رؤية في آية من آيات القتال لـ"عبد المتعال الصعيدي"
23 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

عبد الله أحمد بهجت*

تظلُّ قضيَّة الجهاد تطلُّ برأسها من حين إلى آخر على الفكر الإسلامي الحديث مستلهمة موروثها الفكري من التراث الإسلامي، ومواقفها من الآخر -سواء كان كتابياً ـ يهودياً/مسيحياً- أو غير كتابي- المستدعاة من أحداث تاريخيَّة واجتماعيَّة لها سياقات مختلفة، لتتنزل على أرض الواقع محدثة انقسامات وشقاقات ليس بين المسلمين وغير المسلمين، بل بين المسلمين أنفسهم.  

وتتمظهر هذه الإشكاليَّة بداية في تحديد المصطلحات: فما هو الجهاد؟ وهل هناك فرق بين الجهاد والقتال (المدافعة)؟ وما علاقة الجزية بالجهاد؟ وهل هي مطلب ديني؟ أم لها بُعد ديني/دنيوي اجتماعي تاريخي؟ وما المقصود من عدم تمني لقاء العدو الوارد في الحديث المتفق عليه: "لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ".   

من بين هذا وغيره يطرح الشيخ عبد المتعال الصعيدي في بحثه "رأي في آية من آيات القتال" تفسيره وتصوُّره في آية القتال الوحيدة في القرآن الواردة في قتال أهل الكتاب "اليهود/ المسيحيين". وهل إطلاق الآية على عواهنها كما ذهب إلى ذلك بعض المفسري؟

يقول الشيخ عبد المتعال الصعيدي:    

قد وردت آيات قتال غير أهل الكتاب، وفيها ما يدلُّ صراحة على أنَّ قتالنا لهم لسبق قتالهم لنا، كما قال تعالى في الآية 190 من سورة البقرة: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ". فهي صريحة في أنَّ الأمر بالقتال في سبيل الله للذين يقاتلوننا، كما أنَّ فيها نهياً صريحاً عن الاعتداء عليهم بقتالهم من غير سبق قتال منهم، ومثلها في هذا كلّ الآيات التي وردت في قتال غير أهل الكتاب، وهي كثيرة في القرآن الكريم.

وقد وردت في القرآن آية واحدة قي قتال أهل الكتاب، وهي قولهُ تعالى في الآية 29 من سورة التوبة: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"، فلم يُعنَ فيها بالنص على أنَّ قتالنا لهم لسبق قتالهم لنا، حتى يحرّم علينا الاعتداء عليهم بالقتال قبل أن يقاتلونا، ويكون شأنهم في هذا مثل شأن غيرهم سواء بسواء، ولكن عني فيها بأمور أخرى تقتضي قتالهم، وهي عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وعدم تحريمهم لما حرَّم الله ورسوله، وعدم تدينهم بدين الحق، والحقيقة أنَّ هذه الأمور على ما فهمها المفسرون لا تقتضي قتالهم، ويجب أن تُفهم على وجه آخر يجعلها تقتضي حقاً هذا القتال، وتجعل قتالنا لأهل الكتاب كقتالنا لغيرهم، قتالاً يرجع إلى اعتدائهم بالقتال علينا، فنقاتلهم كما يقاتلوننا، ولا يصحُّ أن يكون أهل الكتاب في هذا أقلَّ شأناً من غيرهم، وقد نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وكانت هذه الغزوة لدولة الروم دفعاً لاعتدائهم علينا، وهذه الأمور التي ذكرت في الآية لم تكن تتحقق في ذلك الوقت إلا في أهل هذه الدولة، وسأبين أنَّ هذه الأمور يدخل فيها اعتداؤهم علينا بالقتال، بل سأبين أنَّ دولة الروم كانت متحللة من مسيحيتها في ذلك الوقت، وأنَّ جاهليتها الوثنية كانت تغلب عليها أكثر من المسيحيَّة، فتجعلها تعتدي على المسلمين بالباطل، بعد أن راعوا لها نصيبها الضئيل من المسيحيَّة، فآثروها بالعطف في حربها مع الدولة الفارسيَّة المجوسيَّة، وتمنوا لها النصر عليها، فكان جزاؤهم منها الاعتداء عليهم بالقتال؛ لأنَّها كانت في سياستها لا تراعي ديناً ولا شرفاً ولا مروءة، وإنَّما كانت سياستها بعد المسيحيَّة امتداداً لسياستها الوثنيَّة، تقوم على إيثار الجنسيَّة الروميَّة، وتحكم بالاستبداد والطغيان كلَّ من يخالف هذه الجنسيَّة، ولو كان ممَّن يوافقها في المسيحيَّة، وكان شأنها في هذا شأن أمم أوروبا الآن، ليس لها من المسيحيَّة إلا اسمها؛ لأنَّها تحذو حذو هذه الدولة في إيثار السياسة الآثمة على الدين، ولا تتظاهر بمسيحيتها إلا في الشرق؛ لتفرّق بها بين أبنائه، وهم أرعى منها لحق الدين، وقد عاشوا جنباً إلى جنب لا يفّرق بينهم دين، ولا يؤثر فيهم مثل تلك السياسة الآثمة، ولا شك أنَّ هذه السياسة التي تقوم على التعصب للجنسيَّة والقوميَّة ليست في شيء من المسيحيَّة الصحيحة؛ لأنَّها دين إنساني عام كالإسلام، ليس فيها تفريق بين الشعوب، وليس فيها تعصب لشعب على شعب.

ولا بدَّ أن أذكر أولاً تفسير من سبقني لهذه الآية، السيد محمد رشيد رضا، ثمَّ أذكر تفسيره لها بعد تفسيرهم، ثم أذكر تفسيري لها؛ لأفصل فيه ما أجملته أولاً.  

فالتفسيرات المتداولة ترى أنَّ هذه الآية تدلُّ على عدم إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر، وعلى عدم تحريمهم ما حرَّم الله ورسوله، وعلى عدم تدينهم بدين الحق، بل ادعى بعضهم أنَّها نص في ذلك، وغرضهم من هذا أنَّ هذه الصفات ليست قيوداً في شرعيَّة قتالهم، بل هي بيان للواقع لا مفهوم لها، فلا يقال إنَّه إذا وجد من أهل الكتاب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويُحرّم ما حرَّم الله ورسوله إليهم على المختار من أنَّ المراد بالرسول عند كل منهم رسولهم، ويدين بدين الحق في اعتقادهم فإنَّه لا يدخل في هذا الحكم، وقد ذكر الفخر الرازي أنَّ هذه الصفات السلبيَّة قيود تُشترط في قتالهم، ولكنَّهم فاقدون لها، فإن وجد منهم قوم متَّصفون بها حُرّم علينا بدؤهم بالقتال.  

وقد جرت تلك التفسيرات في هذا على ما ذهبت إليه في شأن القتال في الإسلام، من أنَّنا مأمورون بقتال الناس من مشركين وأهل كتاب حتى يدخلوا في ديننا، ولا فرق بين المشركين وأهل الكتاب في هذا، إلا أنَّ أهل الكتاب يخيرون بين الإسلام ودفع الجزية، أمَّا المشركون فلا يقبل منهم إلا الإسلام، والمشركون عندهم يقاتلون على شركهم، وأهل الكتاب يقاتلون عندهم؛ لأنَّهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا يحرّمون ما حرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، على خلاف في هذا بينهم، فجمهورهم على أنَّ أهل الكتاب قد فقدوا جميعاً هذه الصفات، وأنَّها ذكرت في الآية لبيان الواقع فيهم لا لتقييد الأمر بقتالهم، وقليل منهم - ولعله الفخر الرازي وحده - يذهب إلى أنَّها قيود في الأمر بقتالهم، فإن وجد منهم قوم متَّصفون بها حُرّم علينا بدؤهم بالقتال، وهو في هذا يغفل عمَّا يوافق عليه الجمهور من أنَّ الأمر بالقتال لأجل إدخال الناس في الإسلام، لأنَّهم يريدون الناس جميعاً، ولا يستثنون منهم أحداً؛ لأنَّ كلَّ الشرائع قد نُسخت بالإسلام، فلا يصحُّ العمل بها بعده ولو كانت على أصلها من غير تحريف.

وقد خالفهم في هذا السيد محمد رشيد رضا تبعاً لأستاذه الشيخ محمد عبده، فالقتال في الإسلام عندهما لأجل الدفاع عن العقيدة الإسلاميَّة، لا لأجل إدخال الناس فيها، فلا نقاتل إلا من قاتلنا من المشركين وأهل الكتاب، وإذا قاتلونا لا نقاتلهم لأجل إدخالهم في ديننا، وإنَّما نقاتلهم للدفاع عن النفس وعن العقيدة، وهو قتال مشروع في كلّ الشرائع السماويَّة والوضعيَّة؛ لأنَّ الحق فيه من البداهة لا يخفى على أحد.

ولكنَّ السيد محمد رشيد رضا وافق تلك التفسيرات على ما ذهبت إليه في تلك الصفات السابقة، وعلى هذا يكون ظاهر الآية الأمر بقتال أهل الكتاب على تلك الصفات، ولو لم يبدؤونا بالقتال، وهو خلاف ما ذهب إليه هو وأستاذه الشيخ محمد عبده، وهو المذهب المقبول الآن بين أنصارهما من المؤيدين لحركة التجديد في الإسلام.

ولهذا اضطر بعد أن وافقهم في تفسير تلك الصفات السابقة أن يلجأ إلى تقدير قيود أخرى للأمر بقتالهم، حتى يكون قتالهم مثل قتال غيرهم من المشركين، لا لأجل إدخالهم في الإسلام أو فرض الجزية عليهم، بل لأجل الدفاع عن عقيدتنا إذا قاتلونا عليها، فإذا لم يقاتلونا لا نقاتلهم، وهذا عند تفسير قوله تعالى في الآية: "حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ". فقد قال في تفسيره: هذه غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهي بها إذا كان الغلب لنا، أي قاتلوا من ذكر عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم وعلى بلادكم، أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم، أو تهديد أمنكم وسلامتكم - كما فعل الروم، فكان سبباً لغزوة تبوك - حتى تأمنوا عدوانهم بإعطائكم الجزية في الحالين اللذين قيدت بهما، فالقيد الأول لهم، - وهو أن يكون صادرة عن يد أي قدرة وسعة، فلا يظلمون ويرهقون - والقيد الثاني لكم، وهو الصغار المراد به خضد شوكتهم والخضوع لسيادتكم وحكمكم... إلخ إلخ.

ولا شك أنَّ هذه القيود التي ذكرها السيد محمد رشيد رضا لتقييد الأمر بقتال أهل الكتاب ليست مذكورة في الآية نصاً ولا ظاهراً، وإنَّما غاية ما يعتمد عليه في تقديرها أن يقاس قتال أهل الكتاب على قتال غيرهم، أو يعتمد على السبب الذي وردت فيه وهو اعتداء دولة الروم على المسلمين بالقتال، والاعتماد على الأوَّل معرض للتوهين بأنَّ القياس ليس محل اتفاق، والاعتماد على الثاني معرض لتوهينه بأنَّه إنَّما يصح عند من يذهب إلى تقييد لفظ الآية بسبب النزول، مع أنَّ المختار: أنَّ المعوَّل عليه في ذلك هو عموم اللفظ لا خصوص السبب، على أنَّ التقييد بهذا لا يمنع ما يقيده ظاهر الآية من أنَّنا نقاتلهم أيضاً على فساد اعتقادهم، أي لأنَّهم لا يؤمنون بالله تعالى، لأنَّهم فقدوا التوحيد وهو الركن الأعظم للإيمان به، فاتخذوا من دون الله أحبارهم ورهبانهم أرباباً يشرّعون لهم العبادات والحلال والحرام، وذلك حقُّ الرب وحده، فقد أشركوهم معه في الربوبيَّة، ومنهم من أشرك في الألوهيَّة، كالذين قالوا عزيرٌ ابن الله، والذين قالوا المسيح ابن الله أو هو الله، وكذلك نقاتلهم؛ لأنَّهم لا يؤمنون باليوم الآخر، لأنَّه ليس في التوراة الموجودة بأيدي اليهود والنصارى بيان صريح للبعث والجزاء بعد الموت، وإنَّما فيها وفي مزامير داود إشارات غير صريحة، ولأنَّ النصارى يرون أنَّ حياة الآخرة روحيَّة محضة، فينكرون المعاد الجسماني، وكذلك نقاتلهم لأنَّهم لا يحرّمون ما حرَّم الله ورسوله ممَّا حُرّم عليهم في شرعنا، أو ممَّا حُرّم عليهم في شرعهم، لاستحلال اليهود أكل أموال الناس بالباطل، واستحلال النصارى ما حرّم عليهم في التوراة ممَّا لم ينسخه الإنجيل، وكذلك نقاتلهم لأنَّهم لا يدينون دين الحق، وهو الإسلام، أو دينهم الذي جاء به رسولهم قبل تحريفهم له، مع أنَّ الحق أنَّه لا يُدْخل في قتالهم إذا قاتلونا شيء من ذلك، لأنهَّ لا يجب علينا فيما يتعلق به إلا بيان فساده لهم، أمَّا قتالنا لهم فإنَّه لا يجب علينا إلا لمحض قتالهم لنا.

والذي أريده من ذلك أن يكون الأمر في قتال أهل الكتاب كالأمر في قتال المشركين حين قال الله تعالى مثلاً في الآية 13 من سورة التوبة: "أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ". فجاء بالآية صريحة في أنَّ قتالهم ليس لأجل شركهم، وإنَّما هو لأجل عدوانهم على المسلمين، لأنَّهم نكثوا إيمانهم معهم، ولأنَّهم همُّوا بإخراج الرسول، ولأنَّهم بدؤوهم بالقتال أوَّل مرَّة، فقاتلوهم من أجلها، ثم توالى القتال بعد هذا بين الفريقين، وهم الظالمون فيه، لأنَّهم هم البادئون به، فكذلك أريد أن يكون ما جاء في قتال أهل الكتاب، ليس فيه ما يوهم بأنَّ قتالهم لأجل فساد عقائدهم، كتلك الصفات السلبيَّة السابقة على فهم المفسرين لها، ولا أستثني منهم السيد محمد رشيد رضا.

والحق عندي أنَّ الآية الكريمة تعني بتلك الصفات السلبيَّة السابقة شيئاً آخر غير فساد العقيدة، لأنَّ المقام في الآية ليس لبيان فسادها، وإنَّما هو في ذلك القتال الآثم الذي اعتدت به دولة الروم على الإسلام، ومخالفتها بهذا للأديان السماويَّة التي جاءت لنشر السلام والأمن بين الناس، ولا سيما المسيحيَّة التي جعلت شعارها –المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام - وجاء في الإنجيل الموجود بين أهلها - من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر - فخالفتها دولة الروم في ذلك حين بدأت المسلمين بالعدوان، بل من يوم أن دانت بها، لأنَّها لم تمشِ على سياسة متسامحة حين دانت بها، وهي السياسة التي تحضُّ المسيحيَّة عليها، وتجعل منها شريعة زهد لا يهمها شيء من الأطماع التي تحمل على العدوان بين الناس، بل مضت في سياستها العدوانيَّة على عهد وثنيتها، وكأنَّها لم تعتنق المسيحيَّة التي تحضُّ على السلام، وتجعله أهمَّ شعار لها في الدنيا.

بل إنَّ هذه الدولة لم تكن حرباً على غير المسيحيين فقط، وإنَّما كانت حرباً على كثير من المسيحيين أيضاً، لأنَّها اتخذت في المسيحيَّة مذهباً خاصاً بها، وعاملت من لا يوافقها من المسيحيين بالعدوان كما تعامل غير المسيحيين، وقد جاء الإسلام وهي تضطهد مسيحيي الشرق في مصر والشام وغيرهما، فأنقذهم من اضطهادها لهم، وعاملهم بما يأمر الله تعالى به في كلّ ما أنزل من الأديان، وهو أخذ الناس بالتسامح في العقائد، وتحريم العدوان عليهم من أجل عقائدهم.

بل إنَّ هذه الدولة لم تغير شيئاً من تعصبها الجنسي على عهد وثنيتها حين دانت بالمسيحيَّة، وهي دين إنساني متسامح يمقت التعصبات الجنسيَّة، كما يمقتها كلُّ دين سماوي صحيح، فمضت تتعصب لجنسها الروماني، وتقسم رعيتها كما كانت تقسمهم على عهد وثنيتها إلى مواطنين ورعايا، وتجعل المواطنين هم من الرومانيين، وتجعل الرعايا غيرهم من كلّ الأجناس التي ابتليت بحكمها، ولو كانوا مسيحيين مثل أهلها.

بل إنَّ هذه الدولة لم تغير شيئاً من تشريعها الوضعي بعد أخذها بالمسيحيَّة، وإنَّما بقي لها قانونها الروماني بالاسم الذي عرف به على عهد وثنيتها، وما يزال معروفاً بهذا الاسم الوثني إلى يومنا هذا، وهو قانون وضعي لا سماوي، فلم يهمها أن تمضي في الأخذ به بعد أخذها بالمسيحيَّة، ولم يهمها أنَّه قانون وضعي لا يصح أن ينظر إليه كما كانت تنظر إليه في عهدها الوثني.

وبهذا كله يثبت أنَّ إيمان الدولة الرومانيَّة بالمسيحيَّة لم يكن إيماناً يجعلها دولة مسيحيَّة بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، وقد نشأ هذا من أنَّ قسطنطين أول من تنصَّر من ملوكها لم يكن تنصُّره لغرض ديني بريء، بل كان تنصُّره لغرض سياسي، كما صرَّح بهذا - ول ديورانت - في كتابه قصة الحضارة - فقد ذكر أنَّ قسطنطين حين اعتنق المسيحيَّة لم يكن مخلصاً في اعتناقه لها، وأنَّه لم يُقدم عليها عن عقيدة دينيَّة، وإنَّما كان ذلك العمل منه حركة بارعة أملتها عليه حكمته السياسيَّة، ولهذا كان بعد اعتناقه لا يخضع لما تتطلبه من شعائر وطقوس، وكان يعامل الأساقفة على أنَّهم أعوانه السياسيون، وكانوا يلقنون أتباعهم واجب الخضوع للسلطة المدنيَّة، كما كانوا يلقنونهم حق الملوك المقدَّس، وكان قسطنطين يعمل على أن يكون ملكاً مطلق السلطان، وهذا النوع من الحكم يستفيد من تأييد الدين له، وقد بدا له أنَّ النظام الكهنوتي وسلطان الكنيسة الدنيوي يقيمان نظاماً روحياً يناسب نظام الملوكيَّة، ولو كان مسيحياً حقاً لكان مسيحياً أولاً، وحاكماً سياسياً ثانياً، ولكن الأمر كان فيه بالعكس، فكانت المسيحيَّة فيه وسيلة لا غاية، حتى صارت المسيحيَّة عندهم إلى الكاثوليكيَّة التي جعلت منه نصف رومانيَّة، وكانت قبل هذا في تعاليم المسيح، وبطرس يهوديَّة، وفي تعاليم بولس نصف يونانيَّة.

فلم ترد الآية الكريمة بتلك الصفات السلبيَّة السابقة، إلا أنَّ أهل هذه الدولة لم يتخلصوا في مسيحيتهم من جاهليتهم الوثنيَّة، فلم يؤمنوا بالله واليوم الآخر إيماناً يجعلهم يخافون عقابه فيه، فلا يعتدون على من لم يعتدِ عليهم من المسلمين، لأنَّهم لو كانوا يخافون عقابه لما اعتدوا عليهم، وشأنهم في هذا شأن كلّ من يؤمن بالله واليوم الآخر ولا يعمل بمقتضى إيمانه بهما، كالعصاة في كلّ ملة من الملل السماويَّة، يقال فيه إنَّه لا يؤمن بالله واليوم الآخر حقّ إيمانه بهما، وكذلك لا تريد من وصفهم بأنَّهم لا يحرّمون ما حرَّم الله ورسوله إلا أنَّهم لا يحرّمون الاعتداء على من لم يعتدِ عليهم، ولهذا اقتصرت على وصفهم بأنَّهم لا يحرّمون ما حرَّم الله رسوله، ولو كانت تريد أحكاماً عامة لقالت أيضا: ولا يحلون ما أحلَّ الله ورسوله، وكذلك لا تريد من وصفهم بأنَّهم لا يدينون دين الحق إلا أنّهم لا يدينون بدين السلام الذي جاء به المسيح وغيره من الرسل، وبهذا تكون الآية صريحة في أنَّ الأمر بقتالهم إنَّما كان لاعتدائهم على المسلمين، ولا يكون فيها ما يوهم أنَّ الأمر بقتالهم لفساد عقائدهم، كما فهم هذا جمهور المفسرين.

ولا يفوتني بعد هذا أن أنبّه إلى خطأ جمهورهم في تفسير آخر الآية أيضاً، وهو قوله تعالى: "حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ". فقد قال النسفي في تفسيره تبعاً لهم: أي تؤخذ منهم على الصغار والذل، وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس، وأن يُتَـلْـتَل تلتلة، ويؤخذ بتلبيبه، ويقال له: أدِّ الجزية يا ذمّي، وإن كان يؤديها، ويزخّ في قفاه، أي يدفع فيه.

فالإسلام أكرم من أن يرضى بمثل هذه المعاملة للذميين، وقد قال تعالى في الآية 8 من سورة الممتحنة: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". وإنَّما يريد الله بالصغار في الآية السابقة صغار ما حصل لهم من الانهزام، فهو فيما يكون عقب انهزامهم من رضاهم في صغار المنهزم بدفع الجزية، وعقدهم الصلح في نظير دفعها، ولا شك أنَّهم في هذا الوقت لم يتخلصوا من كونهم أهل حرب، لأنَّهم لا يتخلصون من ذلك إلا بعد تمام عقد الجزية، وحينئذ ينقلبون أهل ذمَّة لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ولا يلحقهم صغار أصلاً، وإنَّما يكون البرُّ بهم والإقساط إليهم.

بحث منشور في دورية: رسالة الإسلام، عن دار التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة بالقاهرة، السنة التاسعة، العدد الثاني، 1975م.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق