عصمت نصار: الفلسفة طوق النجاة من التطرف والإرهاب
26 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

ذوات

أكد المفكر المصري الدكتور عصمت نصار أن القضاء على التطرف والإرهاب لا يحتاج إلى خطابات مُدبجة أو خطب على المنابر ذات درس لغوي ومفعمةٍ بكل ما يثبت ضلال ضالين وبراءة الأصوليين من علماء الأمة وحماة الدين، بل إنّ الأمة الإسلامية تحتاج إلى تأسيس مشروعات كبرى تنصب جميعها لتفعيل هذه الغاية؛ أي القضاء على التطرف والإرهاب.

واستهل أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي في جامعة بني سويف المصرية وأحد أبرز المفكرين الذين عالجوا قضية التطرف لدى الجماعات الإسلامية في معظم كتبه حديثه في حوار أجراه معه الباحث المصري محمد أحمد الصغير ونشر في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، بأنه عاصر الإرهاب بكل أشكاله وأنواعه بداية من الإرهاب الفكري المتمثل في الاستبداد بالرأي والحجر على حرية الأغيار في التعبير والبوح، والاستبداد السياسي الذي يطيح بكل المخالفين، والاستبداد العقائدي الذي يكفر ويتهم الخصم المجتهد بكل ما يُنفر منه ويسيء إليه.

أخطر شيء على الدين هو استحالته إلى أيديولوجية، كما أنّ المصيبة الكبرى التي توقع بالمتدينين هي اشتغالهم للسياسة أو لتسيس مصالح الساسة باسم الدين

كما يشير د. نصار إلى أنه عاصر كذلك إرهاب "الخوارج المعاصرين" الذين ضلوا وأضلوا وقادهم جهلهم إلى الإرهاب وتبديد أمن المسلمين، وصد الناس عن الدين فكانوا مضرب النماذج في الانحطاط والمروق، الأمر الذي مكّن المتعصبين والملحدين من رمي الإسلام بما ليس فيه، وأحيوا افتراءات غلاة المستشرقين على أصول الإسلام ونبيّه الكريم، حتى أمسى الإسلام في الدوائر الغربية مرادفاً للغدر والتطرف والهمجية والجهل والكذب والعدوان وغير ذلك من نعوت طالما حاربها أصل الإسلام.

وفيما يتعلق بالحديث عن بعض الجماعات الإسلامية التي اعتمدت على كتابات مفكرين أباحوا استخدام العنف وسيلةً للإصلاح، يبين نصار أن هناك بعض النصوص بُترت من سياقاتها، وكتب اُنتزعت من البيئة الثقافية التى نبتت فيها، وقد استثمرت هذه الجماعات بعض الفتاوى والأحكام التي صدرت عن عصبة من المجتهدين وعلى رأسهم ابن تيمية وابن الصلاح ومحمد بن عبد الوهاب ثم سيد قطب والأعلى المودودي وغيرهم من الذين أثرت كتاباتهم في عقول الجماعات الجانحة وبرامجها ووجهاتها.

أيسر السبل للتخلص من أثر هذه الكتابات، وفق نصار، هو نقدها نقداً علمياً وتحليل أفكارها من الوجهة الشرعية، وتوضيح الملابسات والأوهام والأسباب التي أدت إلى انتهاج أصحابها هذا المنحى من التشدد ذلك الذي جنح بهم عن وسطية الإسلام، والترويج في الوقت نفسه للكتابات التراثية التي جمعت بين طياتها بين صحيح المنقول وصريح المعقول مثل كتابات فلاسفة الإسلام والمفكرين المعتدلين المحدثين.

ويرى المفكر المصري، أن مصادرة الكتب أو سجن أصحابها "ليس من الحكمة في شيء"، قائلاً: الجنوح لا يستقيم إلا بالثقيف، والشطح والتجديف لا يُقوم إلى بالتصحيح وتعيين مواضع التحريف، ويتراءى لي أنّ المناظرات العلمية حول هذه الكتب في المجالس الثقافية والبرامج التوجيهية هي الأيسر والأفضل.

أما عن دور الخطاب الفلسفي فهو بطبيعة الحال غائب، بحسب نصار الذي ينوه إلى أن المشتغلين بالبحث الفلسفي كان عليهم أن يُسلحوا طلابهم، على قلتهم، بمناهج النقد والحوار والمقارنة والموازنة وغير ذلك من آليات التحليل والاستنباط والاستدلال، الأمر الذي يُمكن عصبة من صفوة المثقفين من مجابهة هذه الكتابات.

تسييس الدين

وشدد د.نصار على أن أخطر شيء على الدين هو استحالته إلى أيديولوجية، كما أنّ المصيبة الكبرى التي توقع بالمتدينين هي اشتغالهم للسياسة أو لتسيس مصالح الساسة باسم الدين، منوها إلى أن جميع المتطرفين يجتمعون على دستور واحد قوامه التعصب والعنف وتمزيق الأمة الإسلامية والحيلولة بين وحدة أقطارها.

وأوضح أن الآفة بين هذه الجماعات هي غيبة الدربة والدراية في فهم النصوص المقدسة وما هو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة وما دونها من الموروث الديني الذي يعتمد على ضمني الثبوت وظني الدلالة، فالخلط بينهما يؤدي حتماً إلى سوء الفهم، فالاعتماد على قراءاتٍ دون غيرها لا ينتج عنه سوى التعصب.

وصرح نصار بأنّ الخطاب الفلسفي المعاصر لم يفلح في الجمع بين الثابت والمتغير في سياقاته، ولم يحسن فض النزاع المتوهم بين المنقول والمعقول ولم ينجح في التمييز بين التجديد والتبديد، فضلاً عن أنّ لغته وقعت في شرك الإيديولوجية وفقدت مرونة الحوار، وجعلت من التفكير العقلي مرادفاً للكفر، ومن التدين مرادفاً للجمود والتخلف.

الفلسفة طوق النجاة

وعن السبيل لتجديد الخطاب الفلسفي والديني ومساهمته في نبذ العنف والإرهاب، يكون، بحسب نصار، في فتح باب الحوار بين المنهج الفلسفي العقلي والنهج الديني في استيعاب النص وتجديده، مشيراً إلى أن قادة الفكر الإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين اجتهدوا في تثقيف المجتمع على نحو يحول بينه وبين التطرف في كل صوره، والابتعاد عن التقليد، والتبعية في شتى دروبها، مؤكداً أن وظيفة الفلسفة هي التفسير والتبرير وقيادة ثورة التغيير، وكل ذلك نفتقر إليه في أحاديثنا ومناظراتنا وخطاباتنا على قلتها، حتى بات الخطاب الفلسفي من أعداء الحرية.

ويعتبر د.نصار أنّ الفلسفة هي "طوق النجاة" لكل ما نحن فيه من تردٍّ وانحطاط، وسبيلنا الأقوم للنهوض والرقي، وقصد بالفلسفة (المنهج)؛ فالمنهج هو الآلية التي تمكننا من إحياء التراث ونقد الوافد والفصل بين ثوابت الهوية والمتغيرات الحضارية في التجديد، وهي التي تقوم بتوعية الرأي العام القائد وترشده إلى ما يجب الأخذ به وما ينبغي العزوف عنه وتؤهل الرأي العام التابع بقبول التحديث والمبادئ العلمية وأصول المدنية، فضلاً عن أن الفلسفة تنقذ المجتمعات من الأوهام الأربعة؛ خرافات الموروث، والمعتقدات الزائفة، ولجاجة العوام والسفسطة، وأكاذيب أصحاب السلطة والمشاهير ومزيفي الوعي، وهي كذلك التي تستطيع التمييز بين الأفكار الزائفة والحقيقة والخيال والواقع، وتمكن الأنا من الحوار الهادئ مع الآخر لذلك كله أرى ضرورة إعادة بناء كل برامجنا التعليمية والثقافية على أسس فلسفية.

الخطاب الفلسفي المصري المعاصر

وتحدث د. نصار عن الخطاب الفلسفي المصري المعاصر، وكيفية تجديده، مشيراً إلى أن معظم المجددين الذين تحدث عنهم في كتبه كانوا يتفقون على عدة سمات وثوابت على تباينهم في الرؤى، أهمها؛ العمل على نقد التراث وتخليصه من كل آفات الجمود والتقليد، وإعمال العقل فى الاجتهاد والتجديد، فضلاً عن الإيمان بأنّ الحرية من المقاصد الشرعية دون إفراط أو تفريط، وأنّ نهوض الأمة في الجمع بين النظر والعمل والتمسك بين مشخصات الهوية، وعدم الانجراف في وحل التبعية لمظاهر المدنية الغربية، وأنّ منهج الإصلاح يجب أن ينبع من الداخل، فالأفكار والنظريات المستوردة ليست صالحة دوماً في تطبيقها على الثقافات المغايرة.

البنية الثقافية اليوم لا يمكنها أن تنبت أو تلفظ فلاسفة بالمعنى المتعارف عليه، إلا إذا عولنا في ذلك على قانون الطفرة والمصادفة.

وتابع حديثه أن للعلمانية والعولمة والحداثة والاشتراتكية والليبرالية إيجابيات وسلبيات، وعلى قادة الرأي في الثقافة العربية الإسلامية استيعابها وانتخاب ما يصلح منها للتطبيق بعد نقده وتطويعه بصبغته الثقافية، فإذا كان العلم ليس له وطن، فإنّ لكل عالم وطناً يجب أن يسعى إلى إنهاضه، والدفاع عنه، وأنّ رسالة الإصلاح في تحدي الصعاب والقدرة على تجييش الرأي العام لتطبيق خطة التقويم والتحديث.

وعن إمكانية استعادة العقل المصري للريادة مرة أخرى في الفكر الفلسفي يقول نصار: إنّ علم تاريخ الأفكار قد مكن الباحثين المعاصرين من الوقوف على مواطن التأثير والتأثر بين الثقافات، فمعظم الأفكار الفلسفية اليونانية كثيرًا ما نجد لها أصولاً متشابهة في الثقافة المصرية والهندية والفارسية، كما أنّ فلاسفة اليونان لم ينكروا تتلمذهم على يد حكماء مصر، وأنّ من يطالع ما كتب في الإلياذة والأوديسا من أساطير سوف يدرك مدى تشابه النسيج الأسطوري في الكتابات الهومرية وما ورد فى أساطير المصريين حول طبيعة النفس والنعيم والجحيم في العالم الأخروي وقصة الطوفان وغير ذلك من أفكار قد لعبت الدور الرئيس في العديد من النظريات الفلسفية اليونانية. أما قياس ذلك على ما نحن فيه فلا يكون، فالفلسفة مخاض الثقافة التي تنبت فيها، وأعتقد أنّ البنية الثقافية اليوم لا يمكنها أن تنبت أو تلفظ فلاسفة بالمعنى المتعارف عليه، إلا إذا عولنا في ذلك على قانون الطفرة والمصادفة.

 

لقراءة الحوار كاملا انقر هنا

https://goo.gl/XblK0d

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق