سبينوزا و علاج الانفعالات
22 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

باحث مغربي متخصص في الفلسفة
يونس امهضار *

 

إذا كانت حقيقة الإنسان أن يعيش وسط عالم يخضعه للانفعالات السلبية التي تكبله وتضعف قواه، فإن ذلك لا يعني أنه محكوم بالعبودية، أو أن هذه العبودية قدر لا يرد وقضاء لا مفر منه. فهدف سبينوزا هو تخليص الانسان من العبودية. لذا سيعمل على رسم طريق للتحكم في هذه الانفعالات. وفي الحقيقة موقفه هذا لا يختلف-من حيث الهدف، الذي هو تخليص الانسان من العبودية-عن التيارات الأخلاقية(1)، لكن بما أن سبينوزا أظهر أصالة في بحثه في طبيعة الانفعالات وأصلها وكيفية حدوثها، فإنه سيبدي أصالة في كيفية علاجها.

والسؤال المطروح في الفلسفة السبينوزية هو كيف يصبح الإنسان فاعلا عوضا أن يكون منفعلا؟ فرغم أن الإنسان لا ينفك يخضع للانفعالات (وذلك وفقا لقانون الطبيعة)، إلا أن هذا ليس معناه أنه لا أمل في التخلص من العبودية. فسبينوزا عندما جعل الانفعالات تنتاب الإنسان وفقا لضرورة طبيعية، ليس معنى هذا أن الإنسان يظل تحت وطأة الانفعالات والعلل الخارجية وفي عبودية مطلقة، بل بإمكانه تحقيق سعادة وغبطة، وبمقدوره الرفع من قدرته وقوته للوصول إلى حرية النفس والاغتباط.

إذن كيف يمكن للإنسان أن يكبح انفعالاته؟ بمعنى آخر، ما هي سلطة العقل أمام هذه الانفعالات؟ وما السبيل كي ينتج أفعالا؟  وكيف يستطيع الإنسان أن يحقق خلاصا وغبطة في ظل هذه الضرورة الطبيعية؟

 يجيب اسبينوزا عن هذه الأسئلة في الباب الخامس من كتاب الإيتيقا الذي يمكن تقسيمه إلى قسمين أو لحظتين:

-اللحظة الأولى: تمتد من القضية 1 إلى القضية 20، وفي هذه القضايا يقدم اسبينوزا حل أولي، كحد أدنى، للمشكلة الإتيقية، وهو أكثر سهولة عمليا، بتعبير ماشري Machery. وهنا يعطي سبينوزا نوعا من العلاج النفسي للانفعالات، معتمدا على المعرفة المشتركة، كما يتحدث في ترتيب زماني وفي الحياة الحاضرة. وبالتالي فالهدف هو السيطرة على الحياة النفسية والانفعالية والحد من آثارها تدريجيا.

-الحظة الثانية: تمتد من القضية 21 إلى القضية 42، وفيها يتحدث سبينوزا عن كل ما يتعلق بديمومة النفس بغض النظر عن وجود الجسم. إنه يعرض الحل الذي يمر عبره الإنسان إلى الحياة الأبدية، وهو مبني على أساس النوع الثالث من المعرفة(2).

 

فالتصورات الأخلاقية لم تدفر بفهم سليم للطبيعة البشرية، ولم تنجح في بناء مخرج للإنسان من العبودية التي يتخبط فيها. والسبب في ذلك أنها ظلت تتوهم حلولا متعالية عن الطبيعة الإنسانية وتصورات ميتافيزيقية توهم أنه بالإمكان قهر القوىالانفعالية بفعل الحرية أو الإرادة أو العقل، كما تعتقد الرواقية أو الديكارتية(3). لذا يوجه سبينوزا، في تمهيد الباب الخامس من الإيتيقا، نقدا شديدا لمذاهب الفلسفية الأخلاقية، خاصة الرواقية والديكارتية، لإقرارها بسلطان النفس المطلق على الانفعالات، يقول سبينوزا:" فالرواقيون يرون أن الانفعالات تخضع تماما للإرادة وأنه بوسع المرء التحكم فيها. لكن التجربة، لا مبادئهم الخاصة، قد أرغمتهم على الاعتراف بأن قمعها والتحكم فيها يقتضي بالضرورة تدريبا ومراسا شديدين. وهذا الرأي هو الذي يأخذ به ديكارت أيضا، فهو يسلم بأن النفس تتحد خاصة بجزء معين يطلق عليه الغدة الصنوبرية، وبفضل هذه الغدة تشعر النفس بكل الحركات التي تحدث في الجسم وبالأجسام الخارجية"(4).

 

في مقابل هذا التصور الأخلاقي، قدم سبينوزا تصورا إيتيقيا يرى بأن الانفعالات لا يمكنها أن تتراجع أمام العقل ولا يمكنها أن تقهر بالإرادة أو حسن النية، فالانفعال لا يمكن منعه أو تحطيمه إلا بانفعال مقابل؛ "لا يمكن كبح انفعال أو القضاء عليه إلا بانفعال مناقض له وأشد منه"(5).  مثلا "تزول الكراهية عندما تقابل بالحب"(6). وعندما ينتصر الحب على الكراهية انتصارا تاما فهي تتحول إلى حب، ويصير حبا أعظما كما لو لم تسبقه كراهية(7). إذن فعلاج الانفعالات والخروج من العبودية هو أمر يترتب عليها، بمعنى أن هذه الانفعالات التي تكبل قوى الإنسان، هي نفسها التي تعمل على تحريره من تلك القوى. فالمبدأ الذي ينطلق منه سبينوزا هو أن الخلاص لا يتم باستدعاء قوى جديدة في الإنسان، بل بالاعتماد على نفس قواه. فالانفعالات التي تكون سببا في تعاسة الانسان هي نفسها يمكن أن تكون علة لحريته(8).  وبالتالي فكل الأفعال التي يقوم بها بمقتضى انفعال سلبي، يستطيع القيام بها بدونه. وبمقتضى العقل: وهو الفعل الملازم للضرورة الطبيعية للإنسان منظورا إليها في ذاتها فحسب(9).

ما الذي يأمر به العقل؟

إن العقل لا يطلب شيئا مناقضا لطبيعته، بل يدعو كل امرئ إلى أن يحب نفسه وأن يبحث عما ينفعه ويفيده، وأن يرغب في كل ما يزيد في قدرته على الفعل. وهذا السير وفقا لمبدأ الفضيلة يعني: السلوك وفقا للقوانين الطبيعية. كما أن مبدأ الفضيلة هو ذاته الجهد الذي يبذله الإنسان في سبيل حفظ كيانه الشخصي، بل إن سعادة الانسان تكمن في كيانه. إذن فالرغبة في الفضيلة يجب أن تكون لذات الفضيلة. وبالتالي كلما اهتدى الانسان بالعقل كان حرا. ومن وصايا أو أوامر العقل أيضا: أن يكون جميع البشر على اتفاق في كل الأمور، وأن يسعوا كلهم إلى ما يفيدهم جميعا. فالذين يقودهم العقل، لا يرغبون في شيء لأنفسهم إلا يرغبونه أيضا لغيرهم(10).  بالتالي فأوامر العقل تتمثل بشكل عام في أي الانفعالات التي تلائمه، وأيها تناقضه؛ فالتي تناقضه هي الانفعالات القبيحة، أما التي تلائمه فهي التي تزيد في قدرته على الفعل

إذن فأساس مبدأ العقل هو الفهم لا غير، والفهم هو المصدر الوحيد للفضيلة(11). فكلما اهتدى الانسان بالعقل، اختار من بين خيرين أعظمهما، ومن بين شرين اثنين أهونهما. وقد يبحث عن شر أقل في مقابل خير أعظم. ويتنازل عن الخير الأقل الذي يتسبب في شر أعظم. فالشر الأقل هنا يكون خيرا، والخير الأقل يكون شرا(12). بل يفضل الإنسان خيرا أعظم في المستقبل على خير أقل في الحاضر، وشرا أقل في الحاضر على شر أعظم في المستقبل(13). إن فضيلة الانسان الذي يهتدي بالعقل تتمثل في توقيه للمخاطر بقدر ما تتمثل في تغلبه عليها(14).

إذا كان هذا ما يطلبه العقل، فما مدى تحكمه في الانفعالات؟

في علاج سبينوزا للانفعالات يستبعد كل حل سهل أو سحري، ويقوم بتحليل قدرة العقل، لأن البشر يستطيعون مقاومة الانفعالات بطريقة جادة، وهذه المقاومة لا يكون لها معنى إلا إذا قبلت كمنطلق لها بالطابع الإيجابي للفكرة الباطلة، فلابد من توسط هذه المقاومة بوضع إيجابية الصورة. فالانفعال يظل عصيا بمجرد حضور الحق، وينبغي فضلا عن ذلك إنشاء صور تكون لها من الشدة ما يكفي كي تعوض الصورة الأولى(15)، بمعنى أنه إذا ما نتج داخل النفس فعلان متضادان فلابد أن يطرأ بالضرورة تغيير على الفعلين، أو على أحدهما دون الآخر حتى يزول تضادهما(16). فعلاج الانفعالات يأتي من الانفعالات نفسها.

يقدم سبينوزا في القضايا من القضية 1 إلى القضية10 علاجا للانفعالات، وهو يتحدث عما تستطيعه النفس من جهتها للتحكم فيها؛ أي قدرة النفس منظورا إليها في ذاتها ضد الانفعالات(17). ففيما تتمثل هذه القدرة؟

 تتمثل هذه القدرة في كون النفس قادرة على تحقيق معرفة بهذه الانفعالات، فما من انفعال من انفعالات الجسم إلا ويستطيع الإنسان أن يكون عنه مفهوما واضحا متميزا. ويترتب على هذا أيضا أنه ما من انفعال من انفعالات النفس إلا ويستطيع الإنسان أن يكون عنه مفهوما واضحا، مادام أن انفعال النفس هو فكرة انفعال الجسم. فكل شخص قادر على معرفة انفعالاته، وإن لم يكن بشكل مطلق فعلى الأقل بصورة جزئية وبوضوح وتميز بحيث يكون أقل سلبية(18). يتبين إذن أن القدر الذي يعيشه الإنسان ليس قدرا محتوما. فدور الإنسان في قلب وضعه التحرري هو أمر ممكن في كل الحالات شريطة تقديم المقابل، وهو العمل على إعمال الفهم وتفعيل العقل(19).

كما أن النفس لها قدرة على فصل الانفعالات عن فكرة العلة الخارجية التي تتخيلها بصورة مبهمة. وهذا هو المبدأ الثاني الذي يعطيه سبينوزا لعلاج الانفعالات؛ وهو الابتعاد عن الأسباب الخارجية المصاحبة للانفعالات حتى يتم تقليصها أو القضاء عليها. يقول سبينوزا: "إذا تم فصل تأثرا أو انفعالا سلبيا عن فكرة علة خارجية وتم ربط هذه الانفعالات بأفكار أخرى، فإن حب العلة الخارجية أو كراهيتها ستزول، كما تزول أيضا كل تقلبات النفس الناجمة عن هذين الانفعالين"(20). فما يكوِّنُ صورة الحب أو الكراهية هو الفرح أو الحزن المصحوب بفكرة علة خارجية. وبالتالي فبزوال هذه الفكرة تزول صورة الحب والكراهية، وتبعا لذلك سيزول هذان الانفعالان كما تزول أيضا الانفعالات المتولدة عنهما(21).

إذن يتوجب على النفس أن تفكر فيما تدركه بوضوح وتميز، وبهذه الصورة سيتم فصل الانفعال ذاته عن فكرة علة خارجية ويقترن بأفكار صحيحةA.

هكذا فكل انفعال سلبي يمكنه أن يزول مادام أن الانسان يكون فاعلا ومنفعلا بالنظر إلى نفس الرغبة B؛ أي بمقدوره أن يحول التأثيرات من جهة السلب إلى جهة الإيجاب، وذلك بتكوين أفكار ملائمة عنها، مثلا، "فالفرح انفعال ينمي من القدرة على الفعل، لكن إذا ما كان مصحوبا بعلة خارجية سيكون حينها تأثير سلبي، عكس إذا ما كنا علة داخلية لهذا الانفعال، إذ سيكون إداك تأثيرا إيجابيا؛ فرحا فعالا"(22). وأيضا الرغبة في أن عيش الآخرون وفقا للطبع الشخصي للفرد. فهذا الانفعال عند الشخص الذي لا يهتدي بالعقل يسمى طموحا، وهي لا تختلف عن الزهو، وتكون عند الشخص الذي يهتدي بالعقل ويسترشد به فعلا أي فضيلة وهي ما يطلق عليها "الأخلاقية"(Moralité)(23).

فعلاج الانفعالات لا يتطلب غير المعرفة الصحيحة، ولا يوجد عند الانسان أفضل من هذه القدرة، فقدرته الوحيدة هي القدرة على التفكير وعلى تكوين أفكار تامة لا غير(24).

لكن هذا لا يعني أن القضاء على الانفعالات وعلاجها يكون فقط بمعرفتها. إنه فقط تكون النفس أقل تأثرا بقدر ما يكون الانفعال معلوما لدى الإنسان. وبالتالي فالانفعال لا يتم القضاء عليه، فقط يتم إزالة السلبية. لأن "فهم انفعال ما يعني استيعاب الأسباب والقوانين التي تفسره، بعبارة أخرى فهم نظرية الباب الثالث من الإيتيقا"(25).

 

 المراجع: 

1د. أحمد علمي: فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، الطبعة الأولى سنة 2015، إفريقيا الشرق-المغرب. ص247.

2 Une lecture contunier de l’éthique ; lecture du partie V. Introduction au De Libertate

 

3أحمد علمي: فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص248.

4باروخ سبينوزا: علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، الطبعة الأولى: بيروت، أكتوبر 2009، تمهيد الباب الخامس. ص314.

5سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الرابع، القضية 7، ص239.

6سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الثالث، القضية 43، ص189.

7نفس القضية 44.

8د. أحمد علمي: فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص229.

9سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الرابع، القضية 59وبرهانها. ص208.

10سبينوزا: علم الأخلاق، حاشية القضية 18، الباب الرابع، ص249.

11نفسه.

12باروخ سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الرابع، القضية 65 ولازمتها، ص 294.

13نفسه.

14سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الرابع، القضية 69.

15د. فاطمة حداد الشامخ: الفلسفة النسقية، ونسق الفلسفة السياسية عند سبينوزا. ترجمة جلال الدين سعيد،  مراجعة صالح مصباح، الطبعة الأولى 2008، ص141.

16سبينوزا: علم الأخلاق، البديهية الأولى، الباب الخامس.

17 Une lecture contunier de L’Ethique de Spinoza. Partie V, Axiome 1 : Si dans un même sujet sont excitées deux actions contraires, il devra nécessairement se faire un changement soit dans les deux, soit dans une seule, jusqu’à ce qu’elles cessent d’être contraires

18سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، القضية 4، برهانها وحاشيتها، ص320-319.

19د. أحمد علمي: فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص259.

20سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، القضية 2 ص313.

21سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، برهان القضية 2 ص313.

Aالفكرة الصحيحة: هي {الفكرة التي تكون تامة في الإله من حيث أنه يتجلى من خلال طبيعة النفس البشرية... ومن تكون لديه فكرة صحيحة يعلم في نفس الوقت أن له فكرة صحيحة}.  سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الثاني القضية 43، ص 128.

Bإذا كانت ماهية الإنسان هي الرغبة فالإنسان لن يحقق الفضيلة بنفيه للرغبة وإنما بدمجها تدريجيا في العقل. Une lecture contunier de L’éthique.

22سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس، برهان القضية 2 ص313.

23سبينوزا: علم الأخلاق، حاشية القضية 4، 320-321.

24د. زيد عباس كريم: سبينوزا الفلسفة الأخلاقية، سنة الطبع 2008، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ص222.

25 Une lecture contunier de L’éthique. Plan de la partie V.Lecture des propositions I à X du De Libertate