ريجيس دوبريه: التشاؤم هدية مقدسة وعلاج ضد الأمزجة الباردة
13 مايو 2016 | 0 تعليق

ذوات

قد يكون ريجيس دوبريه، الكاتب والمثقف الفرنسي المولود عام 1941، أكثر من جسّد، ويجسّد، التحوّلات والتقلّبات السياسيّة والفكريّة التي عرفها المثقف الغربي منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن، حتى إنه تحوّل من ثوري متطرف إلى هجّاء مرّ لليسار، ومادح للتشاؤم، باعتباره هدية مقدسة، وعلاجاً ضد الأمزجة الباردة.

في مطلع شبابه، فتن ريجيس دوبريه بالماركسيّة، وبثورة فيدال كاسترو، وتشي غيفارا، فانطلق إلى كوبا ليكتب كتابه الأول: "الثورة في الثورة" (1967) محاولاً، كما يقول الكاتب حسونة المصباحي، رسم صورة حيّة للثورة الكوبية في بداياتها الصعبة. بعدها التحق بتشي غيفارا في بوليفيا، وهناك تمّ إلقاء القبض عليه، وذلك عام 1968، ليحكم عليه بالسجن المؤبّد بتهمة مساندة الثوّار، والمشاركة في حرب العصابات، هذا إلى جانب روايته "الثلج يشتعل"، الصادرة في نسختها العربية عن دار "الآداب" في بيروت.

إنني أستشعر، ثنائية قطبية: من جهة، هستيريا ورجفات من الغضب، ومن جهة ثانية الكآبة واللامبالاة. ويرتفع توتر المكتئب يومياً، مع عشرات الومضات

في عام 1960 ، حاز الشاب ابن العشرين عاماً على المرتبة الأولى في مسابقة الدخول إلى دار المعلمين العليا في باريس، أحد أهم المؤسسات الجامعية العلمية الفرنسية التي تخرّج منها كبار أدباء ومفكري فرنسا وليس أقلّهم شهرة جان بول سارتر وريمون آرون. ذلك الشاب اسمه ريجيس دوبريه. وكان ابن أحد كبار المحامين في العاصمة الفرنسية، وأمّه كانت إحدى المقاومات المعروفات ضد الاحتلال النازي، وفق صحيفة "البيان".

ولم تبق علاقات ريجيس دوبريه مع كاسترو، ومع كوبا كاسترو، كما هي، فقد عبّر الكاتب الفرنسي عن اعتقاده بأن نظام كاسترو في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، وما تلاها، لا علاقة له بكوبا الثورية في سنوات الستينيات من القرن ذاته. وربما كان التغيّر في مواقفه وراء العديد من الإشاعات التي سرت حول أنه كان وراء كشف السلطات البوليفية، للمكان الذي كان يوجد فيه غيفارا.

تلك الإشاعات سرت وتوسعت إلى درجة أنّ ابنة غيفارا، أليدا غيفارا، وجّهت في عام 1996، اتهاماً حمّلت فيه دوبريه مسؤولية "جزئية" في القبض على أبيها في بوليفيا عام 1967، أي قبل ثلاثين عاماً من توجيه مثل هذا الاتهام إليه.

وسط هذه التقلبات والعواصف عاش دوبريه الذي قال في حوار حديث أجراه معه فرانسوا غيوم لورين وسيبيستيان لوفول، ونقله للعربية سعيد بوخليط، ونشره في موقع "إي كتب" إن الحضارة كانت حتى القرن الثامن عشر تعيش على الماضي، والاقتداء بالمسيح، والقديسين والأبطال. بينما يعيش حاضرنا على وقع اللا- متوقع، أي بلا شيء، سواء في الخلف أو الأمام، فقط التجريب. وأضاف إنني أستشعر، ثنائية قطبية: من جهة، هستيريا ورجفات من الغضب، ومن جهة ثانية الكآبة واللامبالاة. ويرتفع توتر المكتئب يومياً، مع عشرات الومضات، لذلك سيكون أمام المحللين النفسانيين، عمل جبار للقيام به.

وعن أثر العولمة، وحول ما إذا كانت تشكل سلطة أمل، لفت إلى أنه لا يتبين الأمر بوضوح، إذ تنتقل البضائع جيداً، يحيا القماش والحاوية، وتتقارب بامتياز في الوقت نفسه الثقافات والديانات، فيتماس بعضها ببعض، مما يخلق الاهتياج، ويحدث الالتهاب في المفاصل. تفاعلات شديدة الحساسية، بالتالي انثناءات ورعب هوياتي، هنا وهناك. العولمة، التقنية- الاقتصادية، خلقت بلقنة سياسية- ثقافية، حيث بلغنا 193 دولة في الأمم المتحدة، مقابل خمسين عام 1946. وبقدر، تقدم الآلات، تتراجع الخيالات. يعود الماضي بقوة، مع استيهامات الأصل. وأضاف: تأملوا الشرق الأوسط: تنمحي الحدود الحديثة، والتخلي عن الدولة مقابل ما هو إثني. إن الأكثر معاصرة، يتصف أيضاً بكونه أكثر هشاشة. عندما تتفاقم أزمة اقتصادية أو سياسية، تبرز الرواسب القديمة جداً: القبلي، العشائري، الإثني ثم الديني. فالقديم، لايعد بائداً بل مكبوتاً، بهذا المعنى، ستكون ما بعد- الحداثة، مثقلة بالتكلس. لماذا؟ لأن التسوية، تخلق عجزاً في الانتماء، واضطراباً وجودياً، من هنا الحاجة إلى إعادة تأصيل للتقليدوي، وكذا إبراز للخصوصي. حتى لحظة الأمس، اعتقدنا أنّ تطور مستوى الحياة، سيخلصنا من الديني، حيث نغلق معبداً لما نفتتح مدرسة، لكنه تقدير في غير محله. المختصون في الإعلام، يعتبرون أكثر أصولية من الأدبيين، سواء في الهند أو العالم الإسلامي. تتوخى الليبرالية، أن تمحو البطاقة الزرقاء، بطائق الهوية، غير أنها في حقيقة الأمر طفت بها نحو السطح. إجمالاً، ثم العثور أخيراً، على إحلال السلام، بفضل التجارة الناعمة. لقد عثرت أخيراً المنظمة العالمية للتجارة، عن حل للغز، وأحاطته بإحصائيات، لكن ذلك يبقى تضليلاً مطلقاً. يهيمن البيروقراطي على قرارات بروكسيل، وهي إلى جانب الانحراف عن جادة الصواب، لاتمتلك بين أياديها، سوى نصف المخطط.

ما تبقى من اليسار، هو عشق الخصوصيات الجماعية، تعاطف هائم مع الضائعين والمحرومين، ثم شعور عارم بالذنب إذا انتميت إلى فئة أثرياء معروفين

وعن مواجهة "داعش"، وقضية المهاجرين، وهل يمكن لأوروبا حقاً، العثور ثانية، على هوية جديدة، يجيب المفكر الفرنسي:نعم، بالتأكيد، لاشيء أكثر تحريضاً، من الخصم الحقيقي والجيد، هكذا صنع ستالين الكثير للاتحاد الأوروبي، مقارنة مع جان موني. لكن، هل تتذكرون: لقد بنينا أوروبا الغربية، كي لا ندخل أبداً غمار الحرب، بل ولا نفكر بتاتاً في الأمر. ثم، سلمت قضية حمايتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتجسس بلا حياء على المحميين، ولا يعكسون أية ردة فعل. يظل هذا المشروع قابلاً للحياة، قدر ما تكون تحديداً أمام عدو قاتل. داعش، اسم يثير التقزز ويحدث الرعب، لكننا نشير هنا إلى تنظيم يقارب تعداده 20000رجل وسط الصحراء، بلا طائرات للتجسس، ولا مختبرات، ولا مصانع، وهو ليس بالرايخ الثالث أو الجيش الأحمر. التصدي للإرهاب، لا يصنع هوية.

وبسؤاله، هل خسر اليسار معركة الأفكار، قال دوبريهلقد أضاع اليسار أفكاره الخاصة به، والتي صارت على الهامش. صحيح، أنه جراء خوفه من إصابته بالعطل، صار يفضل مطلقاً السلطة بغير أفكار، والأفكار بغير سلطة، حيث يمارس الحربائية. بالطبع اللعبة، صعبة، لأنه جوهرياً، لم تعد الأفكار نفسها تصمد أمام الصور.

وتابع، تعود بي الذاكرة إلى حقبة ليست بالبعيدة، حينما كانت للحزب الاشتراكي مجلاته وجرائده الأسبوعية، ويدبج الأمين العام كل أسبوع مقالة رصينة في نظامها. اليوم، يضع فريق التواصل البرنامج، ولا يفكر هؤلاء السادة والسيدات، بتاتاً في ''الجريدة الكبرى''. أساسا، إن يساراً، يشتغل بالوتيرة نفسها، ولا يحسم بفعالية في أي شيء، اللهم ما تعلق بالقنب الهندي أو الزواج للجميع، لم يعد له من مبرر للوجود. لسنا متأكدين من الأسوأ، لكنه سيحدث عما قريب، على منوال الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها المركز، حيث التأرجح بين الديمقراطيين والجمهوريين، تناوب دون تناوب. فلان، يحل محل علان. ألا تقرون، أنه من السذاجة، التفكير في قياس درجة حرارة، هذا الأمر؟

وحول ما تبقى من اليسار، يقول: عشق الخصوصيات الجماعية، تعاطف هائم مع الضائعين والمحرومين، ثم شعور عارم بالذنب إذا انتميت إلى فئة أثرياء معروفين، ويتمتعون بصحة جيدة. تغمرني السعادة وأنا أقرأ نيتشه، وأظل لصيقاً به، إضافة إلى التعاليم المسيحية: حرية، مساواة، أخوة. هكذا تمتلك مواصفات، جمهورية يسارية مطابقة كلياً. غير هذه الإشارات، لا أهتم بما تبقى.

الدعابة أو المرح، أفضل من أدب التشاؤم كما يقول كريس ماركير، إنه هدية مقدسة، وعلاج ضد الأمزجة الباردة. هذا، يجعل تقريباً، من فصل الشتاء ربيعاً

وهل ينبغي على المثقفين الاستسلام أيضاً؟ يجيب المفكر الفرنسي:بالتأكيد، لا، سعياً، لفهم العالم الحالي. عالم، يقتضي منا النظر إليه من الأمام، دون أحكام قبلية، ولا زغاريد أو إسقاط للرغبات الشخصية. ودون أن يحول هذا المتأمل أو ذاك وشيعته إلى نواة المشهد. تكمن الإشكالية، في المهارة. تحت وابل من الصور، تتزحلق الكلمات. فإذا توخى عقل جيد، التأثير في معاصريه، أي المشروع الموجِّه للمثقف، فمن الأفضل بالنسبة إليه أن يُرى بدل أن يقرأ، بالتالي تخليه عن الأسلوب لصالح الكاميرا. يحتاج إلى موهبة، نادراً مايمتلكها أهل التحصيل. مجال الفيديو، غيّر المعطيات، لذلك كي يستمر هذا المثقف، عليه أن يصير نجما للسمعي-البصري، إنه وضع جد مهين.

ويُسأل دوبريه: بقدر تشاؤم أعمالكم، بقدر ما تبدون مبتهجين، هل يمارس عليكم التشاؤم تأثيراً، مثيراً للشهوة؟ فيرد إنها الخفّة إذن،لقد حل الوقت الجيد، وكما نقول بالفرنسية ''شباب''. الدعابة أو المرح، أفضل من أدب التشاؤم كما يقول كريس ماركيرMarker، إنه هدية مقدسة، وعلاج ضد الأمزجة الباردة. هذا، يجعل تقريباً، من فصل الشتاء ربيعاً.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق