رأس المال الاجتماعي: دلالاته وحدوده نحو بناء جسور الثقة بدلًا من المتاريس
29 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

* باحث ومفكر سوري
جاد الكريم الجباعي*

رأس المال الاجتماعي مفهوم حديث في العلوم الاجتماعية، يحيل على منظومة حيَّة من المبادئ العملية والقيم الأخلاقية، التي تشكِّل صورة الحياة الاجتماعية لأي مجتمع، وتنسج تاريخه الداخلي وتفضي، في شروط معينة، تتصل بالتمدن والثقة والشعور بسمو الرابطة الإنسانية، وسمو الرابطة الاجتماعية، وسمو القانون، إلى اجتراح حلول سلمية للتعارضات الاجتماعية وحلول تشاركية للمشكلات العارضة، في جميع المجالات، لتحسين شروط الحياة الإنسانية باطِّراد.

تقوم هذه المقاربة على جملة من المقدمات، لا تزيد على كونها فرضيات تداولية للنقاش، لعل مناقشتها تفضي إلى بلورة مفهوم "رأس المال الاجتماعي" وتعيين دلالالته وحدوده، والكشف عن مضامينه وعلاقاته المتبادلة بأشكال رأس المال الأخرى. الطابع الافتراضي لهذه المقدمات ناجم عن اعتقادنا بأنه "مفهوم موَّار" موران العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي تنسجه وتفاعلاتها، فلا يتسم إلا بثبات نسبي، إذ يتلوّن بلون البيئة المعنية بشروطها التاريخية المعطاة، وعمليات نموها وتطورها.

وإلى ذلك؛ إن مفهوم رأس المال الاجتماعي ذو طابع مزدوج: ذاتي وموضوعي؛ تنبع ذاتيته من ذاتية الأفراد والجماعات والمجتمعات، على اعتبار الأفراد والجماعات والمجتمعات ذوات فاعلة بذاتها ولذاتها، ومنفعلة بالطبع، بل لعل الانفعالية تؤسس الفاعلية، كما تنبع من خلفية مضامينه، التي يغلب عليها الطابع القيمي، كالصدق والأمانة والاستقامة والمحبة والغيرية، علاوة على المساواة والحرية والاستقلال الذاتي، والتمكن الكياني، وتوخي العدالة، وغيرها من الفضائل والقيم الإنسانية العليا التي تؤسس القيم الاجتماعية؛ كالاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل والثقة والتعاون والتشارك الحر والدافعية إلى العمل الجماعي، التطوعي، وابتغاء الخير العام والقدرة على التواصل الإيجابي ..، وتعيّن طبيعة الشبكات وتؤثر في بنية المؤسسات وآليات عملها، فتفضي إلى الترابط الاجتماعي والتواصل الإنساني أو التذاوت. المهم هنا: أن القيم الإنسانية العليا هي معايير القيم الاجتماعية، تفوق في أهميتها قيم المنفعة والفاعلية والجدوى والإنجاز، على أهميتها.

وتتعيَّن موضوعيته في الظواهر الاجتماعية، كالشبكات وتنظيمات المجتمع المدني والمؤسسات، وإمكان استخدامه أداة تحليل لتشخيص المشكلات الاجتماعية، كالتعصب والتمييز الجنسي والعرقي والإثني والقومي والديني والتفاصل والعنف وتدني مكانة المرأة والفساد والانحطاط الأخلاقي ...، والكشف عن حركة التعارضات الملازمة للوجود الاجتماعي، واتجاهات هذه الحركة من خلال علاقاته الجدلية، التبادلية والتفاعلية، بكل من رأس المال المعرفي، ورأس المال الثقافي، ورأس المال البشري، ورأس المال المادي ..، التي هي، في نظرنا، أدوات تحليل متضافرة تعمل وفقًا لمنهجيات مركَّبة ومنفتحة على سائر العلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعية أيضًا، ويتوقف رهان الموضوعية في مقاربة التعقيد الاجتماعي على تضافرها، مثلما هي حقول معرفة وميادين البحث.

من هذه الفرضيات؛ أن العلاقات الاجتماعية المتنوعة هي المصدر الأولي لرأس المال الاجتماعي، باعتبار الجماعات والمجتمعات بُنى علائقية ومنظومات رمزية. ولكن رأس المال الاجتماعي ينتج من علاقة الذات بالآخر المختلف والأخرى المختلفة، لا من علاقتها بموضوع فكرها وعملها. ولعل الخصائص الآتية التي تميز العلاقات الاجتماعية، هي التي تميز رأس المال الاجتماعي وتحدِّده تحديدًا أوليًّا ومبدئيًّا:

  • أولًا: أنها ذات طابع تاريخي مزدوج "فردي ونوعي"؛ الأول: يسوِّغ البحث في رأس المال الفردي، الذي يكسبه الفرد، فيزيد من مردود نشاطه وعمله الخاص، على الصعيدين المادي والمعنوي. والثاني: يسوغ البحث في رأس مال اجتماعي عام، سواء لمجتمع صغير أو للمجتمع الكلي، الذي ليس جمعاً حسابياً لمجتمعات صغيرة وأفراد.
  • ثانيًا: أنها لا تنفصل، لا عن بواعثها ودوافعها، الواعية وغير الواعية، ولا عن نماذج التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعملالتي تبطنها، ولا عن غاياتها، ولا عن بيئتها، بالمعنى الواسع للبيئة أو منظومة "المنظومات الإيكولوجية". لعل ميزة رأس المال الاجتماعي، هنا؛ أنه يُعنى بالحالات النفسية والعواطف الإنسانية، كالمحبة والاهتمام والعناية .. ونقائضها، مما يلون العلاقات الاجتماعية والأحكام الذاتية، فيأخذها في الحسبان على أنها حقائق بشرية.
  • ثالثًا: بأنها متنوعة ومتغيرة باطِّراد، ومتقلبة أو موَّارة أيضاً؛ تبعًا لمدى استقرار الحياة العائلية والاجتماعية وتوازنهما، ومرونة النظام السياسي، ومدى سيادة القانون واحترامه.
  • رابعًا: بأنها مصدر جميع القيم التي لا تظهر على حقيقتها، ولا تنمو وتتطور إلا من خلال التبادل والتعامل.
  • خامسًا: بأنها تحمل جينات السلطة، إذا جاز التعبير، بصفتها علاقات قوة، حسب تعبير "ميشيل فوكو"؛ إذ أن كل علاقة بين شخصين (الشخص أنثى وذكر) هي علاقة قوة، على اختلاف معاني القوة، بدءًا بقوة الشخصية، وقدرتها على التأثّر والتأثير إلى قوة المعرفة أو سلطة المعرفة، وقوة المال وقوة الجاه وغيرها من أشكال القوة، وصولًا إلى القوة العارية.
  • سادسًا: بأنها هي التي تنسج الانتظامات والتنظيمات الاجتماعية والمؤسسات كافة، وتؤثر في بناها ووظائفها وآليات عملها وتتأثر بها، وتنسج المجتمع، بغض النظر عن وعي الأفراد، لا سيما أن هذه الانتظامات والمنظمات والمؤسسات، على اختلافها، هي مجالات ممارسة الحياة النوعية للأفراد، مقابل حيواتهم الشخصية، وتعد سلامة هذه التنظيمات والمؤسسات وشفافيتها وقدرتها على أداء وظائفها وقابليتها للمراجعة والنقد والمساءلة والمحاسبة من أبرز نتائج رأس المال الاجتماعي، ومعيارًا من معايير فعاليته، ويمكن القول إن رأس المال الاجتماعي الفعّال هو الذي يتبلور في هذه الأطر، وهذا لا ينفي استقلالها واختلافها بحسب وظائفها وميادين عملها.

وليس خافيًا، أن المؤسسات تنتج الفاعلات والفاعلين والقائدات والقادة، في مختلف المجالات، على الصعيدين المحلي والوطني، ويعتدّ كل من هؤلاء برأس المال الاجتماعي، الذي اكتسبته أو اكتسبه، في تسلم المسؤوليات وتسنّم المواقع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.

في ضوء هذه الخصائص، ولا سيما الأخيرة منها، يمكن اعتبار الأسرة والمجتمع المدني والمؤسسات من مصادر رأس المال الاجتماعي، الذي يؤثر في نمو المجتمع المدني تأثيره في بنى الانتظامات والمنظمات والمؤسسات ووظائفها وآليات اشتغالها، ويتأثر بها، ويسهم في تشكل فضاء عام ودولة سياسية علمانية، تحمل أجنة الديمقراطية، بإلغاء الملكية الخاصة والدين إلغاءً سياسيًا، حسب كارل ماركس، لكي تنمو الملكية الخاصة والدين ويزدهرا في المجتمع المدني.

وإذ تُصنَّف العلاقات الاجتماعية صنفين: علاقات تقليدية أو بطركية شاقولية، وأخرى مدنية، أفقية وشبكية، نفترض أن الأولى: تتغذى على رأس المال الموروث أو الثروة الروحية، وتغذيه أو تغذيها، ولا تُنتج رأسمالًا متجددًا، إلا بقدر ما تخترقها علاقات أفقية جديدة، لكي لا نقول حديثة، ولا تُنتج، من ثم، سوى سلطة / سلطات شخصية، لا تقبل المراجعة والمساءلة وتتطير من النقد. أما الثانية: فهي التي تُنتج رأسمالًا متجددًا باطّراد، وتنحكم بسلطة القانون العام. العلاقات والبنى البطركية وقيمها يمكن أن تنتج سلطة مركزية (ذكورية بالطبع، ومستبدة بالطبع) ولكنها لا تتنتج دولة وطنية حديثة.

ولذلك تمكن قسمة رأس المال الاجتماعي قسمين: رأس مال موروث ومتحقق بالفعل، يربط أفراد الجماعة التقليدية، كالعائلة الممتدة والعشيرة والجماعة الإثنية– المذهبية، ويحافظ على تماسكها ويعزز تمايزها، ورأس مال متجدد، يؤدي إلى نموها وتطورها، وقد يؤدي إلى تفكيكها أيضاً. هذا الأخير هو رأس المال الممكن واللامتناهي؛ لأن أشكال العلاقات الاجتماعية ومضامينها لا متناهية، تتغير باطراد وتتجدد باطراد، بتجدد المعرفة والثقافة والعلوم والتقنيات وأساليب الإنتاج. الأول أقرب ما يكون إلى مفهوم الثروة، ويمكن اعتباره الثروة الروحية للمجتمع المعني. والثاني أقرب إلى مفهوم رأس المال، كما بسطه كارل ماركس، على أنه فائض القيمة أو فضل القيمة.

ولكنه، بخلاف رأس المال المادي، ينمو ويتراكم بنسبة إنفاقه أو تصريفه، كما تُصَّرف العملة. وهذا فارق جوهري؛ لأن رأس المال الاجتماعي يمكن أن يفضي إلى الحد من الاستغلال والظلم والقهر، وتقليص الفجوات الفاصلة بين الفئات الاجتماعية، بتجادله مع أشكال رأس المال الأخرى، وارتكازه على واقع الاحتياج المتبادل والاعتماد المتبادل، وحل التعارضات الاجتماعية سلميًا، وإسهامه في التنمية الإنسانية. ويمكن أن يسهم في تعميق التحولات الاجتماعية، في أفق التمدن، وترسيخ العلاقات الديمقراطية وفقًا لمبادئ المساواة والحرية والعدالة وقيمها الإنسانية.

كما أن كون العلاقات الاجتماعية مجنوسة أساسًا؛ لأن أول علاقة طبيعية تأسست هي علاقة المرأة بالرجل أو الرجل بالمرأة، هو ما جعل القيم الاجتماعية تنصب على هذه العلاقة تقييدًا وتحريمًا وتأثيمًا، في مختلف الجماعات والمجتمعات ومختلف الثقافات؛ لذلك تعد أنسنة هذه العلاقة وتضمينها قيمًا جمالية وأخلاقية تنأى بها عن أصلها الطبيعي (الحيواني) من أهم معايير التمدن والتقدم، والأساس المكين لرأس مال اجتماعي تشارك النساء في إنتاجه وتصريفه، على قدم المساواة، ويفضي إلى حياة إنسانية لائقة، كانت ولا تزال في متناول الإنسان وأمامه، لولا الأنانية والجشع والغطرسة والغرور؛ ذلك لأن رأس المال الاجتماعي الفعَّال تنتجه النساء والرجال معًا، على ما بين النساء والرجال من اختلاف وتفاوت. ففي المجتمعات التي لا تعترف بإنسانية المرأة؛ أي بحريتها واستقلالها ومكانتها الاجتماعية، يكون رأس المال الاجتماعي مبتورًا (رأس مال ذكوري)، وهذا مما يتجاهله الباحثون.

وإذ أشرنا إلى البواعث اللاواعية للعلاقات الاجتماعية، التي يمكن أن تتسرَّب إلى ساحة الوعي، في ظروف معينة، فتسمم الحياة الإنسانية، نشير بوجه خاص إلى الجنس الطبيعي أو الغريزي والنزعة العدوانية والقطيعية والنرجسية أو التمركز على الذات (egocentric)، التي تتجلى في الاعتداء الجنسي والاغتصاب (ومنه اغتصاب الزوجات)، والسَّادية، كالتعذيب والقتل والتمثيل بجثث القتلى، كما تتجلى في التعصب العرقي والإثني والقومي والعنصرية والنزعات الاستعمارية والإمبريالية، وفي الجماهيرية التي وسمت الأنظمة التوتاليتارية والتسلطية والحركات الشعبوية والأحزاب العقائدية، فإن من شأن الاندفاعات الغريزية، خاصة في أوقات النزاعات والحروب، أن تبدِّد رأس المال الاجتماعي، وتفكِّك الروابط الإنسانية والاجتماعية، وتفضي إلى انحطاط أخلاقي مريع، كما هي حالنا اليوم.

في ضوء ما تقدم، يمكن اقتراح المعايير الآتية لقياس رأس المال الاجتماعي كيفيًا وكميًا:

  • الاعتراف المتبادل بالتساوي في الكرامة الإنسانية والوطنية والجدارة والاستحقاق والمكانة الاجتماعية، والاحترام المتبادل، من خلال الصداقة والجيرة والحب والزواج والتساوي في حرية التفكير والتعبير وحرية الرأي والضمير..، وكيفيًا من خلال الاعتراف المتبادل بتساوي المرجعيات الثقافية والعقائد الدينية والاتجاهات الفكرية والسياسية والتسامح، والاعتراف بأولوية حرية الآخر المختلف وحقوقه (حرية الآخر وحقوقه أولًا)، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف والمعارضة.
  • الثقة: الثقة المتبادلة بين الأفراد (الشراكة في العمل، كالجمعيات السكنية والشركات المساهمة، المغفلة أو المحدودة، والقروض الدوارة) والثقة بالتنظيمات الاجتماعية (مدى الإقبال على الانضواء في منظمات المجتمع المدني)، والثقة بالمؤسسات.
  • التعاون في المجالات المختلفة، في الأرياف والحواضر والمدن.
  • العمل التطوعي في المجالات المختلفة، وخاصة في أوقات الأزمات.
  • التشارك الحر في الحياة الاجتماعية، ولا سيما مشاركة المرأة وطبيعة هذه المشاركة؛ هل هي من موقع التبعية للرجل والامتثال للعادات والتقاليد و"الواجبات الاجتماعية"، أم من موقع الحرية والاستقلال والتمكن الكياني؟.
  • مكانة المرأة، ومدى تمكنها من التمتع بحريتها وحقوقها ومشاركتها في الشؤون العامة.
  • الشعور بسمو الرابطة الانسانية والرابطة الاجتماعية (الوطنية)، وسمو القانون العام (كحسن الوفادة وأشكال التعبير عنها في الحياة اليومية، ومدى العناية بالأطفال والنساء الحوامل وذوي وذوات الحاجات الخاصة، ومدى دعم جمعيات النفع العام، والإقبال عليها، ومدى المشاركة في الانتخابات المحلية والتشريعية وطبيعة هذه المشاركة؛ هل هي محكومة بالروابط الأولية أم بالمصلحة العامة؟ ومدى مشاركة النساء فيها).
  • القدرة على نقد المؤسسات القائمة ومراجعتها ومساءلتها ومحاسبتها والعمل على إصلاحها، أو عدم الحؤول دون ذلك.
  • الإمكانية الجذرية للحوار والمناقشة العامة والتقيد بمبادئها المعرفية والتحلي بأخلاقياتها، وحرية الإعلام، والقدرة على اجتراح حلول مثلى للمشكلات الاجتماعية، المحلية منها والوطنية، (الحد الأمثل هو الحد الأوسط بين الحدين الأقصى والأدنى). نولي هذا المؤشر أولوية وأهمية خاصة، ولا سيما في الأوضاع السورية الراهنة والأوضاع الشبيهة بها.

تدل هذه المعايير، وما يتصل بها، على غنى المفهوم وأهميته، في تعرُّف واقع الحياة المعيشة، وحالة الإنسان، وقوة الروابط الاجتماعية، التي تحدد علاقة المجتمع المدني بالدولة الوطنية وتتحدد بها، ونأمل أن يكون رأس المال الاجتماعي موضع اهتمام الأساتذة والباحثين في العلوم الاجتماعية ومراكز البحوث.

أخيرًا، يتبين من هذا العرض أننا نضفي على رأس المال الاجتماعي قيمة إيجابية نسبية، سواء تجلى في الروابط الأولية والبنى التقليدية، أم في الروابط المدنية وروابط المواطنة المتساوية والمؤسسات الحديثة، فلا نسوِّغ الحديث عن "رأس مال اجتماعي سلبي" ونفترض أن علاقةً قويةً تربطه بالمؤسسات كافة، وقواعد بناء السلطة، من خلال علاقته الجدلية بأشكال رأس المال الأخرى، وهما أمران يحتاجان إلى مزيد من النقاش.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق