اعتُبر كذلك. والأمرُ الثاني المتلازم مع ظاهرة الصحوة والسمتية، ظهور نظرية النظام الإسلامي الكامل الذي تعلوه رؤية الحاكمية، ويتفرع إلى أغصان عقائدية في النظام السياسي، والاقتصاد والاجتماع وصولاً إلى أدقّ التفاصيل. والنظام الكاملُ هذا، حسب الأستاذ المحاضر، يؤكّد على الانفصال عن نظام العالم، وعن نظام الدولة الوطنية المتفرع عنه. وذروتُه الحاكمية، وقاعدتُه تطبيق الشريعة. وقد شارك في اصطناع النظام العقائدي هذا في مرحلته الحالية أو المعاصرة السلفيون الجدد في روحه الداخلي، والإخوان المسلمون في معالمه الظاهرة: الروح السلفي الجديد، والجسد الإخواني، يشكلان معاً النظام الإسلاميَّ الكامل الكفيل بإحقاق الشرعية الكاملة.

وقد نوّه صاحب المؤلف المرجعي حول "الأمة والجماعة والسلطة" إلى أن هذا النظام لا يحيل إلى العودةً إلى التقليد؛ أي إلى التجربة التاريخية الإسلامية، مثلما توهَّم ذلك القوميون واليساريون، فانصرفوا إلى اصطناع أُطروحاتٍ كاملةٍ في لعن التقليد والنعْي عليه، وإنما على العكس من ذلك، فإن النظام السياسي العقائدي المطلوب منه أن تكونَ مهمتُه الرئيسة تطبيق الشريعة، ما كان عند أهل السنة حنبليهم وأشعريهم ومعتزليهم من أركان الدين بما في ذلك الخلافة. فالإمامةُ عند أهل السنة مصلحيةٌ وتدبيريةٌ وليست من أُصول الدين؛ ليخلص الأكاديمي اللبناني إلى ضرورة التعجيل بالإصلاح، مؤكدا أن الإصلاح السياسي ينبغي أن يتقدم على إصلاح الشأن الديني، باعتبار أنّ الإصلاح السياسي هو الذي يجعل الإصلاح الدينيَّ ممكناً ما دام أنّ أحد أهمّ أسباب الافتتان بالدعوة إلى الدولة الدينية في العقود الثلاثة الأخيرة، هو الفشل الذريعُ الذي عانت منه الدولةُ الوطنيةُ العربيةُ، خاصة في  الأنظمة العسكرية والأمنية، في صَون المصالح الخاصة والعامة والكرامة الوطنية، الأمر الذي أحدث لدى الجمهور تطلعات للاستبدال بالدولة الوطنية الفاشلة في زمن القتل والطائفيات والهزائم أمام إسرائيل دولةً دينيةً بحثوا عنها في إيران وأفغانستان وحتى في جُزُر القُمُر!

ولذلك، ذهب صاحب "أزمنة التغيير، الدين والدولة والإسلام السياسي" إلى أنّ أول الطريق للإصلاح الإسلامي، يكونُ بتصحيح مسار الدولة الوطنية، مشدّداً على أهمية إقامة الأنظمة الحافظة لأمن الناس ومصالحهم في تجديد الوعي الإيجابي بالدولة والنظام، وصرف الشبان عن التطلع إلى الدولة الموهومة، داعياً المؤسسة الدينية في العالم العربي إلى الاضطلاع بواجبها ومسؤوليتها في القيام بوظائفها ومهماتها على نحوٍ يعيد الشبانَ إليها وتعود هي إليهم، محدّداً هذه الوظائف في قيادة العبادات، والتعليم الديني، والفتوى، والإرشاد العام، ومعتبراً أن مهماتها تتجاوزُ ذلك إلى تمثيل الدين الإسلامي في العالم، وتجاه الديانات الأُخرى، خاصة وأن قسماً معتبراً من ضمن هذه المؤسسات الدينية ما يزال سليم البنية، قادراً على إعادة البناء من أجل ممارسة هذه الوظائف والمهامّ، ليخلص الأستاذ المحاضر إلى التأكيد على ضرورة تلاقي الإرادات والقدرات بين الدول والمجتمعات لاحتضان الدين ومؤسساته، وتمكين رجالاته من أداء أدوارهم التي لا غنى للمجتمعات والدول عنها، حيث تتحول المؤسسات الدينية إلى ورشة عملٍ في تغيير البرامج، وفي التخطيط للدعوة وتجديدها في المساجد، وفي رؤيةٍ أُخرى للعلائق بين المؤسسات وتبادل الخبرات، وفي الإفادة من التجارب السابقة، ومن ضمنها تجربة العقود الماضية مع السلطات، وذلك بالمضي باتجاه الإدارة الصالحة التي تعيد بناء المؤسسات وتطويرها، بما يمكّن الشعوب من الاطمئنان للجهتين: جهة الاستقلال الوطني والقومي، وجهة الكفاءة في إدارة الشأن العام. ومن ضمن تلك الكفاءة استيعاب مَنْ يمكن تعاوُنُهُ من جماعات الإسلام السياسي من أجل الصالح العام، وليس من العنيفين الذين يعتبرون أنفسهم جهاديين في مواجهة الدول والمجتمعات.

إنّ مربط الفرس، حسب الدكتور رضوان السيد، هو في العمل من جانب قوى التغيير على إصلاح إدارة الشأن العام، واستعادة الزمام في الدولة. وقد بدأت هذه العملية فعلا، وفقاً لصاحب "سياسيات الإسلام المعاصر"، ولذلك ينبغي أن يخرج الإصلاح الديني من حالة المواربة والتأويلات المتضاربة، إلى صراحة الإصلاح النهضوي والتنويري لصون الدين مع البدء في صَون إدارة الشأن العامّ وإصلاحها. وكلا هاتين العمليتين (الإصلاح السياسي فالإصلاح الديني) تحفل بصعوباتٍ كبرى، لكنها شديدة الخصوبة، وستكون لها نتائج شاسعةٌ في أزمنةٍ تغييريةٍ متسارعة، وهي تتطلب، كما قال الأستاذ المحاضر، شجاعة المعرفة، وشجاعة الإيمان، وشجاعة الإرادة.  

أما الدكتور محمد بنصالح، أستاذ "الإسلام السياسي"، ومدير كرسي غرناطة لدراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني، فقد رصد تحوّلات الإسلاميين بوتائر تختلف واختلاف البلدان التي ينشطون فيها والسياقات السياسية والثقافية والاجتماعية المحلية والإقليمية والدولية التي دفعت الكثير منهم إلى مراجعات مهمة لمواقفهم، خاصة تلك المتعلقة منها بالعلاقة مع الأنظمة وطبيعة الدولة وتبنّي الديمقراطية الإجرائية، كما ساءل مفاهيم "الإسلام السياسي" و"الدولة الإسلامية" و"الإسلام الجهادي" و"التطرف الإسلامي" ووضعها على محكّ النقد والمراجعة، معتبراً أن مفهوم "الإسلام السياسي" يحتاج إلى إعادة النظر في سياق التحوّلات المتسارعة والتيارات الطارئة التي ما عاد بالإمكان على ضوء وجودها التوافق على معنى دقيق للمفهوم، كما اعتبر أن مفهوم "الدولة الإسلامية" الذي طالما ردّدته الحركات الإسلامية في شعاراتها وسطّرته في برامجها للدلالة على الدولة المحلوم بها، أصبح وصمة ما عاد ممكنا للتيارات السياسية الإسلامية الاقتراب منها، أولا لكونها انخرطت في اللعبة السياسية في عدد من البلدان العربية وفقاً لقواعد الدولة الوطنية، فجنحت نحو الدولة الممكنة مديرة ظهرها للدولة المستحيلة التي طالما دغدغت مشاعرها ووعدت أنصارها بتأسيسها واسترجاع أمجاد ما كانت تتوهّمه سوابق لها؛ وثانياً لأن التنظيم "الإسلامي" الأكثر تطرفاً وعنفاً وهمجية في الزمن الحاضر بات يحمل التسمية نفسها، الأمر الذي يجعل الاقتراب منها مجدّداً اقتراباً من إيديولوجيا مدمّرة تعيث في الأرض فساداً وتقتيلا وإرهاباً.

أما بخصوص مفهوم "الإسلام الجهادي"، فقد اعتبره الأستاذ المحاضر مندرجاً في إطار المفاهيم التي تنحتها بعض الدوائر الإعلامية والسياسية في سياق تفاعلها مع طفرات التيارات المتطرفة، وغالباً في إطار توظيفها بما يكفل خدمة توجهات هذه الدوائر ومصالحها، مؤكداً انتفاء العلاقة بين الحركات المسماة "جهادية" وبين حقيقة الجهاد في الإسلام، ومشيراً إلى أن الجهاد وفقاً لما ينص عليه القرآن المجيد لا يتجاوز حق الجماعة السياسية في الدفاع عن أرضها وكرامتها ضد الاعتداءات الخارجية، وأن كل ما ظهر بعد ذلك من مفاهيم فقهية مثل "جهاد الطلب" أمر لا تقرّه النصوص الدينية الصحيحة، وإن أُلبِس جبّة شرعية، وإنما أملته الظروف الجيوسياسية في سياق الصراع على المواقع والنفوذ بين الإمبراطوريات الإسلامية وخصومها وأعدائها.

 وأضاف الباحث في تاريخ الفكر السياسي أن "جهاد الطلب" على الرغم من كل ذلك كان مؤطراً بشكل يحول دون تحوّله إلى فوضى، وإنما إلى سلاح في يد السلطة تواجه به مناوئيها في زمن لم يكن من قانون يؤطر العلاقات الدولية سوى قانون الغلبة للأقوى والأقدر على بسط نفوذه وهيمنته بقوة السلاح وواقع السيطرة على الأرض.

أما بخصوص مفهوم "الإسلام المتطرف"، فقد اعتبره مدير "كرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني" توصيفاً مغرضاً يقصد به النيل من الإسلام ووصمه بالتطرف وعدم التسامح، وإن كان ظاهر الاتهام موجها إلى التيارات المتطرفة التي تزعم تبنّيها المرجعية الإسلامية، مشيراً إلى أطروحات غربية لا تتورّع عن اتهام الدين الإسلامي بالحث على التطرف مثل أطروحة "صدام الحضارات" التي أثارت سجالا محتدما في النقاشات الفكرية والسياسية بين عالمي الإسلام والغرب، ولافتاً إلى أنه من الافتئات اتهام دين بذريعة أن بعض المنتسبين إليه ارتكبوا جرائم باسمه، وإلا لجاز اتهام المسيحية بالفظاعات الصليبية واتهام اليهودية بالجرائم الصهيونية، والحال أن الأديان حجة على أتباعها وليس العكس.

أما بالنسبة إلى الإسلام، يقول الأستاذ بنصالح، فإن الصراع عليه وعلى تأويله صراع محتدم منذ قرون بين الفرق والمذاهب والطوائف الإسلامية، بيد أن هذا الصراع اتخذ أبعاداً أخرى بعد صدمة الحداثة ومحاولات تجاوزها من خلال رسم معالم مشروع نهضوي للمجتمع العربي الإسلامي المعاصر، إذ لم يعد الأمر صراعا حول بعض التفسيرات الجزئية للدين، وإنما حول موقعه في الدولة والمجتمع، فنشأ صراع جديد بيم مشروع "العلمنة" ومشروع "الأسلمة"، حيث احتدم السجال في القرن العشرين بين مشروعين متناقضين، حمّل أحدهما الارتباط بالدين مسؤولية التخلف والنكوص، بينما اعتبر الآخر الابتعاد عن الدين سبباً للتخلف ودعا إلى "العودة" إليه كشرط لا محيد عنه من أجل تجاوز أزمات التأخر الحضاري وتحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بما يستتبع ذلك من إعادة التفسير والتأويل والتنظير، والتي كان من ضمن تجلياتها شعار "الإسلام هو الحل"، وما تفرّع عنه من دعاوى رفعتها الحركة الأم لجماعات "الإسلام السياسي" المعاصر، مثل "شمولية الإسلام" واستعادة "الحكم الإسلامي" وإقامة "دولة الشريعة" وتلازم "الدين والدولة والمصحف والسيف"، فصارت منهاجاً لكل التيارات الإسلامية، مع الاختلاف بين تيار وآخر على مستوى وسائل التطبيق وآلياته، إذ بقدر ما عرفت أفكار حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، من امتدادات وتأثير في مصر وخارجها، عرفت الجماعة انشقاقات تنظيمية بدأتها منذ مستهل الأربعينيات جماعة "شباب محمد" التي جنحت نحو التطرف وجاهرت بذلك، ثم انشقاقات على مستوى الرؤية والتصور والمنهج نتج عنها ظهور ما يسمى بالتيار القطبي الذي اتخذ من فكر سيد قطب -بعد تجربة السجن- إيديولوجية تكفيرية تدميرية تفصل بشكل حدّي بين ما يتصوره "مجتمعاً إسلامياً" وما يعتبره "مجتمعاً جاهلياً"، وبين "حاكمية الله" و"حاكمية الناس" وتجعل المهادنة والمسالمة بين أعضاء الجماعة السياسية المختلفين في هذه المسألة مستحيلة. ولئن كانت الجماعة قد حاولت رفع الحرج الذي وضعها فيه سيد قطب من خلال إصدار مرشدها حسن الهضيبي لكتابه "دعاة لا قضاة" في الرد غير المباشر على الأفكار التكفيرية الواردة في "معالم في الطريق"، فإن التوجه القطبي سرى في دماء جماعات أخرى ظهرت لاحقا، وحاولت تطبيقه بالحديد والنار، مثل "لجماعة الإسلامية" و"تنظيم الجهاد" في مصر، وصولا إلى التيارات المتطرفة الإرهابية الحالية المسماة جهادية.

ورأى الباحث في تاريخ الفكر السياسي أن كل هذه الأفكار المتطرفة ليست انحرافاً عن صحيح الدين فقط، وإنما عن التقليد السني أيضاً، ذلك أن هذا التقليد في خطه العام لا يقرّ التكفير أو ممارسة العنف ضد المخالفين، كما أنه، على عكس المعتقد الشيعي، لا يخوّل الدين أو المشتغلين في دائرته مهام سياسية. ومردّ ذلك، وفقاً للأستاذ المحاضر، إلى أن القرآن الكريم كتاب هداية لا كتاب سياسة، ولذلك لم ينص على نظام سياسي معين، وإنما أمر بالشورى، وهي شورى ملزِمة وليست معلِمة فقط كما ذهب إلى ذلك بعض الإسلاميين. كما أن النبي عليه السلام أوصى أبا بكر بخلافته في الصلاة حرصا على الدين، ولم يوص من يخلفه في إدارة شؤون الناس، في إشارة دالة إلى أن ذلك مكفول للجماعة السياسية، فهي التي تقرّر من يحكمها وشكل نظام الحكم فيها، شريطة أن يكون ذلك منضبطا بآلية الشورى (وأمرهم شورى بينهم) وبمقاصد الدين، وفي مقدمتها العدل (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) والحرية (لا إكراه في الدين)، إذ الدين الذي لا يجبر الناس على اعتناقه، لا يمكن أن يفرض عليهم نظاما سياسيا معينا أو حاكماً يحكم بالحق الإلهي. ولذلك استطاعت الأمة الإسلامية على امتداد تاريخها تجنّب منزلقات الدولة التيوقراطية التي أفرزت حروباً دينية أزهقت أرواح مئات الملايين في أوروبا وغيرها.

ولذلك، اعتبر الدكتور بنصالح أن الإسلام الصحيح المتحرّر من محاولات التوظيف والاستغلال، قادر على الاضطلاع بدور مهمّ في هذه المرحلة الانتقالية التي يشهدها العالم العربي على طريق تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية التي طالبت بها جموع المحتجين المطالبين بالإصلاح في الساحات العربية خلال الموجة الأولى من ما سمي بالربيع العربي.

أما الدكتور رافاييل أورتيغا، الأستاذ المتخصص في دراسة "الحركات الإسلامية في أوروبا"، فقد اعتبر أن فهم ظاهرة "الإسلام السياسي" في الفضاء الأوروبي لا يتأتى دون متابعة دور الإخوان المسلمين المصريين والسوريين انطلاقا من الستينيات في نشر أفكار حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين، إذ ذهب إلى أن دراسة الحركات الإسلامية في إسبانيا على سبيل المثال، يمر بالضرورة عبر التركيز على نشاط القادة الأوائل لجماعة الإخوان المسلمين السوريين في إسبانيا، وفي مقدمتهم الداعية نزار أحمد الصباغ.

وقد ميّز أستاذ الدراسات السامية في جامعة غرناطة بين ثلاث مراحل في دراسة تطور الحضور الحركي الإسلامي في إسبانيا، حيث تميزت المرحلة الأولى بتطلع الإسلاميين السوريين إلى العودة إلى سوريا للمشاركة في الحياة السياسية، فيما عرفت المرحلة الثانية، بداية من عقد الثمانينيات، تغيراً في الأولويات حين تمّ التخلي عن فكرة العودة، وبدأ التفكير في إشكالية الاستقرار في إسبانيا، وكيفية إدارة شؤون المسلمين والعلاقة مع الدولة الإسبانية.

أما المرحلة الثالثة، والتي أعقبت مرحلة الحرب الباردة، فلم يعد تواجد الإسلاميين خلالها في إسبانيا مقتصرا على جماعة الإخوان المسلمين، إذ حملت موجات الهجرة معها تيارات أخرى، جعلت فضاء تمثيل الإسلام والحركات الإسلامية في إسبانيا مشتركا بين جماعات إسلامية أخرى كحزب التحرير وجماعة التبليغ والدعوة وجماعة العدل والإحسان والتيار السلفي... والتي تضع جميعها، وفقاً لما يراه الدكتور أورتيغا، في مقدمة أولوياتها الحظوة بمكانة الجهة الممثلة للأقلية المسلمة في إسبانيا ونقطة التواصل الرئيسة مع الدولة الإسبانية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدورة الأكاديمية التي استفاد منها أساتذة وطلبة وباحثون من كل من إسبانيا، المغرب، الأرجنتين، السلفادور، الجزائر، بولونيا، كوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة، تندرج ضمن سلسلة من الندوات والدورات العلمية التي ينظمها بانتظام كرسي غرناطة خلال السنة الجامعية الحالية، بهدف التعريف بالقيم الإسلامية السامية وترسيخ معايير الموضوعية في دراسة كل ما يتعلق بالإسلام والحضارة الإسلامية، في إطار برنامج علمي مكثف سيتوَّج خلال شهر أكتوبر القادم بافتتاح ماستر ”الإسلام في الزمن الحاضر: العيش المشترك وتدبير التنوع“، في جامعة غرناطة، وفي إطار البرامج والمشروعات العلمية لكرسي دراسات الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق