زهيّة جويرو: الفتوى سلعة يحكمها قانون العرض والطلب
26 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات

أكدت الباحثة التونسية الدكتورة زهيّة جويرو أن الفتوى "صناعة"، وهي كذلك منذ أن تحول الإفتاء إلى مؤسّسة، وهي "سلعة يحكمها قانون العرض والطلب" منذ أن أصبح الإفتاء "خطة من الخطط الداخلة تحت الإمامة الكبرى"، كما يقول ابن خلدون، ومنذ أن أصبح المفتي "موظفًا" يحصل على مزايا مادية ورمزية مقابل توليه عمل الإفتاء.

 

وبينت جويرو، في حوار أجراه معها الكاتب والصحافي التونسي عيسى جابلي ونشر على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث، أنّ البعد "التجاري" والربحي في صناعة الفتوى أصبح اليوم أوسع حضورًا وأشدّ تأثيرًا في صناعة الفتوى وحتى المفتي، وفي تصنيع وعي ديني يثبّت سلطة المفتي على الأفراد وعلى الوعي العامّ.

ويظهر هذا البعد التجاري، وفق الأكاديمية التونسية، من خلال مظاهر عديدة منها: توظيف الأنظمة والأحزاب وجماعات السلطة والمال لمفتين مكلفين بمقابل بإضفاء الشرعية على اختياراتهم السياسية وعلى أعمالهم ونشاطاتهم، وإخراج أحكامهم في صورة أحكام شرعية باستصدارها من المفتي، وتزايد القنوات التلفزية الربحية المتخصصة في الإفتاء والبرامج الدينية، وتزايد مواقع الإفتاء على الإنترنت وتزايد روّادها، ومنها مواقع تدرّ على أصحابها أموالاً طائلةً.

واستعرضت الباحثة تاريخ الفتوى، لافتة إلى أن تاريخ المنظومة التشريعية الإسلامية يشير إلى أنّ الفتوى مرت في تاريخها بطورين رئيسيْن؛ الأول طور الإفتاء المرسل، وقد امتد منذ فترة النبوّة إلى حدود منتصف القرن الهجري الثاني تقريبًا، والمقصود بالإفتاء المرسل هو الممارسة غير المقنّنة ولا المنظمة للسؤال، والجواب بشأن مسائل فردية تعرض للمسلم في حياته اليومية لا يملك لها جوابًا شخصيًّا، ولا يجد لها جوابًا في ما هو متاح من المعارف المتداولة أو من المراجع التي يفترض أنّها معتمدة في تنظيم حياته وعلاقاته.

وتابعت بما أنّ هذه الأسئلة كانت في بداية عهد الرسالة على صلة بالدين الجديد، وخاصة بالعقيدة وبفرائضها وطقوسها، فإنّ أكثر المؤهلين لتقديم الأجوبة هو الرسول، صلّى الله عليه وسلم، ولكنه كان هو بدوره ينتظر الجواب على ما يطرح عليه من أسئلة ليكون وسيطًا مبلغًا للأجوبة التي تنزّل عليه، ولذلك جاء ذكر الفتوى في أكثر من موقع في القرآن الكريم، منها على سبيل الذكر "ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن..." (النساء4/ 127) ومنها الآية الأخيرة من سورة النساء: "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة..." (النساء 4/176) وفي هذه المواقع جاء ما يدل على أنّ الفتوى تقتضي من جهة سائلاً/ مستفتيًا ومجيبًا/ مفتيًا وعلى أنّ الله هو الذي يتولى الإجابة عن الأسئلة التي كانت تطرح على الرسول، فهل يعني ذلك أنّ الله زمن التنزيل قد احتكر لنفسه سلطة الإجابة على أسئلة المسلمين الجدد الذين مازالوا لم يستوعبوا بعد أحكام الدين الجديد؟

البعد التجاري والربحي في صناعة الفتوى أصبح اليوم أوسع حضورًا وأشدّ تأثيرًا في صناعة الفتوى وحتى المفتي، وفي تصنيع وعي ديني يثبّت سلطة المفتي على الأفراد وعلى الوعي العامّ. 

وتضيف الأكاديمية التونسية، أن انقطاع التنزيل بوفاة الرسول وختم الرسالة لم يكن مؤذنًا بانقطاع أسئلة المسلمين، بل إنّها كانت تتزايد بمرور الزمن وكان الصحابة يتصدون للجواب دون أن يخضع ذلك لأي قواعد مسبقة، كان الاجتهاد الحرّ في فهم القرآن وفي محاولة تقديم حلول للمشاكل الطارئة هو المعمول به في هذا الطور من تاريخ الإسلام المبكر، وكانت تلك الأجوبة عملية من جهة، وشفوية من جهة أخرى، ما يتعارض مع أي قول بوجود نظام ما يتحكم في تلك الممارسة القائمة على أسئلة يمكن أن يطرحها أي كان من المسلمين، وعلى أجوبة يقدمها عادة أكثر الصحابة قربًا من الرسول.

وتبين جويرو أنه وبفعل هذا الاجتهاد الحر الذي تولاه، فضلاً عن الصحابة في المركز، الولاة والقضاة في الأقاليم بدأت تتشكل النواة الأولى من الأحكام العملية المعتمَد فيها على ما كان معمولًا به من أعراف لا تتعارض مع مبادئ الإسلام العامة. وقد احتاج الأمر إلى تهيُّؤ عدد من المعطيات والشروط ليتحول الإفتاء إلى مؤسسة: ظهور المفسّر وتشكل علم التفسير وسائر علوم القرآن بما يحيل عليه ذلك من توسع قاعدة الأحكام المستمدّة من القرآن، ظهور الفقيه وتشكّل الفقه والمذاهب الفقهية بما يعنيه ذلك من توفير قاعدة واسعة من الأحكام ستتخذ مرجعًا في الفتوى، ظهور المحدّث وعلوم الحديث بما يعنيه ذلك من توفر مرجع ثان سيكون بالنسبة إلى المفتين واحدًا من أهم مراجع الأحكام، وكذلك ظهور علم أصول الفقه الذي سيضبط المفاهيم والحدود ويحدد القواعد ويعين طرائق الفتوى ويقرّ مفهوم التكليف الذي أسس مبدأ تكليف العالم بمعرفة الأحكام وتكليف العامي بالعمل بمقتضى الأحكام التي يضبطها العالم، وعلى هذا تمأسست ممارسة السؤال والجواب وعين من يجب أن يكون مفتيًا ومن هو المستفتي.

وقد أدى هذا التحديد على المدى البعيد، وفق قول جويرو، إلى تثبيت التسليم باستئثار فئة معينة بالعلم الشرعي، ومن ثمّ بحاجة سائر فئات الناس إلى تلك الفئة في كل ما يتعلق بالشرع حتى عندما تغيرت الأوضاع العامة وانتشر التعليم وصارت المعارف، بما فيها الدينية، متاحة للجميع. وهذا ما يفسر استمرار كثيرين في استفتاء شيوخ يكونون في كثير من الأحيان أقل منهم معرفة حتى في المجال الذي يستفتونهم فيه.

ونوهت الباحثة، إلى أن مأسسة الفتوى أدت إلى تنظيم الإفتاء وتقنينه وتحديد شروط المفتي وشروط الفتوى، ومنها تخصصها في المسائل التي لا حكم لها في مصادر الشرع المكرسة، وكان ذلك من العوامل التي مكنت هذه المؤسسة من دور مهم في تطوير التشريع الإسلامي وجعله مواكبًا للتحولات والمستجدات.

وتستدرك جويرو، لكن منذ القرن السادس وبفعل التضييق المتزايد للاجتهاد بدأت هذه المؤسسة بدورها تنغلق على الإفتاء المذهبي ثم لم تلبث أن صارت بفعل انغلاق باب الاجتهاد عاجزة عن تهيئة حلول جديدة للمستجدات، وأصبح دور هذه المؤسسة سلبيًّا ووجودها صوريًّا خاصة، وقد أصبحت تابعة للسلطان، واستمرت على هذه الحال من الجمود والتراجع إلى حدود الفترة الحديثة. وقد عرفت أغلب الدول الإسلامية في هذه الفترة تحولات هامة على جميع الصعد من بينها الصعيد السياسي والتنظيمي العام، وكان من أهم تجليات هذه التحولات ظهور الدولة الوطنية.

وعلى الرغم من أنّ أنظمة الحكم في صلب هذه الدولة مختلفة جدًّا بما يجعل من الصعب الحديث عن مسار واحد لمؤسسة الإفتاء في جميعها، فإنّ هذه الدولة، بحسب الباحثة، كانت في كثير من البلدان دولة مدنية تعتمد في تشريعاتها القانون الوضعي، ما يعني أنّ الدولة أصبحت مستأثرة بالتشريع بواسطة مؤسسات منتخبة. وهذا يعني أنّ المفتي لم تعد له وظيفة، نظريًّا على الأقل، ولكن هذه البلدان آثرت أن تحتفظ، إلى جانب نظامها التشريعي الوضعي-المدني بوجود قد يكون صوريًّا وطقوسيًّا، "لمفتي الديار" ـ أو "مفتي الجمهورية". وتزامن هذا مع انتشار التعليم وارتفاع نسبة المتعلمين وهو ما كان يهيئ، مبدئيًّا ونظريًّا، لمزيد تضييق مجال اشتغال المفتي ومزيد تهميشه.

وعدّدت الأكاديمية جملة العوامل التي أحدثت شرخًا في مسار التحولات التاريخية التي عرفتها مؤسسة الإفتاء وكان ينتظر أن تستمرّ عليها، من بينها ظهور الإسلام السياسي وتحول القطب الخليجي إلى قوة مالية بعد "الانفجار النفطي" وهو قطب إقليمي يحتكم إلى أنظمة تختلف عن نظام الدولة الوطنية المدنية التي تقوم عليها كتلة الدول التي كانت فاعلة في المنطقة ثقافيًّا وسياسيًّا منذ بداية عصر النهضة والممثلة في مصر والعراق وسوريا وكتلة دول المغرب العربي، وسيعمل القطب الخليجي، أما العامل الثالث فهو الثورة الاتصالية الحديثة التي سيتم توظيفها من أجل نشر النسخة المحافظة جدًّا والمسيسة للإسلام، فأنشئت القنوات الدينية والمدارس الدينية في كثير من البلدان والجمعيات والمؤسسات الفقهية وتكاثرت مواقع الإفتاء على النيت... وشيئًا فشيئًا عاد المفتي ومؤسسة الفتوى ليكتسبا سلطة أكبر مما كان لهما في أية مرحلة من مراحل الماضي، وشهدنا في العشريتين الأخيرتين "انفجارًا إفتائيًّا" وفوضى، وصار لكل شيخ قناة وموقع وأتباع وأصبح المفتي يفتي في كل المواضيع ما هو خاص وحميمي وما هو عام ومن شؤون الدول، وأصبح المفتي في الواقع عامل اضطراب يهدد استقرار الدولة المدنية ونظامها وخاصة عندما يتدخل في مسائل تدخل في صلب المؤسسة التشريعية المنتخبة ويبدي بشأنها رأيًا أو حكمًا يتعارض مع توجه المؤسسة التشريعية الرسمية.

وتتجلى خطورة الفتوى، وفق الباحثة، في أنّها يمكن أن تمثل من جهة منافسًا للدولة في مجال يعتبر من اختصاص مؤسساتها ومن صلاحياتها، كما يمكن أن تمثل عامل اضطراب وفوضى عندما تكون توجهات المفتي أو المؤسسة الإفتائية متعارضة مع توجهات الدولة ومؤسساتها والرأي العام لمواطنيها، فالإفتاء مثلاً بأنّ "إبطال الحاكم العمل بحكم شرعي" يدخله تحت طائلة الكفر حتى وإن كان ذلك "الإبطال" صادرًا عن مؤسسة منتخبة وشرعية، وهذا مما لا يخفى خطره على الدولة وعلى استقرارها.

 

لقراءة الحوار كاملاً انقر هنا

https://goo.gl/C0kjL9

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق