سحبان خليفات إذ يُعيد منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية
03 مايو 2016 | 0 تعليق

رسم للدكتور سحبان خليفات بريشة الفنان إحسان حلمي – (أرشيفية)
ذوات

لا يستطيع مؤرخ الجهود الفكرية والفلسفية في الأردن أن يمرّ عن الدكتور سحبان خليفات، أو ألا يتوقف طويلاً أمام منجزه؛ فالراحل الذي غيبه الموت عام 2012 يعد ألمع المفكرين والمشتغلين بالفلسفة في ذلك البلد الذي لا يَعرف الكثيرون أعلامَه في هذا الحقل. ومن أبرز إسهاماته محاولته ردّ منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية.

لفرط تمسكه بالعمل الأكاديمي، ظل خليفات عاكفاً ومواظباً على الدرس والتأليف، حتى في أكثر لحظاته صعوبة، وكان يدرّس طلبته، وهو على سرير المرض في المستشفى

وُلد سحبان محمود خليفات يوم 8/11/1943 في السلط، وحصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات الفلسفية والاجتماعية من جامعة دمشق سنة 1966، وشهادة الماجستير في الدراسات الفلسفية والنفسية من جامعة القاهرة سنة 1972، وشهادة الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة نفسها 1978، ليمضي بعد ذلك في رحلة البحث والتأليف في الجامعة الأردنية، حتى النزع الأخير من حياته.

ولفرط تمسكه بالعمل الأكاديمي، ظل خليفات عاكفاً ومواظباً على الدرس والتأليف، حتى في أكثر لحظاته صعوبة، وكان يدرّس طلبة الدكتواره والدراسات العليا في الجامعة الأردنية، وهو على سرير المرض في مستشفى الجامعة الأردنية.

ومن مؤلفات خليفات:

1- مقالات يحيى بن عدي الفلسفية

2- رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية: دراسة ونصوص

3- الديمقراطية في الأردن: سياقها الدولي وشروطها الموضوعية

4- ابن هندو، سيرته، آراؤه الفلسفية، مؤلفاته: دراسة ونصوص

5- منھج التحليل اللغوي- المنطقي في الفكر العربي الإسلامي: النظرية والتطبيق.

وأفاد ابنه "وائل" بأنّ آخر ما خطه أبوه كان كتاباً عن أبي العلاء المعري، صدر بعد رحيله، وربما أنّ هناك مخطوطات أخرى لم يقيّض للراحل إتمامها.

درس خليفات ودرّس الفلسفة العربية والغربية، وقدّم إسهامات مهمة في فلسفة الأخلاق، ففي مقال له بعنوان "فلسفة سارتر في الأخلاق والسياسة"، يرى خليفات أنّ "الفرد الخلقي عند سارتر هو الذي يلتزم تماماً بما يختاره، بغض النظر عن هذا الذي يلتزم به، ما دام قد اختاره بإرادته. وتكشف هذه الحقيقة الطابع النظري للأخلاق السارترية، إذ يتساوى – وفق مبادئها – القاتل الملتزم والقديس، ما دام كلاهما مخلصاً لما اختار وأراد".

وفي مثل هذا المناخ البعيد عن النمطية، شرع خليفات يفكّر ويتساجل مع أعلام الفكر والفلسفة، ويقرأ بعينه النقدية مشاريعهم وأطاريحهم الفكرية؛ فهو عندما يتحدث عن "اللغة والواقع بين هيغل وهيدجر" يرى أنّ هيغل يعدّ الممثل الحقيقي للمعقولية الفلسفية التي تنشد في اللغة أكمل صورة من صور تحقيق التكافؤ بين الفكر والوجود، ويرتبط تصوره الميتافيزيقي للغة بمذهب المثالية المطلقة، الذي يرى في تعقلنا للفكر تعقلاً في الوقت نفسه للوجود. ذلك أن المطلق إنما يتعقل ذاته عبر مقولاتنا، بل هو يلتقي بذاته عبر المقولات التي يترجم عنها في التصورات الكلية.

 أما هيدجر، في نظر خليفات، فيدرس علاقة اللغة بالكينونة؛ فالأخيرة تستعصي على اللغة العادية، لكن الشعر، وهو أكثر أنماط اللغة شفافية، قادر على رفع اللثام عن الكينونة، فيتاح للكائن أن يظهر. يقول: لقد سمى الشاعر الآلهة وجميع الأشياء في كينونتها، أي في البدء، ولم تكن هذه التسمية إعطاء اسم لشيء كان معروفاً من قبل، بل تعريفاً للشيء بما هو عليه، فيصبح عندئذ موجوداً من حيث صار معروفاً. ليست اللغة في الأصل علامات، بل إشارات تشير عن بعد، ورموزاً تكشف عن شيء كان (مستوراً ومختبئاً) ألا وهو ماهيات الأشياء.

 لذا، فإنّ اللغة الأصلية الأولى هي الشعر، بمعناه في اللغة اليونانية، "أي الفعل والخلق. ومن هنا يجب علينا ألاّ نتصور ماهية الشعر من خلال ماهية اللغة، فالشعر هو التسمية للكينونة ولماهيات الأشياء جميعاً. إنه ضرب من الكلام يرفع النقاب في البدء عن كل شيء، فيحمل الكل إلى الوجود".

كان خليفات معتداً بثقافته العربية الإسلامية، وكان يحث على ألا نتحاور مع (الآخر) من منطلق أنه أعلى أو أننا أدنى؛ فالشعور بالدونية يجب أن يوضع له حد، فإذا كانت هناك دونية بيننا وبين الغرب في عالم الاقتصاد أو السياسة، فليس بيننا وبينه دونية في عالم الثقافة؛ فنحن أعرق ثقافة منه.

أطلّ خليفات بالفلسفة على الأدب فقرأ أبا العلاء المعري، ونظر إلى الفلسفة السياسية، فكتب في الديمقراطية في العالم العربي

ويتابع: أنا أعلم أنهم اكتشفوا الذرة، ولكني أريد أن أقول إن المهم - وأسأل في هذا أيّ عالم شئت - هو المنهج وليس المعلومات، فجميع المناهج التي عرفتها البشرية هي اختراع عربي، فالمنهج الرياضي من اختراع علماء العرب والمسلمين ومنهج التحليل اللغوي المنطقي من اختراع علماء أصول الفقه. إذا كان العرب قد أبدعوا كل هذه المناهج فنحن لنا أصالة، ولا يجوز أن نقف موقفاً دونياً من هذا السبق .

وكان للراحل هوس في البحث والتنقيب عن أصول المفاهيم، ومرجعياتها اللغوية؛ ففي معجم "لسان العرب" ترد كلمة "فردوس" فيقول لك المعجم، إنها "أعجمية" فماذا تظن؟!.. إنها فارسية!! الحقيقة أن وصف كل كلمة أعجمية إنما يعني شيئاً واحداً فقط، وهو أننا لا نعرف معناها، فنقول أعجمية في المعاجم، فاستغلها قوم فقالوا: إن لغة العرب من عندنا من فارس.

خذ كلمة "فردوس" أخذ الغرب منها كلمة (براديس)، فهي كلمة عربية، وجل لغة العجم (الفرس) عربي من الصميم. ولعل هذه الأعجمية المدّعاة وجهل المفسرين بحقيقتها، أي اللغة الأصلية للكلمة "الأعجمية" هو جزء مما أعنيه بعدم إتقانهم للثقافة اللغوية اللازمة.

ويذكر مثالاً بسيطاً يدعم رأيه: إننا نقول في نهاية الفاتحة: آمين، وفي المسيحية يقولون آمن، وهي مشتقة من آمون، الإله آمون، آمون لفظه الصحيح آمن، وآمن في المصرية القديمة معناها الواحد الخفي، ونحن نقول: الله واحد: "قل هو الله أحد" ونقول: "لا تدركه الأبصار" وقس على ذلك.

ولو أنّ علماء التفسير اليوم يتقنون المصرية القديمة، ويتقنون الأكدية، والحميرية والفينيقية، لعاد القرآن، والله، غضاً كما أُنزل على الرسول من قبل.لكنهم كلما صادفوا كلمة قالوا أعجمية، فضاع المعنى، أو فسروها تفسيراً شكلياً لا يلمس شغاف العقل والقلب، أو يقنع أحداً في هذا العصر.

ويروي خليفات أنه في القرون الأولى من الهجرة، يخرج جابر بن حيان من باب منزله في الكوفة إلى المسجد، فيسأله بعض الفضوليين: ماذا تفعل يا جابر في بيتك؟!! ... لقد قال كلمة لو قالها أحد اليوم لفرقوا بينه وبين زوجته، وأجبروه على ذلك، وعدّوه زنديقاً، فماذا قال جابر؟! قال: أحاول صناعة إنسان على المقاييس الإلهية! هذه الأمة الواثقة من نفسها، ومن دينها، لا تخاف، لقد انطلقت وأعطت.

"ولكن حين جفت عصارة العقل من ساق الحضارة وفروعها، تدهور حالنا، ودمرت الثقافة. استعمرنا الإنجليز فأسمعونا قصصاً يضحكون بها علينا، وكأننا هنود حمر أو زنوج، قالوا لنا إن إسحاق نيوتن جلس ليشرب الشاي الساعة الخامسة، كالعادة الإنجليزية، فتأخرت زوجته قليلاً بالشاي، فسقطت تفاحة فاكتشف قوانين الجاذبية الثلاثة!! لندقق، فنجد أنه سرق هذه القوانين حرفياً وبالترتيب.. ترتيب القوانين والكلمات من كتب ابن سينا وابن الخازن وأبي البركات البغدادي، وأخذ من أبي البركات البغدادي أيضاً الصيغة الرياضية للتسارع في السقوط، ثم يُقال لنا: (حين شرب الشاي)!!!"

ويتابع خليفات: "ثم يأتون إلى أسكتلندي اسمه جيمس واط، وضع إبريق الشاي على النار الساعة الخامسة (لاحظوا كل السرقات تقع الساعة الخامسة!!) فجاءت صاحبته، فأخذهما الحديث فدفع البخار الغطاء إلى الخارج، فانتبه، فاكتشف قوة البخار وقد سرق الفكرة من مخطوط إسلامي".

ويعرف طلبة الدكتور سحبان خليفان هذه الصفة فيه، مع أنها تثير الغرابة أحياناً، لكنه كان يتقصى هذه الأفكار ويشبعها بحثاً وسؤالاً.

وكان الراحل يشتمل على جملة من المناقب، التي أبرزها، في نظر أستاذ الفلسفة الدكتور أحمد ماضي، بِرّه بأهله ومدينته السلط "بالرغم من انشغالاته الفكرية والبحثية". ولاحظ ماضي في سياق آخر أن عدداً من المؤلفات والبحوث والدراسات الفلسفية والفكرية التي أعدها الدكتور خليفات "لم تحظ بالاهتمام الكافي"، داعيا إلى ضرورة عقد ندوة علمية يعد لها إعداداً مناسباً يقوّم فيها تلك الأعمال الثرية.

ويعتبر أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية الدكتور سلمان البدور، أن أهم إنجازات المفكر الراحل خليفات هو كتابه المتعلق بالتحليل اللغوي في الفكر العربي الإسلامي، الذي يعتبر "زبدة إنتاجه من حيث اهتمامه باللغة واهتمامه بالأخلاق"، في حين رأى الدكتور هشام غصيب، أنّ خليفات وظف معرفته بفلسفة التحليل اللغوي في بناء هيكل الكتاب ليثبت أن المسلمين كانوا رواداً في هذا المجال.

كان خليفات صاحب حضور محسوس في قسم الفلسفة والجامعة والمجتمع، وظل مستعداً دائماً للدفاع عن وجهة نظره وعلى نحو منطقي

وأشار إلى أن خليفات أطل بالفلسفة على الأدب فقرأ أبا العلاء المعري، ونظر إلى الفلسفة السياسية، فكتب في الديمقراطية في العالم العربي، وقبل مرحلة الربيع العربي، مشيراً إلى دراسته وتحقيقه لفلسفة الفارابي، من خلال كتابه "على سبيل تحصيل السعادة".

البدور ذكر، أيضاً، أنّ الراحل جمع ودرس رسائل يحيى بن عدي، الفيلسوف، ولملم أطراف فلسفته في دراسة جادة ومفيدة، لافتاً إلى أنه درس أيضاً أبا الحسن العامري وشذراته الفلسفية، وصاغ من هذه الشذرات فلسفة، ما اعتبر دراسة مهمة، حيث وقع اختياره على كتاب ابن هندو الذي حققه.

واستعرض البدور الصفات التي كان يتحلى بها د. خليفات أثناء وجوده في الجامعة الأردنية، فهو كما قال: "كان معلماً للمعارف والقيم والأخلاق"، ما جعله مدرسة فكرية يعتد بها، سماتها اللطف والحكمة واتساع الأفق.

كان خليفات، كما يؤكد البدور، "صاحب حضور محسوس في قسم الفلسفة والجامعة والمجتمع، وظل مستعداً دائماً للدفاع عن وجهة نظره وعلى نحو منطقي، وقد منح الجامعة الأردنية كل وقته، ولم يفكر بمغادرتها يوماً على الرغم من الإغراءات والفرص التي أتيحت له".

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق