عبد الكريم جويطي بمختبر السرديات : أكتبُ لأستأنف الحياة
05 مايو 2017 | 0 تعليق

عزيزة انتيفي *

لم يخلف مختبر السرديات وعده مع الروائي عبد الكريم الجويطي الفائز بجائزة المغرب للكتاب في صنف السرديات لهذه السنة، وهو يستضيفه بعد زوال أمس الخميس 4 مايو 2017  بقاعة عبد الواحد خيري بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك. وقد سير هذا اللقاء مدير المختبر شعيب حليفي، وعرف حضورا كبيرا غصت به القاعة.

وتميزت الندوة التي انعقدت بتنسيق مع ماستر السرد الأدبي الحديث والأشكال الثقافية بمساهمة طلبة الماستر الذين قدموا مداخلات نقدية حول المنجز الروائي لعبد الكريم جويطي من خلال  روايات ، ليل الشمس، وزغاريد الموت، وكتيبة الخراب، ثم رواية المغاربة.

جدل الرواية والتخييل والتاريخ

ابتدأت المداخلات بورقة مصطفى المصمودي " ثنائية الجفاف والخصوبة في رواية ليل الشمس "، حاول  فيها  رصد الجانب الاجتماعي من خلال ثنائية الجفاف و الخصوبة، حيث يحضر الجفاف في الرواية، باعتباره عنوانا تكرر بأشكال مختلفة ( جفاف الأرض – جفاف البئر – جفاف النهر ) فكانت هذه هي النقطة التي انبثقت منها الأحداث الروائية ، بينما حضرت الخصوبة بنية وحلما يشغل بال أهل القرية وإن حاولوا تناسيه، لينتقل بعد ذلك للتأكيد على ضرورة استحضار بعض العناصر الجمالية إلى جانب التمثلات الذهنية المجتمعية ، ومنها: تعدد الملفوظات وتعالقها، حيث وظف جويطي تعددا لغويا بين الفصيح و الدارج عبر من خلاله عن الأوعاء المختلفة للطبقات الاجتماعية ، ثم تداخل الأجناس، حيث تعددت الأشكال التعبيرية الحاضرة في النص الروائي وأهم حضور لهذا التداخل هو الشعر في شكل مقاطع شعرية محبوكة هي وليدة السياق الداخلي للرواية ، لينتهي المتدخل في النهاية إلى خلاصة مفادها أن رواية ليل الشمس كانت مرآة حاول من خلالها الكاتب رصد الواقع المغربي وتشظياته ( الجفاف – العزلة – صعوبة العيش  في البادية).

أما المداخلة الثانية، فكانت لمحمد العلمي، فقد ركزت على " التخييل باعتباره آلية منهجية لتمثل الهوية في رواية زغاريد الموت "، منطلقا في رصد  دلالة العنوان التي تجمع بين المتناقضين ( الموت – الزغاريد ) هذا التناقض الذي يمكن أن يفهم منه أن الرواية ستقارب مواضيع وتيمات ذات أبعاد إنسانية يمكن وصفها بالمأساوية والتراجيدية، سمتها البارزة هي الموت، لكنها على الرغم من كل ذلك تجابه بالفرح والسرور والزغاريد ، لينتقل بعد ذلك إلى  التفكير في الماضي و أفق التخييل في  النص ، في محاولة لرصد العلاقة بين التخييل والتاريخ ، ليخلص في الأخير إلى كون الرواية توسلت بالتاريخ مستلهمة من أحداثه مادة حكائية غنية، أسهمت في بنية النص الروائي ككلية موحدة . أما القيمة التي يختزلها البعد التفكيري في الرواية، فيتجلى في تمثيلها للعمق الوجودي المتصل بالإنسان المغربي عامة وتثبيت كينونته وهويته على أرضه  من خلال الصراع الذي صورته الرواية بين المستعمر كهوية جديدة ودخيلة، وبين الأنا الضعيف الذي لا يستحق الوجود في نظر الآخر ، مستنتجا في نهاية المداخلة إلى  أن رواية " زغاريد الموت " حاولت التفكير في معطيات التاريخ عبر قناة الرمزية و الانزياح  والجمالية .

وقدمت زهيرة أيت بعيس ورقة بعنوان "بني ملال بين زمن الغفوة وزمن التذكر من خلال رواية كتيبة الخراب "، حيث سعت الرواية إلى نفض الغبار عن الذاكرة والنبش من خلال استحضار أحداث الماضي لمحو طلاسم النسيان التي تجرد الإنسان من هويته الثقافية، ومن خلال تسليط الضوء على مجموعة من العلائق الاجتماعية والإدارية الموبوءة والمحجوبة من أجل رصد أسباب الانهيارات الباطنية للواقع المعيش لمدينة بني ملال، كالمؤسسة الإدارية التي تصورها الرواية بوصفها سببا رئيسا للتناقضات الموجودة في المجتمع وسببا للرتابة القاتلة وسط الفئات الاجتماعية التي تنتمي للجهاز الإداري، وبذلك كانت الرواية، كما خلصت إلى ذلك المداخلة، ترصد قتامة الوقع الإداري والاجتماعي.

وحول موضوع ''الكتابة وسيلة لإعلان الهزيمة'' قراءة في رواية المغارب ، تدخل مهدي أيت بعراب معتبرا أن الرواية بطابعها السوداوي تعري الواقع الظالم والسيئ، وتكشف عن التاريخ المغربي المأساوي الذي ينعكس في خمس حكايات أوردها عبد الكريم جويطي في روايته " المغاربة "، هي حكاية الراوي الأعمى محمد الغافقي وحكاية العسكري  وحكاية الباشا وحكاية الاكتشاف الغامض المتعلق بالجماجم،  ثم حكاية العشق. فالحكايات الخمس هي عبارة عن تمظهرات مختلفة للهزيمة التي لحقت الإنسان المغربي، وخلفت لنا ثلاثة أنواع من الهزيمة؛ الهزيمة الأولى مرتبطة بالتاريخ ومررها الكاتب انطلاقا من تسمية البطل "محمد الغافقي" إشارة إلى شخصية تاريخية اسمها "عبد الرحمان الغافقي" بالهزيمة ، الشكل الثاني هو الهزيمة في السلطة، هذا الشكل الذي عبر عنه المتدخل انطلاقا من رصد الروائي للأضرار التي خلفتها سنوات الجمر والرصاص، إضافة إلى سوء اختيار الحكام، ثم انتقل إلى آخر شكل، وهو الهزيمة في الحب الذي ارتبط بفشل البطل في الزواج من عشيقته، لذلك فرواية المغاربة هي" ديوان للهزيمة المغربية".

وعرف النقاش ، بعد التدخلات كلمة الأستاذ ميلود العثماني الذي  قدم  قراءة لرواية " المغاربة " مؤكدا على صعوبة أو استحالة قراءتها بدون الاطلاع على الرأسمال التخييلي للمغاربة ، لأنه بدون الرجوع إليه لن يكون منصفا قراءة مقصدية العمل الأدبي ، فقراءة رواية المغاربة يلزم بالضرورة معرفة التاريخ المغربي و المغاربي ، ثم ختم حديثة بمجموعة من الأسئلة التي أفرزتها الرواية في نفسه، ومنها  سؤال الهوية " من نكون؟". 

كلمات الروائي

وفي الختام، أعطى عبد الكريم الجويطي لهذا اللقاء نكهة خاصة، بتلقائيته في الحديث وبوحه، الذي تطرق فيه إلى أمور حميمية، مشركا الحضور في حياته الخاصة ومطلعا إياه على المطبخ الداخلي لكتابته. وذكر ابن بني ملال أنه كان يبكي، وهو يكتب روايته "المغاربة" ليس فقط لأنه كتبها بإحساس أنها تشكل وصيته الأخيرة إلى شعب هو واحد منه، ولكن لأن الفكرة التي تتمحور حولها الرواية تتعلق بفائض العنف السائد عبر التاريخ بين أبناء هذا الشعب.

وقال جويطي في هذا الصدد: "أسوأ شيء في المغرب أن المقهورين يتلذذون بممارسة العنف على بعضهم البعض، نحن المهزومون والمحبطون بارعون في تدمير بعضنا". وأضاف أن تاريخ المغرب يتسم بعنف كبير جدا، وأن المغاربة كانوا دوما يقتلون بعضهم البعض، إذ غالبا ما كانت تغير قبيلة على أخرى لتنهبها وتبيد أفرادها، معتبرا أن هذا العنف لم يزل مستمرا إلى الآن وإن اتخذ صبغة رمزية.

وأعطى عبد الكريم الجويطي مثالا بالسياسيين المغاربة، الذين يقدمون صورة بارزة عن هذا العنف الموروث، والذي يتفجر كطاقة مدمرة لا يمكن التحكم فيها. وتطرق إلى التراشق بالسباب والاتهامات الذي حصل بين بنكيران وشباط ولشكر وبقية "زعماء" أحزاب الزمن المغربي الراهن. وفي مقابل هذا العنف، أبدى صاحب "ليل الشمس" حنقه على اهتمام المغاربة بقضايا سطحية، ضاربا المثل بقضية سعد المجرد الذي شغل البلاد والعباد أشهرا طويلة.

ورأى أيضا في هذا الانشغال بمثل هذه القضايا السطحية صورة واضحة عن التفاهة المعممة. وتساءل عن أي إنسان مغربي هذا الذي لا يملك القدرة على التمييز، ولا يملك ذوقا، قبل أن يؤكد أن السيطرة على المجتمعات تكره العقل النقدي، وأكد أن تجفيف منابع الخيال من شأنه أن يخلق صحراء اجتماعية في بلد صار اليوم يعيش بلا رموز.

وبخصوص تعامله مع التاريخ، قال صاحب "المغاربة"، إنه يستند إلى مقولة ابن خلدون الذي يرى أن التاريخ صناعة، وهو كان دوما يتعاطى معه بوصفه خيالا، معتبرا أن تاريخ المغرب، شأن كل تاريخ رسمي، كتبه الأقوياء، أما المهزومون فلا تاريخ لهم. وأوضح أنه قرأ مئات كتب التاريخ قبل كتابة "المغاربة" إيمانا منه بأن كتابة الرواية تقتضي الاستناد على معرفة وعمل وإرادة، وأن ما يذكر عن الموهبة مجرد وهم.

أما عن علاقته بالجوائز، فذكر الجويطي أنها لا تحيي نصا ولا تقتله. وأن ما يدفعه للكتابة ليس المال ولا الشهرة، وإنما هو التعبير بصدق عن القضايا التي تهم الناس، مؤكدا أن الكتابة لا تؤمن لصاحبها حتى ثمن فنجان قهوة. واعتبر أن الرواية التي لا تقلق القارئ ولا تطرح عليه أسئلة لا تستحق اسمها. كما برر جو القتامة الذي يغلف "المغاربة" بقتامة الواقع نفسه وبأن الفرح ليس مهنة الأدب وإلا لما كتبه التعساء.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق