سوسيولوجيا الإصلاح التربوي في تونس: من المسعدي إلى جلول
06 مايو 2017 | 0 تعليق

*باحث جامعي في علم الاجتماع من تونس
ماجد قروي*

بعيدا عن القبليات الفكرية والينبغيات الوعظية والاستيهامات الاستعارية ، سنتطرق إلى مسألة الإصلاح التربوي في إطار جملة من التأسيسات النظرية والمنهجية المرتكزة على البراديغمات السوسيولوجية كمنطلق للتحليل والمكاشفة. بدءا إذا ما أردنا فهم الواقع التربوي في تجلّياته الآنية، فلا بّد من تسليط الضوء على نسقه التاريخي أو ما سمّاه توران "نسق الفعل التاريخي". وربطا بما ذكرناه آنفا، خيّرنا البحث في العلاقة الارتباطية بين التجارب التنموية التي شهدتها تونس والإصلاح التربوي ، فأّوّل إصلاح تربوي لتونس بعد الاستقلال كان مع مشروع بناء تونس الحديثة، لكنّه حافظ على التواصل مع المدرسة الفرنكوفوعربية وقطع مع التراث الزيتوني، باعتباره عائقا أمام الحداثة حسب الفلسفة البورقيبية، فهي تجربة أفول التقليدية بالمعنى السوسيولوجي..عموما شهد هذا الإصلاح نجاحا في بداياته وارتقت معه المدرسة التونسية إلى مراتب مشرّفة على المستوى العالمي، وأفرزت نخبا فكرية رائدة . ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ تجربة التعاضد التي اتبعتها تونس شهدت بدورها نجاحات في البداية ، لكن مع فشل تجربة التعاضد وعجز الوحدات التعاضدية عن توفير مواطن الشغل تنامت البطالة وتدنّت الأجور، ما انعكس على المدرسة التي بدورها تراجعت عن دورها في إطار الدولة الراعية بتوفيرها الشغل لخرجيها، ولم تعد الكفايات التي تقدّمها المدرسة قادرة على الاستجابة لحاجيات المجتمع ، فوقع التخلي عن تجربة التعاضد وتمّ الالتجاء إلى التجربة الليبرالية التي عمقت الأزمة أكثر، فتنامت البطالة وارتفعت معدلات الانقطاع عن الدراسة في المدرسة. وقد عرفت تونس  تجربة الاقتصاد المعولم  أو الانخراط في العولمة التي تلت التجربة التنموية الليبرالية. ألقت هذه التجربة بظلالها على القطاع التربوي، فقامت الدولة بإصلاحات 1991 .هذا الإصلاح محكوم بعاملين اثنين: عامل داخلي سياسي بامتياز، إذ تأتى هذا الإصلاح في فترة قمع شديدة للمعارضين، وإخماد كل صوت ناقد، وبالتالي من مصلحة النظام الحاكم إفراغ البرامج التعليمية من كلّ حسّ نقدي . أما العامل الثاني لإصلاحات محمد الشرفي، فهو خارجي مرتبط بالضغوط الخارجية للغرب وصندوق النقد الدولي حول اعتماد نظام تعليمي عالمي ينسجم مع العولمة، ويأخذ بعين الاعتبار أولوية الخارج عن الداخل بمعنى"إعداد التلميذ لمنظومة كونية وليس لمنظومة محلية على حدّ تعبير سالم لبيض"أي تأهيل الرأسمال البشري لخدمة الخارج .أدّت هذه الإصلاحات إلى أفول المدرسة الوطنية بالمعنى الذي يجعلها المصعد الاجتماعي الوحيد لأبناء الطبقات الشعبية ، وبالتالي أصبحت مفاتيح الحقل التربوي رهينة إملاءات العولمة ، وحسب تقرير البنك الدولي الذي نشر سنة 1998 ، وحمل عنوان :

Enseignement  supérieur, enjeux et avenir  بأنّ البنك الدولي دعم الحكومة التونسية بقرض قيمته 80 مليون دولار لإصلاح المنظومة الجامعية وتمويل الشعب القصيرة والتخفيض في الشعب الأدبية، ودعم الشعب العلمية بغرض خدمة العولمة ومصالح الغرب. ما أدّى بالنتيجة إلى ارتفاع نسب البطالة والمهمّشين.

ختاما، أخلص إلى معادلة بين ثالوث التنمية والإصلاح التربوي والإرهاب، ففشل التجارب التنموية المتلفة كان له انعكاس كبير على المنظومة التربوية. فمع أفول الدولة الوطنية، لم تعد المدرسة مطالبة بتأهيل الناشئة لتندمج في سوق الشغل، بل لتشغيلية هشّة تدم العولمة والمؤسسات العبر قطرية. ما أدّى إلى ارتفاع البطالة والفقر، وأصبح الشباب مجالا اجتماعيا أكثر هشاشة . وأمام هذا الوضع الاجتماعي المأزوم سيسعى الشباب إلى بناء نموذج هويتي ترميقي ومذوتن يستعيدون عبره المعنى، ويبنون ديناميكية هوّيتية ملتبسة مع الديني، وذلك عبر الانخراط في حركات العنف .

وأخيرا، حري بنا أن نسوق جملة من الملاحظات حول الإصلاح التربوي في عهد جلول . فقول العديد من الباحثين بتقليد التجارب التعليمية الناجحة في العالم يجعلهم ينطلقون من الماكرو ويهمّشون الميكرو سوسيولوجي؛ أي الانطلاق من أبحاث أكاديمية تدرس المدرسة ومشكلاتها، ومن ثمّ الإصلاح بما يتماشى مع الواقع التونسي. أما الملاحظة الثانية، فتتمثل في أنّ الإصلاح ليس مجرد قوانين ، بل كشف للمحددات الفعلية  ورصد للعوامل الذاتية وراء فشل الإصلاح التربوي ، وعدم الاقتصار على أرقام ونسب قد تظلّ القائمين بالإصلاح ، ولا يكون ذلك إلاّ عبر دراسة المؤسسة التربوية بفاعليها ومتفاعليها  من الداخل وكشف العوامل اللاشكلية للفشل المدرسي وفتح العلب المغلقة على حدّ تعبير lapassade فالإصلاح فن ّو فلسفة.

 

المراجع:

آلان توران ، نقد الحداثة ، ترجمة انور مغيث ،(الكويت،المجلس  الأعلى للثقافة،2011)

عمر الزعفوري، محاولة لفهم الاشكال الجديدة للعنف في ضوء التجارب التحديثية في المجتمعات التابعة (بيروت،مجلة إضافات ،العدد 12 ،2010)
كلود ديبار،أزمة الهوّيات ،ترجمة رندة بعث ، (بيروت،المكتبة الشرقية ،2008)
سالم لبيض، التعليم التونسي... البحث عن الإصلاح، العربي الجديد:

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/5/12

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق