عقيدة الانتظار بين الواقع والتمنّي: نزول عيسى أنموذجًا
13 مايو 2016 | 0 تعليق

ذوات

يقارب الباحث يوسف هريمة في هذه الدراسة  عقيدة "نزول المسيح"  في الثقافة الدينية الإسلامية، باعتبارها  فكرة  تخترق  التصورات الدينية خصوصا ، أو الإنسانية بشكل عام، وهي في نظره فكرة تشكل  هاجس الشّعوب المقهورة والمستضعفة. ولم يلجأ إليها الإنسان إلاّ تعبيرًا عن هذا الحلم بعالم مثالي، يقوده المخلِّص أو المنقذ أو المهدي أو المسيح. ذلك العالم المملوء بالخير والعدل والحقّ، والذي ستتغيّر فيه معالم هذا الكون، حيث ينمحي من هذا الوجود أيّ دين غير الإسلام، في تعبيرات توضّح هاجس العقل المتدين، الذي لا يطيق أصالة الاختلاف. ويسعى عبر مخياله الجمعي إلى الظّفر بعالم تنتهي فيه كلّ الخصوصيات، ولا يبقى هناك أثر إلا لنمطية المذهب أو العقيدة أو الدين.

لم تخرج عقيدة نزول المسيح على فكرة الانتظار التّوراتية، أو الإنسانية بشكل عام، على اعتبار أنّ فكرة الانتظار هي هاجس الشّعوب المقهورة والمستضعفة. ولم يلجأ إليها الإنسان إلاّ تعبيرا عن هذا الحلم بعالم مثالي، يقوده المخلِّص أو المنقذ أو المهدي أو المسيح؛ ذلك العالم المملوء بالخير والعدل والحقّ، والذي ستتغيّر فيه معالم هذا الكون، حيث ينمحي من هذا الوجود أيّ دين غير الإسلام، في تعبيرات توضّح هاجس العقل المتدين، الذي لا يطيق أصالة الاختلاف. ويسعى عبر مخياله الجمعي إلى الظّفر بعالم تنتهي فيه كلّ الخصوصيات، ولا يبقى هناك أثر إلا لنمطية المذهب أو العقيدة أو الدين.

وإذا ما حاولنا تتبّع عقيدة الانتظار في أشكالها المختلفة، وعند من اعتنقوها سواء من الأوائل أو المتأخّرين، نجد أنّ هناك بعداً واحدا يتحكّم في مفاصل هذه العقيدة، وهو عقدة الإحساس بالنّقص. فكلّ الأقوام والمذاهب والطّوائف التي آمنت بها، ميَّزتْها ظروفها الاجتماعية القاهرة، وحركات الاضطهاد التي تعرّضت لها. فالعامل النّفسي هنا محرّك أساسيّ في قراءة هذا الواقع الذي يتوق إلى التّغيير من خلال الإيهام الكاذب أو خداع الذّات كما يسميها ألفرد آدلر، حيث يلجأ الإنسان إلى خداع ذاته بدل مواجهة العقبات التي تعترض طريقه.

 هذا ما يفسّر لنا ظهور مجموعة من المخلّصين في ثقافات متباينة وبأسماء مختلفة، قاسمها المشترك، إعادة العدل والحقّ والخير إلى الأرض، وتمكين هذه الشّعوب من الأرض، وإقامة موازين الحقّ والمساواة، وطرد الظّالمين ودحرهم. فظهرت مثلاً عن المصريين القدامى فكرة النّيل وما مثله في الوعي الجمعي حينذاك، والإله تموز عند العراقيين، وكرشنا عند البوذيين، وسوشيانت عند الزرادشتيين، والمهدي عند الشّيعة والسّنّة، والطبقة البروليتارية عند الشّيوعيين، وهكذا دواليك...

للخوض في هذا الموضوع اخترنا تتبع عقيدة الانتظار، باعتبارها واحدة من العقائد التي برز فيها مفهوم التثاقف بشكل جلي، حيث اعتمدنا على المقارنة بين نظرة اليهودية، والمسيحية، ثم الإسلام. وقبلهما الديانة الزرادشتية، بوصفها مصدرا لهذه العقيدة. كما حاولنا ولو بشكل موجز قراءة هذه العقيدة في أبعادها السيكولوجية، حيث لم تخرج عن هذا البعد الإنساني التواق إلى الخلاص، حينما تعوزه الحيلة، أو تتكالب عليه المحن. فكلما تعرض الإنسان، أو المجتمعات إلى نكسات أو إحباطات، إلا واشتغل هذا العقل ليؤسس له مخلصه، ومنقذه. وكأن قدر هذا الإنسان الوجودي، يحتم عليه البحث عن آفاق من الآمال، كلما حاصرته الآلام.

سبق بالرجوع إلى السياق الإسلامي، نؤكد أنّ الطّرح الذي نرمي إليه هو التَّأصيل للأُسُس والمرجعيات الثّقافية التي تنهل منها الرِّواية؛ فهي من جهة تعبيرٌ عن مرحلة نفسية واجتماعية وسياسية. ومن جهة أخرى، مكوِّن إيديولوجي بالبُعد الذي تقوم فيه الإيديولوجية بدور الإخفاء والتّجميع والتبرير؛ فالإسرائيليات التي هي جانب من جوانب الرِّواية تعكس التَّثاقف الذي أحدثَتْه  في بنائها وشائج من الثِّقة على مستوى التَّأطير العقدي والفكري والذّهني لمن يؤمن بصدقها، أو يؤمِن بالمنهج الذي يؤدي إلى تصديقها؛ فنحن أمام تحدٍّ واقعيٍّ يجعلنا نقارب الموضوع بكثير من الدّقة، ونتعامل معه على أساس أنّه رواية أو ثقافة شفهية. فإنْ صمد جزِمنا بصدقيته، وإن انهار بناؤه لا نكلّف أنفسنا إلاّ أنْ نقول بأنّه جزءٌ من موروث ديني، وثقافي، اختلط فيه الصِّدق بالكذب، والحقّ بالباطل، والمقدَّس بالمدنّس، والإلهي بالبشري، إلى ما لا نهاية من هذه الثنائيات والمتناقضات.

لا زالت الثقافة الروائية تحمل الكثير من المفاهيم المتناقضة مع البناء الذي رسمه لها واضعوها والمؤسِّسون لها. ويبقى السّؤال مطروحاً على هذه البنية الثّقافية من خلال ما تطرحه من نماذج إنسانية، ومشاريع يمكنُها أنْ تؤسِّس لما قد يحلُم به كل واحد منّا، مهْمَا كان توجُّهه أو منطلقه الفكري. من هنا سنحاول تعميق هذه الفكرة لتصل بنا إلى رؤية تنقذنا من الانزلاق إلى منعطف خطير تريد أنْ توصلنا إليه الرّواية في بعدها الإيديولوجي، المشبع بحمولات ثقافية عبَّرت كما قلنا سابقا عن واقعها، أو عن الأفق الذهني الذي كانت تتحرّك من خلاله. فالخطير في هذه الثّقافة ليس منهجها فحسب، بل مآلاتها وامتداداتها العميقة في بنية المجتمع.

هل كان الإسلام مجرّد ناقلٍ لهذه التصوّرات والأماني دون أنْ تكون له وجهة نظر واضحة في الموضوع؟. وإذا كان الفكر المسيحاني بصورته اليهودية أو المسيحية مجرد حياكة لبعض أساطير التّوراة القديمة، فهل كتب الإسلام الخلود لمثل هذه الأساطير؟.

هذه الأسئلة وغيرها تجرّنا إلى البحث في طبيعة هذا الموضوع الإشكالي، من أجل رؤية أعمق وأوضح. لكن قبل أنْ نخوض غماره لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإسلام لم يكن بمعزل عن حركة التّأثير والتأثّر الحاصلة بين مختلف الأديان والمذاهب، حيث انتقلت الكثير من المفاهيم إلى الحقل الديني، أهمّها ما نحن بصدد دراسته؛ إذّ إنّ هذه العقيدة اليهودية المسيحية الضاربة في أعماق التاريخ، تحوّلت بفعل روايات، ونتيجة ظروف تاريخية إلى  آثار نسبت إلى النبي محمد، وغذّتها آمال النّاس وتوقّعاتهم وأحلامهم. كما وجدت قواعد وأصولاً تحميها من المساءلة والنّقد، لتصبح هذه الأفكار، والأساطير الإنسانية بتجلّياتها اليهودية والمسيحية، عقيدة راسخة في وجدان المسلم، يغذّيها ويحميها، ويؤسّس لها من خلال التّنظير الفكري والسياسي.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق