عاصف الخالدي ينقل إلى العربيّة "مئة حاسة سرية"
19 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

غلاف الرواية – (ذوات)
ذوات

صدرت مؤخراً عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، ومن ترجمة الروائي الأردني الشاب عاصف الخالدي، رواية "مئة حاسة سرية"، للروائية الأمريكية من أصل صيني آمي تان.

وتعد "مئة حاسة سريّة" ثالث أعمال الكاتبة وأول رواية لها تترجم إلى اللغة العربية، وصدرت عام 1995.

وكانت تان روائية ولدت في عام 1952 في مدينة كاليفورنيا بعد أعوامٍ قليلة من هجرة والديها للولايات المتحدة.

وبصرف النظر عن الجوائز العديدة التي نالتها الروائية عن هذا العمل وسواه، كجائزة الكومنوولث الذهبية، إضافة لجائزة أفضل الكتب مبيعاً مع النيويورك تايمز، إلا أن اختيار ترجمة هذا الكتاب تمت نظراً للقيمة الفنية والإنسانية التي يحتويها ولجمالياته كعمل روائي مميز.

  في أعمالها الروائية، تتناول الكاتبة علاقة الإنسان المهاجر، والذي قادته ظروفه إلى الهجرة، وتركز على علاقته بزمان ومكان ماضيين، مع زمان ومكان هما واقعه الحاضر واليومي، وفي هذا العمل تحديداً، تظهر الكاتبة أنّ العالم الذي يختفي من أمامنا، يظل موجوداً في الذاكرة، بشخوصه، أمواتاً أو أحياء، بجغرافيته، وبما تركت أحداثه فينا من أثر، الأهم، هو أنّ هذا العمل، يطبق مقولة ماركيز بشكل عميق، وهي أنه لا وجود للإنسان خارج الذاكرة، ولذا، فإنّ هذا العمل الروائي يقول إنّ الموت، ليس نهاية المطاف، مستنداً على تناسخ الحيوات.

يظهر هذا جلياً في الشخصيتين الرئيستين في الرواية، وهما: كوان، وأختها أوليفيا. وكوان هي الفتاة التي تم جلبها من الصين قبل أن تبلغ الثامنة عشرة من عمرها لتعيش مع عائلة والدها المهاجر في أمريكا بناء  على طلبه قبل موته.

تعقد كوان مقارنة يومية مع حياة في ذاكرتها وأحلامها، مقابل حياتها الجديدة في أمريكا، وتستخدم آمي تان سخرية عميقة مبنية على ثقافة شاسعة في تقديم تلك السخرية، تنتقد المجتمع الأمريكي وكذلك الصيني، والمميز هو أنها لا تتوقف عند حدود وعيها وحياتها التي تحياها، بل تتجاوز ذلك من خلال أحلامها عن حيوات سابقة عاشتها في القرن التاسع عشر، بوجه آخر، بشخصية أخرى، وتخلق عالماً موازياً، باستدعائها تلك الأحلام والأحداث، من خلال الأشباح، وكأنّ المتخيل السردي في رواية آمي تان، يحتاج إلى أن يغمض القارئ عينيه ويترك العنان للخيال، وللأشباح التي تقول قصصها، وتنتقد العالم القديم، لنرى على ماذا بني عالمنا الجديد: شخوص عاشت في القرن التاسع عشر إبان  الحرب الأهلية في الصين واحتلال بريطانيا وأمريكا لها، تجارة الأفيون والسلاح، تشجيع الاقتتال وفرض المصالح لخدمة الاستعمار، المبشرون الذين يصرخون في وجوه الصينيين: إلهنا أفضل من إلهكم، وكانوا يجذبون الفقراء إلى الكنيسة مقابل طبق أرز في نهاية قداس الأحد.

أشباح آمي تان في هذه الرواية، ليست سوى حيوات اختزنتها شخوصها في ذاكرتها، واستدعتها من خلال الأحلام، لتتمكن من ربط الماضي والحاضر، وربط المكان في الصين والمكان في أمريكا، من خلال أداة الذاكرة، لم تجعل كوان أختها أوليفيا تؤمن بأشباحها فقط، رغم عدم وجود دليل مادي على هؤلاء الأشباح الذين لم يكونوا سوى شخوص حيوات نسيها التاريخ بعد أن هدمتها الحرب، بل جعلتها تؤمن بقصصهم ورواياتهم ونهاياتهم المأساوية، ماتوا، ولكن ظلوا أحياء في ذاكرة أحبتهم، ماتوا وعادوا كأشباح تسكن الاحلام.

 الأهم والذي يمثل هذا العمل، هو ما تقوله الرواية عن أنّ العالم، ليس مكاناً، العالم هو اتساع الروح، وأنّ الموت ليس نهاية المطاف، إن كانت الروح محاطة بالحب، فإنّ الحب هو محور الخلود؛ لأنها ستولد من جديد، في حياة أخرى، باحثة عن حبها.

وفي النهاية تقول، كما أخبرتها أشباحها في الرواية، بأنّ الكلام لا يمكن فهمه وفق معناه المعروف، إنما، وفق ما يشعر به من يقوله، قد ينبثق الأمل من اليأس، والفرح، يتم تقطيره من الحزن.

في الصين، تنظر آمي تان لما دمرته الصورة الثقافية التي أعلن عنها ماو، ثم تعود إلى جذور وثقافة الصينيين، لتسخر بعمق مظهرة المفارقات بين واقع الناس والسلطة. في أمريكا، تظهر أن الواقع ليس سوى سوق يتبع رواده الموضة، وتقصد هنا الشعب نفسه. وفي الوسط، يكمن عالم لبشر تم نسيانهم، حتى صاروا أشباحاً، ذلك أنّ حاضر هذا العصر السريع يبدو كوحش، مقابل البطء الذي تطالبنا الروائية فيه، أن نغمض أعيننا ونمشي في الظلام، لكشف ما هو منسي، لطالما تذكر العالم الوحش، ونسي الإنسان.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق