زواج المتعة.. قراءة جديدة في الفكر السني
18 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

د. هالة موسى *

لعب العداء المذهبي بين السنة والشيعة ويلعب الدور الأكبر في تعميق التقليد والتغاضي عن الحقيقة عند علماء الطائفتين؛ فكل منهما تقابل غلو الأخرى بمثله، وكأن الاعتراف بالحق الموجود عند المخالف ينسف مذهب المعترف من أساسه!

وهذا العداء جعل علماء الطائفتين يبالغون في رفض أو قبول زواج المتعة، وهذه القضية الشائكة يفصل القول فيها الباحث المغربي محمد بن الأزرق الأنجري في كتابه "زواج المتعة، قراءة جديدة في الفكر السني" الذي صدر مؤخرا في "دار رؤية للنشر والتوزيع" بالقاهرة.

وقد أثار الكتاب عاصفة من الانتقاد في الأوساط السنية وخاصة في المغرب العربي؛ فقد قدم محمد بن الأزرق الأنجري رؤية جريئة ومغايرة للسائد والمطروح في الفكر السني، وحاول أن يفكك الخطاب الفقهي من الداخل، علما أنه متخصص في الحديث الشريف.

قدم محمد بن الأزرق الأنجري في كتابه رؤية جريئة ومغايرة للسائد والمطروح في الفكر السني، وحاول أن يفكك الخطاب الفقهي من الداخل

ويرى الكاتب في مقدمة الكتاب، أن العداء المذهبي بين السنة والشيعة لعب ويلعب دورا في المغالاة الفقهية؛ فكل منهما تقابل غلو الأخرى بمثله، وكأن الاعتراف بالحق الموجود عند المخالف ينسف مذهب المعترف من أساسه، ويرى الباحث أن هذا مرض يرجو أن تتعافى منه الأمة، فإنه من عوامل تخلفها وحروبها الداخلية والخارجية.

ويُعد موضوع متعة النساء من القضايا التي يتجسد فيها غلو الطائفتين، فإذا كان الشيعة يجيزون المتعة ويعدونها من أشرف العبادات والقربات، ويروون في فضلها ما لم يرد في شأن الصلاة والزكاة من الفضل!، فإن علماء السنة يرفضونها ويعدونها زنا! وكلا المذهبين في غلو وإفراط، فليست المتعة حلالا كما قال الشيعة، وليست حراما كذلك كما قال السنة.

وجاء في كلمة غلاف الكتاب على لسان الكاتب: "إن فاحشة الزنا أصبحت ظاهرة تهدد شباب المسلمين وفتياتهم، وكان التفكير فيها يؤرقني بشدة، وأتساءل في نفسي:هل الزواج العادي وحده كاف لعلاج ظاهرة الزنا ومعالجتها؟ وهل أغلق الإسلام غيره من المنافذ؟ وذلك الشاب الذي لا يجد قدرة على الزواج، وتلك المرأة الأرملة أو المطلقة التي لا يخطبها أحد، ألا يمكن أن يكون في الشريعة الحنفية ما يخفف عنهما؟ وكنت أجيب نفسي فأقول: لو كان الزواج الدائم حلا نهائيا لما انتشرت الفاحشة بكل أنواعها في مجتمعاتنا المسلمة. وليس من الواقعية في شيء أن يكون النكاح المؤبد هو الوسيلة الشرعية الوحيدة لتصريف الغريزة الجنسية. ثم إني كنت أقرأ في موضوع متعة النساء، فرأيت سيدنا عبد الله بن عباس يقول: "لولا نهي عمر عن المتعة ما زنا إلا شقي"، فاستوقفتني هذه الجملة وحيرتني، وأنا السني الذي يعتقد أن الصحابة مجمعون على تحريم المتعة".

يعرض الكاتب للأدلة الدالة على إباحة زواج المتعة وعدم نسخه، ونقاش علمي للحجج التي يستند إليها فقهاؤنا في دعوى نسخ إباحة المتعة وتحريمها بعدما كانت حلالا؛ فزواج المتعة "كان علماؤنا متفقين على تحريمه ونسخه بعد ثبوت مشروعيته، وإنما وقع ذلك الاتفاق بعد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله الذي كان له رأيان في الموضوع، وكان معاصرا لجماعة من الفقهاء السنة القائلين بالإباحة وعدم النسخ".

يدعم الكاتب رأيه في زواج المتعة بجملة قرأها، قيلت على لسان حبر الأمة عبد الله بن عباس، فيقول: "كنت أقرأ في موضوع متعة النساء لأكون على بينة عند مناظرة الشيعة، فرأيت سيدنا عبد الله بن عباس يقول: لولا نهي عمر عن المتعة ما زنا إلا شقي. استوقفتني هذه الجملة وحيرتني، فتساءلت: هل المتعة علاج للزنا كما يقول حبر الأمة؟ ثم وجدت علماءنا يجمعون على أنها كانت مباحة ثم نسخت وحرمت، وأن الصحابة الأطهار كانوا يفعلونها في غزواتهم وأسفارهم. ثم داهمني سؤال زلزل كياني، وهو: هل من المنطقي أن يبيح الله تعالى للصحابة متعة النساء، والزواج المؤبد كان متيسرا لهم، والفتنة الجنسية لا وجود لها في مجتمعهم، والجواري والإماء بالعشرات عند الواحد منهم، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، والتعدد كان عادتهم قبل الإسلام وبعده، وأوقاتهم بين حرب واستعداد لحرب، ثم يحرمها على من يأتي بعدهم، وهم أضعف إيمانا، وأكثر تعرضا للفتن؟وهنا خلصت إلى أن إعادة البحث والدراسة المتأنية، بعيدا عن التعصب والعاطفة، هي السبيل لمعرفة موقف الشريعة من متعة النساء".

لكن هل ما قدمه الأنجري هو بمثابة الفتوى التي تبيح للمسلم استخدام هذه الميزة حتى يحل مشاكله الجنسية الإنسانية؟ أم أنه موضوع طرح للدرس وتجميع الأدلة على إباحته من بطون كتب التراث من ناحية وإعمال العقل من ناحية أخرى؟

الهدف من طرح هذا الموضوع، هو إثارة النقاش حول نكاح المتعة، كما أثير موضوع الإجهاض وغيره

يقول الكاتب: "قمت بالبحث المعمق المتأني سبع سنين، انتهت بتسطير كتاب ضخم في الموضوع، أرجو أن تتيسر لي ظروف طبعه ونشره لتعم الفائدة، وهذه المقالات مأخوذة منه باختصار وتصرف. وكل نقل أورده فيها، هو نقل موثق في الأصل، وكل حكم أصدره على رواية ما هو حكم مدروس، فلا مجال للمشاغبة علينا بأننا لا نوثق في مقالنا بعض ما ننقله، فنحن في مقال يستحسن فيه عدم التشويش على القارئ بالأرقام والمراجع، والعبد الحقير على استعداد لأية مناظرة أو نقاش علمي موضوعي في القضية، ولو على الهواء مباشرة.. فما قدمت رأي باحث ولا فتوى عالم، لأن الفتوى وظيفة شرعية عظيمة، لها رجالها كبار الفقهاء، ولها جهاتها المختصة ممثلة في المجالس العلمية والمجلس العلمي الأعلى. ولست أحمقاً حتى أتجرأ على الإفتاء بجواز ممارسة المتعة قبل أن يصدر ذلك عن الجهات المختصة، وقبل أن يتم التقنين ووضع التشريعات اللازمة".

إذن الأمر ليس فوضى، والهدف من طرح هذا الموضوع، هو إثارة النقاش حول نكاح المتعة، كما أثير موضوع الإجهاض وغيره، وسؤال الفقهاء والجهات المختصة. يوجه الباحث حديثه إلى السادة العلماء قائلا: "أيها السادة الموقرون، لعلكم تعلمون أن القطع بتحريم المتعة قول متأخر في مذهبنا المالكي، تسرب إلينا من المذهب الشافعي عبر سيطرة علمائه على الدراسات الأصولية والحديثية، وإن إمامنا مالك بن أنس رضي الله عنه لم ينص على تحريم المتعة، بل تصرفه في كتاب الموطأ يدل على الكراهة فقط".

ثم يذكر أقوالا وروايات من موطأ الإمام مالك يفهم منها أنه لا يحرم المتعة، وإنما يريد بيان أحقية منع سيدنا عمر لها، باعتباره حاكما واجب الطاعة، ومن ثم الرد على منتقدي سياسة الفاروق رضي الله عنه؛ فكأن الإمام يقول: إن عمر بن الخطاب حاكم يجوز له منع المتعة المباحة بدليل منع النبي صلى الله عليه وسلم لها في غزوة خيبر. وكان منعها يوم خيبر بإجراء عسكري يهدف إلى الإبقاء على الجهوزية القتالية للصحابة، أو لأن اليهود كانوا يرون المتعة حراما، فمنعها النبي احتراما لمعتقدات أهل خيبر اليهود، يقول الأنجري: "جاء في الموطأ برواية يحيى الليثي: (باب نكاح المتعة): حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت".

يتساءل الكاتب: هل المتعة علاج للزنا كما يقول حبر الأمة عبد الله ابن عباس؟ ويرى الأنجري أنه لما وجد أن علماءنا يكادون يجمعون على أنها كانت مباحة ثم نسخت وحرمت، وأن الصحابة الأطهار كانوا يفعلونها في غزواتهم وأسفارهم، سأل الكاتب سؤالا كاشفا وجريئا: هل من المنطقي أن يبيح الله تعالى للصحابة متعة النساء، والزواج المؤبد كان متيسرا لهم، والفتنة الجنسية لا وجود لها في مجتمعهم، ثم يحرمها على من يأتي بعدهم، وهم أضعف إيمانا، وأكثر تعرضا للفتن؟ وهنا خلص الكاتب إلى أن إعادة البحث والدراسة المتأنية، بعيدا عن التعصب المذهبي الطائفي، هي السبيل لمعرفة موقف الشريعة من متعة النساء. ويرى أن مقولة سيدنا عبد الله بن عباس عين الصواب، وأن المتعة وسيلة شرعية مباحة هدفها التخفيف والوقاية من الزنا.

إن نكاح المتعة مباح مشروع، منعه سيدنا عمر بصفته الخليفة الشرعي الساهر على مصلحة أمته، بغية وقاية المجتمع من النتائج الكارثية المترتبة عن استمتاع بعض الناس دون الاعتراف بأولادهم من المتعة، لأنها كانت تتم في الغالب سرا، إذ يجوز أن يكتفي فيها بشهادة رجل واحد أو امرأة.ولكي لا يتخذها ضعاف الإيمان ستارا يخفي فاحشة الزنا. ويرى الأنجري أن مقصد سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب كان نبيلا، لكنه كان مطالبا بتشديد الإجراءات دون منع حاسم. ويقول إننا: "إذا افترضنا أنه لم يجد بدا من المنع، فإن اجتهاده رضي الله عنه لا يسع الأمة اليوم، فشباب المسلمين مهددون بالوقوع في الزنا، وكثيرون منهم منغمسون فيها ويرجون الخلاص. فعلى العلماء أن يجهروا برفع الحظر والمنع الفاروقي، وعلى فقهاء القانون أن يقترحوا التشريعات المنظمة والمقيدة لهذا النكاح الشرعي العلاجي".

أقوى برهان ـ كما يرى الأنجري ـ على أن أمر المعصوم بفراق النسوة لم يكن تحريما أو كراهة، هو ترخيصه في المتعة بعد الفتح مباشرة، وذلك في غزوة أوطاس، ثم سكوته وسكوت خليفتيه عن المستمتعين

وإذا كان الزواج المؤبد قد تم تقييده وتشديد إجراءاته، حيث لم يعد يكفي فيه الولي والمهر والإشهاد العرفي والصيغة، بل أصبح مفتقرا إلى التوثيق والتصريح به عند السلطات المسؤولة، وصار متوقفا على إذن المحكمة، ومحتاجا إلى وثائق تثبت الخلو من المرض المعدي، وأخرى تؤكد العزوبة، فإن تشديد إجراءات زواج المتعة أولى.
فلا بد أن يكون مصرحا به عند السلطات ليتميز عن الزنا، وضمانا لحقوق الأبناء المحتملين، ولكي تكون المرأة ملزمة بالعدة، ويستحسن أن يتم بإذن الولي وعلم أسرة المرأة صونا لكرامتها إذا ظهر الحبل، وكان الصحابة يستمتعون دون علم ولي المرأة، لأن العرف العربي كان يسمح بذلك، وهذا من الفروق الأساسية بين الزواج الدائم ونكاح المتعة.

لا شك أن مخالفة التيار السائد أمر خطر على الباحث، فهو إذا ناقض أقوال طائفته، ووافق طائفة غيرها، سارع أهل طائفته إلى نفيه وشتمه واتهامه بأنه على مذهب الطائفة المخالفة، وربما أوذي وعودي.وهذا الإرهاب الفكري من أسباب سكوت الكبار قبل الصغار عن كثير من الحقائق الثابتة، عقيدة وفقهاً وتاريخاً.فالتفكير الطائفي والتعصب المذهبي أحد أسباب تشرذم الأمة وتصارعها، ويستوي في هذا الأمر: السنة والشيعة؛ فكلا الفريقين يمارس إرهابا ومنعا، بل يمارس اتهاما بالخروج على صحيح الدين، لا فرق في ذلك بين سنة وشيعة، رغم أن سنة الله في الكون التعدد والاختلاف والتنوع، فكلنا لا يمكن أن نكون نسخا مكررة من بعضنا البعض، وليس من المنطقي أن ينفي أحدنا الآخر لمجرد الاختلاف في الرأي أو في زاوية الرؤية للأمور الدينية والدنيوية.

إنها محاولة من الباحث، يعيد فيها البحث والدراسة المتأنية، بعيدا عن التعصب المذهبي الطائفي، لمعرفة موقف الشريعة من متعة النساء، حفاظا على حقوق الأبناء الذين المحتملين لو وقعت لا قدر الله جرائم زنا بين عامة المسلمين.

يثبت الكاتب في نهاية الكتاب، الذي تكون من أربعة فصول ومقدمتين، ما توصل إليه من نتائج تحت عنوان "ثمرة البحث"، حيث يرى أن أقوى برهان على أن "أمر المعصوم بفراق النسوة لم يكن تحريما أو كراهة، هو ترخيصه صلى الله عليه وسلم في المتعة بعد الفتح مباشرة، وذلك في غزوة أوطاس، ثم سكوته وسكوت خليفتيه عن المستمتعين".

يرى الكاتب أن ثمرة بحثه كما جاء في الخاتمة، تثبت من مجموع ما قدمه في متن الكتاب، من أن سبرة بن معبد لا ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمر أصحابه بفراق النساء المستمتع بهن بعد انقضاء ثلاثة أيام. هذا منتهى ما صح عنه في شأن المتعة على فرض صحته.

وأصَحُّ لفظ ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه ما ورد في طريق الليث بن سعد وإحدى روايات عبد العزيز بن عمر، وهو: "من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع بهن فليخل سبيلها".

وهذا التعبير، حسب القواعد الأصولية، لا يتضمن أية عبارة تدل على التحريم أو الكراهة. والروايات التي جاء فيها أن النبي الكريم نهى عن المتعة، روايات بالمعنى اختصر فيها الربيع بن سبرة أو من روى عنه اللفظ النبوي في عبارة "نهى".

والمعنى أنه نهى عن الزيادة في أجل المتعة بعد تمام المهلة المرخصة. وهذا المعنى مدلول روايات الليث وعبد العزيز بن الربيع وعبد الله بن لهيعة والخامسة لعبد العزيز بن عمر.

وأقوى برهان ـ كما يرى الأنجري ـ على أن أمر المعصوم بفراق النسوة لم يكن تحريما أو كراهة، هو ترخيصه في المتعة بعد الفتح مباشرة، وذلك في غزوة أوطاس، ثم سكوته وسكوت خليفتيه عن المستمتعين. في نهاية الأمر ستظل القضية مفتوحة على المناقشة الجادة دون إقصاء ودون تحريم أو اتهام من طرف للآخر بإشاعة الزنا والفاحشة، ما دام لم يرد في الأمر ما يفيد صراحة تحريم زواج المتعة أو كراهة إتيانه. وكل ما ييسر أمر المسلمين، فهو خير ما لم يرد فيه نص صريح.

 *باحثة وناقدة من مصر

* مقال منشور ضمن العدد التاسع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " الشعر العربي المعاصر وسؤال التلقي.."

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/Ek88zF

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق