صيادون في شارع ضيّق: سيرة متوارية لجبرا إبراهيم جبرا
23 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

رسم لجبرا إبراهيم جبرا – (أرشيفية)
ذوات

نشر الروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا روايته "صيادون في شارع ضيق" في العام 1960، وتناول فيها قصة مهاجر فلسطيني عاش في العراق، ما جعل النقاد ينظرون إلى الرواية، باعتبارها فصلاً من سيرة الكاتب. كما ذهب آخرون إلى اعتبارها رواية "أفكار وشخصيات" بالدرجة الأولى. مع أنّ جبرا يبرع فيها بتصوير الشخصيات وتقديم الأفكار والمواقف.

ولاحظ كتّاب قدرة جبرا على تكديس جميع هذه الشخصيات والأفكار والمواقف في بوتقة صغيرة، وجعلها تتحرك في مختلف الاتجاهات، رغم أنّ واحداً من هذه الشخصيات لا يشبه الآخر شبهاً كاملاً.

الشخوص هم من يقوم بعرض الأحداث، وكثرة هذه الشخصيات له ما يبرره في رواية تصور مجتمعاً كاملاً في فترة زمنية ما، على ما يقوله الكاتب فراس حج محمد. فشخصيات الرواية متعددة المستويات، فكان منها البقال الذي يبيع بالدَّيْن ، إلى رجال السلطة، مروراً بالمثقفين، وتعكس هذه الشخصيات أفكاراً محددة قصد الكاتب مناقشتها بطريقة فنية مقنعة، هي الرواية.

لاحظ كتّاب قدرة جبرا على تكديس جميع الشخصيات والأفكار والمواقف في بوتقة صغيرة في روايته "صيادون.."

وهذا لا يعني أنّ الرواية هي رواية شخصية؛ فالمتن الحكائي لا يتمحور حول شخصية واحدة؛ فعدنان طالب، وحسين عبد الأمير، وتوفيق الخلف، وعبد القادر ياسين، وبريان فلنت، وجميل فران، وسلافة، هم الشخصيات الفاعلة التي تؤدي دوراً وظيفياً في الرواية.

جبرا إبراهيم جبرا تعامل مع هذه الشخصيات واصفاً إياها من الخارج، فلم يدخل إلى عمق الشخصيات، بل يكتفي من الشخصية ما يفيده في عرض فكرته.

أما فيما خصّ اختفاء جبرا وراء إحدى الشخصيات، فيرى حج محمد أنه يختفي وراء جميل فران، ويعلل ذلك بالتشابه بين السارد جميل فران والكاتب جبرا إلى حد التطابق ؛ فكلاهما مسيحي فلسطيني، قضيا الطفولة في القدس، ثم انتقل كل منهما إلى بيت لحم إثر النكبة عام 1948م، ثم هاجر كلاهما إلى العراق للعمل مدرساً للغة الإنجليزية وآدابها، وكلاهما يحمل شهادة في الأدب الإنجليزي من جامعة كمبردج، ولهما اهتمامات في الرسم والشعر، وكلاهما ترك أسرة فقيرة في بيت لحم، يقع على عاتق كليهما إعالة هذه الأسرة.

يذكر أنّ جبرا إبراهيم جبرا مؤلف ورسام وناقد تشكيلي فلسطيني ولد في بيت لحم في عهد الانتداب البريطاني، وتوفي سنة 1994 ودفن في بغداد. أنتج نحو 70 من الروايات والكتب المؤلفة والمترجمة. وقد ترجمت أعماله إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة. وكلمة جبرا آرامية الأصل تعني "القوة والشدة".

 درس جبرا في القدس وإنكلترا وأمريكا، ثم انتقل للعمل في جامعات العراق لتدريس الأدب الإنجليزي، وهناك حيث تعرّف عن قرب على النخبة المثقفة وعقد علاقات متينة مع أهم الوجوه الأدبية، مثل السياب والبياتي.

يعتبر جبرا من أكثر الأدباء العرب إنتاجاً وتنوعاً، إذ عالج الرواية والشعر والنقد والترجمة. عرف في بعض الأوساط الفلسطينية بكنية "أبي سدير" التي ذكرها في الكثير من مقالاته سواء بالإنجليزية أو بالعربية.

أعمال جبرا إبراهيم جبرا الروائية يمكن أن تقدم، كما لاحظ نقاد، صورة قوية الإيحاء للتعبير عن عمق ولوجه مأساة شعبه، وإن على طريقته التي لا ترى مثلباً ولا نقيصة في تقديم رؤية تنطلق من حدقتي مثقف، مرهف وواع وقادر على فهم روح شعبه بحق. لكنه في الوقت ذاته قادر على فهم العالم المحيط به، وفهم كيفيات نظره إلى الحياة والتطورات.

ومن "صيادون في شارع ضيق" نقتبس ما يأتي:

عندما وصلتُ إلى بغدادَ كان لديَّ ستة عشر ديناراً فقط، وكان مقدّراً لهذا المبلغ أن يكفيني فترة أسبوعين. وقد ثبت فيما بعد أنّ ذلك التقدير كان مبالغاً في التفاؤل، إذ أنّ السلفة الأولى على راتبي لم تدفع إلا بعد مرور ستة أسابيع. بل إنّ ستة عشر ديناراً ليست بالمبلغ الكبير بالنسبة لغريب في مدينة كبيرة حتى لفترة أسبوعين. لذا فكرت بوجوب الحيطة في مصروفاتي، وبالذهاب إلى فندق رخيص.

أعمال جبرا الروائية يمكن أن تقدم، كما لاحظ نقاد، صورة قوية الإيحاء للتعبير عن عمق ولوجه مأساة شعبه

طلبتُ من سائق التاكسي أن يأخذني إلى فندق جيدٍ ففعلْ. أخذني إلى فندق "شهرزاد" الذي كانت له واجهةً لطيفة تتقدمها حديقة. فتركت متاعي في السيارة، وذهبت إلى منضدة الاستقبال. كان الجو حاراً جداً في الشارع، ولكن ما إن دخلت ردهة الفندق حتى هبّت على وجهي نسمة باردة رطبة، فساورتني على الفور بعض المخاوف فيما يتعلق في الأجور، الأمر الذي أكده لي موظف الاستقبال.

لم يدهش السائق حين عدت إلى السيارة ثانيةً، وقلت:"أجوره مرتفعة جداً. خذني إلى فندق جيد، ولكن أرخص". فقال:"أمرك يا سيدي". ومضى. وبعد حوالي مئة ياردة استدار إلى شارع جانبيّ ووقف. فعدت للسائق وقلت له وأنا أدخل السيارة مرة أخرى:"هذا قذر، خذني إلى أحسن منه".

فقال حين تحركت السيارة":

إنه فندق جيد. وإني آتي بالكثيرين إليه.

ثم ساق السيارة لبضع دقائق أخرى، وأنزلني في مدخل فندق يشبه المدخل السابق شبهاً كبيراً، وقال ناصحاً:" إسمع يا سيد. إما أن تذهب إلى "شهرزاد" وإما إلى واحد من هذه الفنادق. ليس ثمة شيء وسط. ستدفع 150 فلساً فقط ههنا.

ونزل من السيارة بحركة قطعية، ووضع أمتعتي على الرصيف، وصعد معي على درج شديد الانحدار إلى منضدة الاستقبال.

وأفزعني أن يستقبلني رجلٌ حافيُ القدمينِ لم يحلق منذ أيام، ابتسم للسائق أولاً ثم لي.

قال السائق:" أتيتك بصديق يا شكري، فاعتنِ به عناية حسنة."

فأجاب شكري: "بالطبع، أين الأمتعة؟".

وجيء بالأمتعة في دقائق، وطلب السائقُ ديناراً فأعطيته نصف دينار، ورُغم احتجاجه، فإنه لم يكن مستاءً. ولربما كان ربع دينارٍ يكفيه.

قلتُ لشكري:" والآن قدني إلى غرفتي رجاءً". كانت ليلة سفرٍ عبر الصحراء ليلة غبراء، مما جعلني بحاجة إلى حمام وإلى وجبة طعام جيدة. أخذني شكري إلى غرفة فيها سريران، ولكنه أكد لي أنّ السرير الآخر لن يستعمله أيّ "مسافر" آخر طيلة مكوثي فيها. كان الضيوف يدعون "مسافرين، وكان شكري حين يشير إلى الفندق يدعون "المسافر خانة".

قال:" هناك الكثيرُ من المسافرخانات في هذه المنطقة، ولكن قليلاً منها توفر لك الراحة التي ستجدها هنا".

عندما وصلتُ إلى بغدادَ كان لديَّ ستة عشر ديناراً فقط، وكان مقدّراً لهذا المبلغ أن يكفيني فترة أسبوعين

وحين تُركت لوحدي اكتشفتُ، لفزعي، أنّ الشراشف كانت مستعملة. بوسعي أن أحتمل الكثير من أشكال الفقر، أما النوم في شراشف استعملها مسافرٌ آخرُ فأمرٌ أكثرُ مما يطيقه احتمالي. لذا هرعت عائداً إلى شكري بقدميه الحافيتينِ، فوجدته يتحدث مع امرأةٍ سمراء ذات عينينِ مثقلتين بالكحل، ترتدي عباءة سوداء جميلة تنحدر من رأسها حتى القدم.

قلت لشكري: هلا بدلت الشراشف؟

فقال : آسف يا أستاذ، لا أستطيعُ إبدالها اليوم.

- ولكنها مستعملة!

- مرة واحدة، في الليلة الماضية. مجموعة الشراشف الجديدة تعود من الغسيل غداً.

- هل تتوقع مني أن أستعمل تلك الشراشف القذرة؟

- ليست قذرة جداً يا سيدي.

فقالت له الفتاةُ ذات العباءة السوداءِ أن يبدلها، ولكنه أقسم بالله أنه لا يستطيع. ودُقَّ في هذه الأثناء جرس، فاندسَّ شكري في إحدى الغرف.

- سألتني الفتاةُ : غريب؟.

- نعم.

- من دمشق؟.

- لا. من القدس.

- لا تقلق، نحن نعتني كثير بالغرباء.

كان لها سن ذهبية في فكها الأعلى تلتمع كلما فتحت فمها.

قلت لها: شكراً. وعدت إلى غرفتي. وهناك قرعت الجرس، وطلبت الأمتعة، فجاء بها صبيّ. وأدركتُ أن عليّ أن أجد محلاً آخرَ أسكن فيه على الفور. كانت تنبعث من ذلك المكان المظلمِ ، وسط إشعاع شهر تشرين الأول، رائحة الانحطاط الذي تتصف به الليالي الملوثةُ والنهارات المتلصصة. وتصورت حالة غرفة الحمام في مكانٍ كئيبٍ كذلك. لذا، وقبل أن آخذ الحمام الذي كنت بحاجةٍ إليه خرجت وأقفلت الباب، والتقيتُ في طريقي إلى الدرج الشديد الانحدار بالفتاة ذات السن الذهبية، وهي واقفة إزاء المنضدة. كان لها أن تكونَ تمثالاً من الأبنوس أو "عذراءَ" بلا طفل، أو عشتار بابل، فقد كانَ لوجهها من الجمود، ولوقفتها من السكون، ولعينيها من الاتساعِ والسوادِ ما أثار بي ألف صورة وإحساس. ونزلتُ الدرج، وعند المدخل نظرتُ إلى الأعلى لأرى اسم الفندق. كان الاسمُ "ملكة سبأ" مكتوباً بالعربية والإنجليزية على قطعة صفراء. ما الذي كان الملك سليمان سيقول لو رآه؟.

كانت الأعمدةُ قائمة على جانبي الشارع في رواقين لا ينتهيان. وهي بمظهرها السقيم وعدم انتظامها تمتد عنيدة على طول الطريق، تظلل دكاكين حادة الزوايا يجلس أصحابها في أبوابها يشربون الشاي في أقداح زجاجية صغيرة، والناس يمشون ببخترةٍ يوحي بالعباءة العربية التي كان قليل منهم فقط يرتدونها. لقد أدهشتني الوجوه الغريبة السمراء تشوهها الخدوش أو بثور الجدريّ، أو تحفرها "أخت" رهيبة تأكل الجلد فوق الخد أو في منتصف الجبين أو على جانب الأنف: أشبه بطريقة عميقة من زهرة شرسة!

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق