سمير الزغبي: فلسفة الجسد تحتل موقعاً متميزاً في الأدب والفن
05 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات - منى شكري

أكد الباحث والأكاديمي التونسي الدكتور سمير الزغبي أن مسألة الجسد تمثل مسألة مهمّة ومحوريّة داخل خطابات الفكر الفلسفي، بمختلف توجّهاته من القديم إلى المعاصر. ولم يقتصر الأمر في معالجة المسألة على الفكر الفلسفي فحسب، بل نجدها كذلك تحتلّ موقعاً متميّزاً في الأدب والأنثروبولوجيا والشعر والمسرح والسينما والفن التشكيلي.

ويحدد الزغبي، في حوار أجراه معه الباحث المغربي يوسف هريمة ونشر على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث، مقاربة مسألة "إيديولوجيا الجسد" ضمن بُعدين: البعد الأوّل هو المقاربة الأركيولوجية للفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، أمّا البعد الثاني فيمكن أن نستند فيه إلى المقاربة البنيوية والسيميولوجية للفيلسوف رولان بارت. ذلك أنّه ضمن المقاربتين تتوضّح مسألة توظيف الجسد واستثماره واعتباره مجرد بنية وعلامة، خاصّة داخل ما يُسمّى بالعقلانية التكنوقراطية والمجتمعات الاستهلاكية.

ويتابع الباحث حديثه مبيناً أن ميشال فوكو اهتمّ بمسألة الجسد اهتماماً خاصّاً في مؤلفه الشهير "المراقبة والمعاقبة"، متجاوزاً المقاربات السالفة التي اختزلت الجسد في بعده البيولوجي، وباعتباره موضوعاً للمقاربة العلمية، إنّ المقاربة الأركيولوجية تحيلنا إلى ما هو أبعد، حيث تحتضن الجسد في بعده الاقتصادي والسياسي؛ أي تنزيل المسألة ضمن المجال السياسي.

أمّا في مستوى المقاربة البنيوية والسيميولوجية؛ فقد اهتمّ رولان بارت بمسألة إيديولوجيا الجسد على أنّه جسد الإشهار؛ أي الجسد باعتباره علامة وحاملاً لدلالة غير دلالته الأصلية.

وينوه الباحث إلى أنّ "سلعنة" الجسد وتشيئته ضمن المنظومة الرأسمالية يكشف بوضوح البعد الإيديولوجي في مقاربة الجسد؛ حيث تكون المصلحة هي الأساس الأوّل، فيتحوّل الجسد المبدع من كائن حي إلى مجرّد شيء من أشياء السوق، وهو أمر أدّى إلى تشيئة الإنسان برمّته، فتتغلّب قوى النجاعة على القيم وإرادة المصلحة على إرادة الإنسان.

الجسد بين الحضور والغياب

وأكد الزغبي أن الجسد كان حاضراً في جميع الثقافات حضوراً متميّزاً، إلا أنّ هذا الحضور تراوح بين التهميش من جهة وردّ الاعتبار من جهة ثانية. وما يجب التأكيد عليه هو أنّ خضوع الجسد لممارسة معينة ضمن التاريخ ناتجة في الأصل عن رؤية وموقف محدّد مسبقاً من الجسد.

سلعنة الجسد وتشيئته ضمن المنظومة الرأسمالية يكشف بوضوح البعد الإيديولوجي في مقاربة الجسد؛ حيث تكون المصلحة هي الأساس الأوّل، فيتحوّل الجسد المبدع من كائن حي إلى مجرّد شيء من أشياء السوق.

وبين أن الجسد تأرجح ضمن تاريخ الفكر الإنساني بين موقفين: موقف يمكن اعتباره ميتافيزيقيا، وآخر يمكن تسميته الموقف الحيوي. الموقف الأوّل هو موقف ازدرائي من الجسد؛ حيث يعتبره مجرّد جثّة هامدة إذا ما فارقته الروح. وأكثر من ذلك فإنّ الجسد يُعتبر "قبراً للروح" ضمن الاعتبار الميتافيزيقي؛ لأنّ الروح لما حلّت بالجسد تناست كلّ معارفها.

إنّ الجسد ضمن هذا المنظور، وفق الزغبي، هو عائق أمام المعرفة، والجسد يفنى في حين أنّ النفس تتميّز بالسرمدية.

الجسد بين التقديس والتدنيس

ولا يُذكَر الجسد إلا ويحضر البعد الديني، ومراوحة الجسد بين التقديس والتدنيس، وعن قراءة الزغبي، للصورة المتناقضة في التصوّر الديني، خاصة في تعامله مع المرأة كناقصة عقل ودين، أو أنّها عورة تقطع الصلاة في صورة مهينة لإنسان كرّمه الله، يقول الباحث: في الحقيقة ليس هنالك تناقض بين اعتبار المرأة "ناقصة عقل ودين" واعتبارها "عورة تقطع الصلاة في صورة مهينة لإنسان كرّمه الله". فاعتبارها ناقصة عقلاً وديناً هو نفس اعتبارها سبباً للخطيئة، وذلك الاعتبار يتأسّس ضمن نظرة "تحقيرية ميتافيزيقية" للجسد بعامة غدتها النظرة الدينية التي لم تعتبر الجسد فقط أمراً مدنّساً، بل أكثر من ذلك خصّت جسد المرأة بالدنس والنجاسة، والسبب في سقوط الإنسان في الذنب.

هذا التصوّر "الأخلاقي التحقيري" للجسد بعامة ولجسد المرأة بخاصة يمكن تفسيره فلسفياً، وفق الزغبي، بالعودة إلى التصوّر الميتافيزيقي الأرسطي. خاصّة عندما تمّ ترتيب الكائنات ترتيباً أنطولوجياً تفاضلياً يضع النفس أفضل من الجسد، والسماء أفضل من الأرض، والحاكم أفضل من العامّة، نزولاً إلى اعتبار المرأة أدنى مرتبة من الرجل، ولذلك فهي في المجتمع الأثيني لا تتمتع بحقّ المشاركة في الحكم، أعني لقب المواطنة، مثلها مثل الأطفال والأجانب.

ويتابع أن كلّ ذلك ناتج عن قراءة "مغلوطة أو جزئية لم تدرك عمق النص الديني"؛ فالدين كرّم المرأة باعتبارها أيضاً أمّاً، وباعتبارها نفساً يسكن لها، وهي محل للطمأنينة والراحة.

العولمة والجسد

ويرى الزغبي أنّ الهيمنة على الإنسان، كما بيّن ذلك النقد الفلسفيّ والسوسيولوجيّ مع ماركوز وآدرنو وهابرماس وفروم وبودريار وبورديو وفوكو...، أضحت تعتمد رغد العيش الذي حوّل الوفرة في المجتمع الاستهلاكيّ وما يرتبط بها من رفاهيّة وتسلية وملذاّت وأناقة...، إلى إيديولوجيا جديدة تجعل من المنتجات نفسها واقتنائها تكييفاً للحساسية وللفكر وللسلوك، فيتوهّم الأفراد أنّهم يحيون في أفضل العوالم الممكنة وينعمون بالمساواة والحريّة والسعادة.

كما أن سلطة الصورة من خلال الدعاية والإشهار والإعلام التي تحوّلت، بحكم بنائها وكثافة دفق بثّها،إلى ضرب من غسيل الدماغ الذي يصيب الأفراد ويسلب قدرتهم على التفكير بوضوح والحكم بشكلٍ مستقلّ.

وتعتمد الهيمنة على الإنسان أيضاً، وفق الزغبي، على الإخضاع السلطويّ للأجساد، الذي يهدف إلى التحكّم في أدقّ حركات الأفراد وأفعالهم وإشاراتهم من خلال إجراءات انضباطيّة تعضدها مراقبة مستمرّة للسيطرة على الإنسان وعياً وجسداً فيكون نافعاً وطيّعاً في آن واحد.

 

السينما والفلسفة

وانطلاقاً من اهتمامه بموضوع السينما، باعتبارها حقلاً معرفياً اهتمّ به العديد من الفلاسفة كجيل دولوز وإدغار موران وغيرهم، وكيفية تقريب صورة العلاقة الجامعة بين السينما والفسلفة، أوضح الزغبي: أنّ العلاقة بين السينما والفلسفة تبدو أمراً غريباً، فهي ليست بدهيّة، وهذا الأمر له العديد من المبرّرات تتعلّق إمّا بطبيعة المنهج المتّبع في كلا المجالين أو بتاريخيّة كلّ منهما، فمن جهة المنهج تتحدّد السينما كإبداع فنّي يعتمد على مقوّمات تقنية ونشاط جماليّ يقوم على بناء "الصورـ الحركة"، في حين أنّ الفلسفة تتحدّد كخطاب سمته التحليل والإفهام والكشف عن مقاصد ورؤى ومواقف محدّدة وتأسيس أطروحات معيّنة. أمّا على المستوى التاريخي فالسينما حديثة العهد، في حين أنّ الفلسفة يشهد تاريخها على نشاط الفكر منذ أقدم العصور.

ويشير الزغبي إلى أن دولوز افتتح عصراً جديداً للفلسفة، وإن كان نيتشه في ما سبق قد بشّر بأنّ فيلسوف المستقبل هو فنّان مستكشف العوالم القديمة؛ إلا أنّ فيلسوف "الاختلاف والمعاودة" سيدفع بالمشروع إلى أفق هو بمثابة السقف؛ حيث إنّ التفلسف أصبح يضمّ قطاعات كان قد تبرّأ منها الفيلسوف في ما سبق أكثر من مرّة. فاحتفال مدوّنة دولوز بالسينما يجعل الفكر منفتحاً وأكثر من ذي قبل على المجالات الحيويّة للتجربة الإنسانية، وتصنيف منظّري السينما ضمن خانة الفلاسفة يعتبر سبقاً فلسفياً دشّنه دولوز. فالسينمائيون لا يمكن عزلهم عن صنف المفكّرين؛ لأنّ التفكير لا ينحصر في الانشغال بالماهيات، بل يكون بواسطة نمط جديد من المفهوم هو "الصورة - الحركة" و"الصورة – الزمن".

ويلفت إلى أن دولوز كان يفكر كفيلسوف، ولكنّ تفكيره منبثق من الإبداع السينمائي، فهو يعود إلى بدايات السينما وإلى المدارس المختلفة، ويستشهد بأفلام لكبار المخرجين، ويؤكّد على التحوّلات التي شهدتها التقنية السينمائية من خلال أمثلة دقيقة وشواهد من تاريخ السينما.

 

لقراءة الحوار كاملا انقر هنا

https://goo.gl/XJYk76

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق