عبدالرحمن ياغي يلوّح بالوداع بعدما أخلص للنقد واشتبك مع الحياة
23 مارس 2017 | 0 تعليق

عاصف الخالدي*

برحيل الناقد والأكاديمي الدكتور عبدالرحمن ياغي الأربعاء 22 آذار (مارس) 2017، ينطفئ قمر إبداعي آخر أخلص للنقد واشتبك مع الحياة، وجعل الأفكار وقوداً لمعركته الضارية في مواجهة الظلام.

ونعى ياغي، المولود عام 1924 في المسميّة الكبيرة بغزة بفلسطين المحتلة، معاصرون لأدبه وممن تتلمذوا على يديه، معبّرين  في تصريحات لـ "ذوات" عن حزنهم لغياب "رمز" جريء في زمن شكلت فيه شخصية الراحل، بما يحمله من فكر يساري "ظاهرة مبهرة تحرّض على التمرّد وتحطيم الأواني الهشّة للهندسة الاجتماعية"، حيث كان شديد المعارضة للفساد في الاجتماع والأدب، وعاش حياة طويلة حافلة قضاها كما يرغب لا يهادن ولا يجامل في قناعاته، أدرك مبكراً أنّ النقد اشتباك مع الحياة والسياسة والطغاة، وليس نظراً محايداً في النصوص.

أدرك معاصرو ياغي ومحبّوه أنّ حياته الحافلة بتاريخ من التحولات السياسية والاجتماعية يجب توثيقها بسيرة، وهو ما أقدم عليه الراحل بكتابة مخطوط يؤرخ لسيرته وتحولات المرحلة تحت اسم "عبد" لكنه رفض نشرها وفق ما قاله لـ "ذوات" تلميذه الدكتور إبراهيم أبو هشهش.

ياغي، الذي درس علوم التربية في القدس عام 1943، ليلتحق بالقاهرة بعد نكبة فلسطين عام 1948 وينال منها شهادة الليسانس والماجستير والدكتوراه في الأدب العربي، توزّع بنتاجه النقدي والأدبي بعد ذلك، لتنال مدنٌ عربيةٌ عديدةٌ مثل؛ دمشق وعمان والقاهرة، حصَّتها من مسيرته الحافلة في التدريس والكتابة، والتي تمخضت عما لا يقل عن ثلاثة وستين كتاباً ودراسة؛ فضلاً عن مساهمته في تأسيس الجامعة الأردنية؛ حيث أمضى عقوداً في التدريس فيها حتى تقاعده.

ومما يُسجَّل لياغي، وفق شهادات أدباء ونقاد، إسهامه في تأسيس رابطة الكتاب الأردنيين، والتي ترأسها بين أعوام "1979-1981"؛ إذ لم تكن في عهده منبراً ثقافياً حراً، أو مجرد مؤسسة نقابية فحسب، بل كانت بيئة لإنتاج المعرفة وساحة للحوار.

النقد اشتباك مع الحياة

لعلّ أهم جملة يمكن أن نلخص بها مشروع ياغي النقدي، سؤاله "ما الذي يريده مجتمع ما، من أديب أو ناقد؟"، ففي سياق مسيرته الطويلة، تمكن الراحل من الاشتباك مع تفاصيل سؤاله هذا، والذي جعل أعماله النقدية مهمومة على الدوام في محاولتها للإشارة إلى مفهومه ورؤيته حول الوعي الذي يمكن من خلاله ربط الأدب الحديث مع الواقع؛ حيث لمع مشروعه هذا في مطلع الستينيات، حين شرح رؤيته من خلال استحضار الأدب القديم ومحاولة تشكيل منهج علمي جدلي واضح وقابل للتطوير والتجديد، واستخلاص القيم الإنسانية والاجتماعية منه، بدلاً من مناهج وثوقية ميتافيزيقية طغت على تدريس موروث ثقافي وأدبي عربي لما يزيد عن خمسة عشر قرناً.

ويتجلى هذا، من خلال حياته الشخصية أولاً، فبالإضافة إلى أنه كان أول من جمع ديوان "ابن رشيق القيرواني" وقام بتحقيقه للمكتبة العربية، فقد أسبقه بدراسة تطبيقية في العام 1961 والتي كان عنوانها "حياة القيروان وموقف ابن رشيق منها"، أما على الصعيد الشخصي، فيمكن استحضار ما قاله عنه تلامذته، ومن درسوا النقد والأدب على يديه؛ فبتأثر بالغ، نعى رئيس قسم اللغة العربية في جامعة بير زيت في رام الله الدكتور إبراهيم أبو هشهش، ياغي، الذي كان واحداً من الجيل الأكاديمي الأول في فلسطين والأردن، وممّن تركوا أثراً باقياً في الحياة الأدبية والفكرية والأكاديمية والممارسة النقدية.

وقال أبو هشهش لـ "ذوات" إن الراحل من "الرعيل الموسوعي الثقافة الرصين التكوين"، فمثل هؤلاء الأساتذة الكبار كانوا راسخين في التراث العربي القديم والتراث الكلاسيكي العالمي، بقدر ما هم منفتحون على أحدث التيارات الفكرية والنقدية، إنه جيل من الأساتذة الذين كانوا يتقنون العربية وكأنّهم عاشوا في عصور ازدهارها، ويتكلمون إنجليزية رفيعة، ويلمّون باللاتينية واليونانية القديمة، كتبوا في الأدب القديم والنقد الحديث بالقدر نفسه من الكفاءة والتخصص.

ويشيد أبو هشهش بالراحل على الصعيد الأكاديمي والإنساني؛ حيث "كان أستاذاً فذاً فريداً من نوعه؛ فقد كان شديد الحرص على طلابه مخلصاً في تدريسه، وفي إشرافه على الرسائل الجامعية، يقرأ ما يكتب الطالب، ويصحح ويصوب ويحيل إلى مراجع، ويدقق كل شيء مرة بعد مرة"، متابعاً أن ياغي كان "كثير الرعاية لطلابه يستقبلهم في بيته ويجلسون مع أفراد عائلته على مائدته، وكانت زوجته حياة ملحس –التي فارقت الحياة مؤخراً- وارفة الحضور والرعاية لهم، وكأنهم من عائلتها الصغيرة"؛ إذ يستذكر أبو هشهش أنه كان واحداً من هؤلاء الطلاب الذين يدينون له ولشقيقه الراحل الدكتور هاشم ياغي بشكل خاص، ولكل الأساتذة الكبار في الجامعة الأردنية آنذاك عموماً، بالفضل الكبير.

كما يسجل لياغي، وفق أبو هشهش، أنه "كان إنساناً جريئاً شديد المعارضة، عاش حياة طويلة حافلة وقضاها كما يرغب لا يهادن ولا يجامل في قناعاته".

ويشير أبو هشهش إلى أن أستاذه ياغي أطلعه على سيرته الذاتية التي أنجزها وهي مخطوط لم ينشر بعنوان "عبد"، كتبها "نُزُولاً عند إلحاح المحبيّن الذين تمنّوا عليه أن يوثّق هذه المرحلة الحافلة الصّاخبة من حياته الخاصّة التي ترتبط في الوقت نفسه بتاريخ كامل من التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة".

 

صاحب مواقف مشرفة

من جهته اعتبر الناقد ورئيس رابطة الكتاب الأردنيين الدكتور زياد أبو لبن رحيل ياغي، خسارة للساحة النقدية الأدبية العربية والأردنية، غير أنّ عزاء فقده أنه ترك للأجيال مؤلفات في النقد تشهد على جهد العلماء الكبار، الذين أفنوا أعمارهم في البحث والتقصّي، وتركوا بصماتهم الواضحة في الثقافة العربية، ويشهد على مسيرتهم العلمية طلابهم في الجامعات، الذين أخلصوا في العمل الثقافي والأكاديمي.

وأشار أبو لبن إلى أنّ "الراحل كان صاحب مواقف مشرفة في قضايا الأمة ومصيرها، لا يخشى القول، محباً للناس -وإن اختلفوا معه في الرأي- لا يتعصب للقديم لقدمه أو للحديث لحداثته، وقد أخلص في العمل النقابي عندما تولى رئاسة رابطة الكتاب".

 

ياغي في فضاء المعرفة والثقافة

من جانبه أشار المفكر السوري جاد الكريم الجباعي إلى أنّ الآثار الأدبية والفنية والعلمية قد تنوب عن أصحابها، وتستحضرهم أو تذكّر بهم، ولكنها لا تنوب عن آثارهم الأخلاقية وأدوارهم الاجتماعية؛ إذ إنّ الثقافة، التي تستحق اسمها "ممارسة أخلاقية، اجتماعية وإنسانية، مثلها مثل ممارسة الكتابة والنقد والتحقيق وتأريخ الأفكار، التي برع بها الراحل براعة يشهد له بها جميع رصفائه".

وينوه الجباعي إلى أن بعض المبدعين يؤثرون في حياة مجتمعهم، تأثيراً عميقاً، بعضه لا يدرك إدراكاً مباشراً، مع أنه لا يقل أهمية عن أعمالهم المنشورة وغير المنشورة، في مجالات الإبداع الأدبية منها والفنية والعلمية، "ومن هؤلاء ياغي الكاتب والناقد والباحث والمحقق، الأستاذ والأكاديمي، الفلسطيني المصري الأردني".

الأثر الذي لا يقل أهمية عن الأعمال المنشورة أو المخطوطة للراحل الكبير، وفق الجباعي، هو إسهامه في تأسيس الجامعة الأردنية، واستئناف عمله في التعليم في رحابها، وما غرسه في نفوس أجيال متعاقبة من طلابه من معارف وقيم، وإسهامه في تأسيس رابطة الكتاب الأردنيين، والتي لم تكن، برأي الجباعي، مجرد منبر ثقافي حر، أو مجرد مؤسسة نقابية، "بل كانت وما تزال بيئة لإنتاج المعرفة وساحة للحوار اللذين يجددان المعرفة ويثريان الثقافة، وكان للراحل أطيب الأثر وأعمقه، في هذا وذاك".

"زعيم" جيل آمن بالأدب

الناقد والقاص الأردني الدكتور سليمان الأزرعي نوّه بوفاء الراحل لنهجه الأدبي فقد كان "يشكل أباً وجدّاً للحركة الأدبية في الأردن وفلسطين، وسيظل عزاؤنا فيما خلفه من أعمال أدبية وكتب نقدية وفكرية"، كما أنه ترك وراءه جيلاً من النقاد والباحثين الذين لعبوا دوراً مكملاً في الحياة الأدبية وفي إتمام رسالة الراحل في ترسيخ قواعد ومنهج الواقعية والواقعية الاشتراكية.

ووصف الأزرعي الراحل بأنه "زعيم لجيل آمن بالأدب والثقافة والمدرسة الواقعية الاشتراكية، ومدرسة الفن للحياة التي كان يرسخها في عقول تلامذته وزملائه الأدباء وأعضاء رابطة الكتاب الأردنيين عندما كان يترأسها لسنوات عديدة ويسدّد خطاها".

واكتظت مواقع التواصل الاجتماعي باستذكار المآثر التي تركها الراحل ياغي، حيث نعاه كثيرون من طلبته وأصدقائه وزملائه وأحبته وقرائه. وكتب الدكتور موسى برهومة، أستاذ الإعلام بالجامعة الأمريكية في دبي، على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "أستاذي الدكتور الذي لا يرحل أبداً سيبقى، ما بقي الدهر، من أبرز منائر التنوير الشاهقة في المشرق العربيّ. لقد حرّض أرواحنا على الثورة والتمرّد وتحطيم الأواني الهشّة للهندسة الاجتماعية، وجعل النقد اشتباكاً مع الحياة والسياسة والطغاة، وليس نظراً محايداً في النصوص".

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق