سؤالُ المَشروعيةِ في مقالةِ الفُقهاء
31 مايو 2017 | 0 تعليق

* باحث مغربي متخصص في الفلسفة
محمد بدازي *

بادِئَ ذي بدءٍ

حينما نتحدثُ عن الفكر السياسي الإسلامي، نتحدثُ، بالضّرورةِ، عن مجالاتٍ معرفيةٍ متعددةٍ ومختلفة. هُنالِك، على سبيلِ المثال لا الحصر، الفلسفة السياسية أو العلم المدني، وما كتبهُ المتكلمون عن السّياسة (نظرية الإمامة)، وأيضاً كُتّاب الآداب السلطانية، إلخ. لكن، وحسب بعض الباحثين، يبقى الفقهُ السياسيُّ أهم ما قيل عن السّياسةِ في دار الإسلام ، إذْ إنه، إضافة إلى احتكارهِ للقولِ السياسي، استطاع استيعاب الإشكالية السياسية في التجربة الإسلامية. وذلكَ عائدٌ إلى كون الفقهاء، على عكسِ غيرهم، تَبَوؤوا مكانةً رفيعةً عند السّلطة الحاكمة كما عند عامة الناس، جعلتهم قريبين من دواليب السلطة، كما أنهم انتقلوا بالتفكير السياسي الإسلامي من "مستواه الكلامي إلى مستواه التشريعي".

ظهرَ الخطابُ الفقهيُّ في السياسةِ عندما دخلت دولةُ المسلمين في أزمةٍ (مِحنة) بعد تغالب قِوى أخرى عليها، الأمر الذي دفع الفقهاء للتصدي إلى هذه الأزمة، ومحاولة تقديم حلول إجرائية (واقعية) للخروج من الأزمة. فكيف عمل الفقهاء، إذن، على تشخيص "مرض" دولة الخلافة؟ كيف تعاملوا مع الواقع الجديد؟ ما هو الخطاب الذي قالوا به من أجل التصدي لأزمة سقوط الخلافة؟

في مدخلِ كتابِهِ دولة الفقهاء، يَربطُ الباحث في الفلسفة السّياسية نبيل فازيو، سياق ظهور الخطاب الفقهي السياسي، بالأزمة التي مست دولة الخلافة وحلول الدولة السلطانية مَحَلَّهَا، ما يعني، حسب الباحث دائماً، المساسُ بالمشروعيةِ الدينيةِ التي كان الحاكِمُ يتحوزُها. من هذا المُنطَلَق، ولأن الخطاب الفقهي، هو خطابٌ في/حول مشروعيةِ الحكم، سنحاول في هذا النص الوقوف عند سؤال أو إشكالية المشروعية عند فقهاء الدولة، متسائلين: ما طبيعة المشروعية التي تحدث عنها الفقهاء؟ هل هي دينية أم سياسية/دنيوية؟ وهل يمكنُ حصر سؤال المشروعية في جدلية الديني والسياسي دون الحديث -مثلا- عن مشروعية القبيلة والثروة والسّيف؟

ردّاً على الأسئلة المطروحة فوق، ننطلقُ من مقدمةٍ نقولُ فيها؛ إن السّلطة السياسية داخل الرقعة الجغرافية المسماة اليوم بالوطن العربي، قامت، ولردحٍ من الزمن، على مشروعيةٍ دينية، سواءٌ تحدثنا عن دولة النّبي وخلفائِهِ الراشدين، أو تحدثنا عن الخلافة الأموية والعباسية. بيد أن هذا الواقع سيتغير عند سقوط الخلافة العباسية أو دخولها في أزمة، وحلول الدولة السلطانية محلها. الأمر الذي تَمَخَّضَ عنهُ انتقال الفقهاء من الحديث عن الخلافة القائمة على مشروعيةٍ دينية، إلى حديثِهم عن المُلك القائم على مشروعية سياسية (العدل). وعليه، إننا أمام مشروعيةٍ يستمدها الحاكم من الشرع (الدين)، وأخرى، وإن كانت تحملُ في طياتها شيئاً من الدين، تُستمد من الواقع السياسي.

المشروعية الدينية

يحكي لنا المؤرخونَ أن الدولة في دارِ الإسلام قد مرّت من مراحلٍ متعددة، تغيرت تسمياتُها بتغيرِ الذين تَحَوَّزُوا السلطة، بيد أن الذي لم يتغير في تطورِ الدولة في دارِ الإسلام، حسب المؤرخ عبد الله العروي، هو الدين الذي بقيَّ حاضراً، حيث "انتفت الصفاتُ العرضية، المذهبية والقبلية والجنسية، باستثناء صفة واحدة هي الصفة الإسلامية". لقد أُبقي على الدّين حاضراً ضمن المجال السياسي حتى يُعطي للسلطةِ الحاكمةِ مشروعيتَها، وذلك ما كان ينصحُ بهِ الفقهاءُ الحاكم، وإن كان الأخيرُ مستبداً أو جائراً. يقول عبد العروي في هذا السياق: "كل دولة قامت في دار الإسلام، مهما بلغت من الاستبداد، قد حافظت بالضرورة على قسم من الشريعة وحرصت على تطبيقها لأنها (أي الشريعة) ضامنة للنظام والأمن، فتطبق الشريعة داخل ضمن السياسة، ويجعل الدولة المستبدة نفسها ترِث شيئاً من خلافة الرسول".

يكتشفُ النّاظرُ في قولِ الفقهاء (الغزالي، ابن تيمية، ابن قيم الجوزية...إلخ) دعوتهم للحاكمِ إلى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية داخل الدولة في دار الإسلام. فالفقيهُ هو "من يتوق إلى تطبيقِ الشرع على الواقع". إن الفقيه الذي عاش في واقعِ دولة المُلك الطبيعي أو دولة السلطان، كان يُركز في خطابهِ على "نُصح" أو دعوة السلطان إلى ضرورة تطبيق الشرع، لما للأخيرِ من مشروعيةٍ في الحكم، وإن كان هدفُهُ أكبر من ذلك، حيث يبقى حلمهُ هو العيش داخل نظامِ الخلافة. لكن هذه الأخيرة، صعبة المنال كما يؤكد العروي، إذ تبقى في حكمِ الطوبى. بالتالي، فإن الفقيه يتحدثُ كثيراً عن السّياسة الشرعية أكثر من حديثِه عن الخلافة، وذلك عائدٌ إلى ارتباطِهِ ورضاه بواقع الدولة داخل دار الإسلام. غير أنه مع توالي الوقائع سيتخلى الفقيه حتى على دعوتِهِ المتكررة لتطبيق الشرع، حيثُ تحول خطابُهُ من دعوةٍ إلى تطبيِق الشرع، إلى دعوةٍ إلى العدل كما سنرى ذلك لاحقاً، ف "يُصبح الشرع في منظور المتأخرين [الفقهاء]، مرادفاً للعدل والقانون".

لقد تيقن الفقهاءُ بعد معايشتهم للواقع السياسي، أن تطبيق الشرع بعدِّهِ مشروعيةً ضامنةً للحاكمِ استقرارَهُ على الحكم، صعبُ الحدوث، وحتى في حالةِ التطبيقِ، لا يكون النظامُ الناجمُ عن ذلك خلافةً. من هنا، فإننا أمام حقيقةٍ تفيدُ أن الفقهاء، ولأخذِهِم للواقعِ بعينِ الاعتبار، واقعُ الدولةِ الإسلامية، وبمعرفتهم بصعوبة تحقيق الخلافة، فقد تحدثوا كثيراً عن السياسة الشرعية، ودعوا السلطان إلى تطبيق الشرع، ولم يتحدثوا عن الخلافة التي يعد حصولها معجزة ربانية. لكن، وكما قلنا فوق، سيفرض الواقعُ السياسيُّ نفسهُ أمام الفقهاء، حيث قلَّ حديثهم عن الشرع، وحلُّ محلَّهُ حديثٌ عن العدل.

المشروعية السياسية

لاحظنا سلفاً مع المفكر عبد الله العروي، الانعطاف الذي وقع في قول الفقهاء، حينما شرعوا في الحديث عن مفهوم العدل الذي غدا عندهم محايثاً أو مرادفاً للشرع. نشير هنا –نقلا عن الدكتور العروي- إلى قولٍ لابن القيم الجوزية يوضح قولَنا؛ "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدِّها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها تأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقة". ههُنا سيقبل الفقهاءُ بالواقع، فاضطروا إلى الحديث عن الاعتدال والتسامح وقللوا من الحديث عن  قواعد الشرع.

نفس ما قال به عبد الله العروي، يذهبُ فيه الدكتور نبيل فازيو حين يؤكدُ أن السّياق الذي ظهر فيه مفهوم العدل، إنما مردّهُ واقع التسلط والقهر الذي مارسته دولة السلطنة، الأمر الذي دفع الفقهاء إلى تنبيه الحاكم إلى ضرورة إعمال العدل في علاقته بمحكوميه، سواءٌ أكانوا علماء، أو جند، أو عامة الناس.

يُعتبر العدل عند الفقهاء أحد الشروط التي يجب على الإمام التحلي بها حتى يُضفيَّ على حكمِهِ شرعيةً. يقول الماوردي في هذا الصدد: إن ما يُغير حال الإمام "فيخرج به عن الإمامة شيئان؛ أحدهما جرح في عدالته. والثاني نقص في بدانه". وعليه، فإن غياب العدل يعني "إخلالٌ بالشروط الضرورية لشغل منصب الإمامة". لكن الذي لا يجب أن يغيب عن بالنا، ونحن بصدد مفهوم العدل كما تصورَهُ الفقهاء، هو التمييز بين المعنى الديني والأخلاقي للعدل، والمعنى السياسي المؤسساتي له.

فأما المعنى الأخلاقي/ الديني للعدل، ينجلي عندما يضعهُ الفقهاءُ كمقابلٍ "للفسق" الذي يحمل هو الآخر معنىً أخلاقيا، بمعنى عدم مراعاة الضوابط الأخلاقية والدينية. لقد دعا الفقهاء الحاكم إلى ضرورة التقيد بهذا المعنى للعدل بغيةَ الحفاظِ على مُلكِهِ وهبتِهِ أمام الرعية. غير أن الفقهاء، رغم اتفاقِهم على ضرورة تقيد الحاكم بهذا العدل، فإنهم اختلفوا في تحديد أولويتِهِ مقارنة بمبدإِ القوة والقهر. هَهُنا نكون أمام حقيقةٍ تفيدُ أن الفقهاء، بقولهم بالعدل والقوةِ في آن، يطمحون إلى ما يجبُ أن يكون من جهة، ويُقرّون بالواقع، واقع الاجتماع الإسلامي الذي يحتاج إلى السلطة، من جهة ثانية.

لاحقا، سيعرفُ معنى العدل عند الفقهاء انعطافاً، بحيثُ سيحمل معنىً سياسياً تجلى في مقابلته للجور والظلم. بعد سقوط دولة الخلافة، وحلول المُلك محلها، لم يعد الحاكم يعتمدُ على المشروعية الدينية المتمثلة في الخلافة، بل سيوظف القوة والقهر من أجل الحفاظ على حكمه. أمام هذا الواقع الجديد، عمِل الفقهاء على دعوة الحاكِم إلى التشبث بالشرعِ من جهة، وإلى إقامة العدل من جهةٍ ثانية، وذلك حتى لا يثور عليه المحكومون. إن العدل الذي بات يُنادي به الفقهاء في عهد المُلك، عدلٌ يتم بموجبه "حفظ السنة وتطبيق الدين". بالتالي، لم يعد هنا الشرع هو الذي يؤكد وجود العدل أو يحدده، إنما العكس، وهنا نستحضر للمرة الثانية مقولة ابن القيم الجوزية حينما قال: "أينما يكون العدل فثم شرع الله". كما نستحضرُ قول الغزالي: "[...] إن الدين بالملك، والملك بالجند، والجند بالمال، والمال بعمارة البلاد، وعمارة البلاد بالعدل في العبادة"، ما يعني أن الدين لا يكون إلا بالعدل في العباد الذي يتحقق عن طريق الملك. بصيغةٍ أوفر دقة، إن "الغاية من السياسة هي ضمان العدل الذي قد يقود إلى تحقيق العدل والشرع".

إننا أمام انعطافٍ في تصور الفقهاء للمشروعية التي تقوم عليها سلطة الحاكم، ولعل هذا الانعطاف يظهر بجلاءٍ في كون العدل لم يعد تنزيلا لمقولات الشرع ومقتضياته فقط، إنما غدا نتيجة لفعل الملك أو الحاكم وتأثيره في المحكومين من جندٍ ورعية. ما يعني، أن صلاح الأمة يكونُ، كما أكد ذلك كل من الغزالي والماوردي، بعدلِ الحاكم المنفرد بالسلطة، إذِ العدلُ، كما رأينا فوق مع أبي حامد الغزالي، هو مسألة سياسية تحفظُ الدين والاجتماع الإنساني معاً.

عودٌ على بدءٍ

نخلصُ في نهايةِ هذا النصِّ، إلى فكرةٍ تقولُ إن السلطة السياسية في دارِ الإسلامِ، قد قامت ابتداءً على مشروعيةٍ دينية استمرت لردحٍ من الوقت، ثم ثانيا على مشروعية مَدَنيةً فرضها واقعُ نظام الملك، وكذا التحولات التي عرفتها التجربة السياسية الإسلامية. هذا ما وضحهُ كل من عبد الله العروي والدكتور نبيل فازيو. لكن هل من المعقول الإقرارُ بمشروعتَي الشرع والعدل دون سواهما؟ ألم تقُم السلطةُ السياسيةُ في دارِ الإسلام على منطقٍ قبلي؟ ألم تحدد العصبية/القبيلة مشروعية من يخلفُ النبي؟ كيف لاجتماعٍ إنسانيٍّ عاش مدة طويلة على نظام مَشْيَخي قَبَلي أن تغيب فيه القبيلة كمشروعية؟ أليسَ الشرطُ القَرَشِيُّ الذي قال به الفقهاءُ تجسيداً لحضور القبيلة داخل النظام السياسي الإسلامي؟ ماذا عن الثروة (اقتصاد الريع بلغة الجابري) والسيف (القوة والقهر)؟

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق