علي بن تميم متعدّد حالم متنوّر يعيش الحياة كقصيدة
29 سبتمبر 2016 | 0 تعليق

د. علي بن تميم – (من صفحته على الفيسبوك)
ذوات

في صوته، الذي تغلّفه بُحّة شجيّة، يكمن سرٌ من أسرار علي بن تميم، الناقد والأكاديمي والكاتب الصحفي الإماراتي الذي استطاع أن يحقّق، في سنوات قليلة، ما عجز كثيرون عن تحقيقه في عقود.

وكلّ من يعشق الشعر واقترب من بن تميم لا بد أنه غيرُ مفارقه، فالرجل تذوب في فمه القصيدة كحبّات السكر، لا سيما إن هو شدا بشعر المتنبي، وراح يسهب في مطولاته، كاشفاً عن حافظة مبهرة مسكونة بالجمال.

مخاوفي كلها منصبّة على الحاضر، وأنا أعتقد بأنّ المستقبل سيكون رائعاً، لكنني عندما أتذكر بأنني ذاهب إلى المستقبل أصاب بالقلق الوجودي

يقول عنه الناقد الدكتور أحمد خريس إنه "شاعر في الأساس، وله مطولة شعرية، وله موقع إلكتروني قديم صمّمه وحده، وكتب مادته، يهتم بالأدب اسمه مرايا، (من أوائل الشبكات التي تحاول أن تقدم للقارئ العربي مكتبة رقمية عن الأدب العربي)، وهو أعرف الناس بالوزن الشعري، فأذنه موسيقية وتلتقط الكسر بسهولة". وقد أجاد أيما إجادة في انتقاء وإلقاء النصوص الشعرية المصوّرة التي يبثها على قناة "اليوتيوب".

وهو، فضلاً عن مهاراته في كتابة الشعر وحفظه وإلقائه على نحو يبعث على الخشوع والشجن، ناقدٌ، وكاتب في الشؤون السياسية والفكرية، وفي محاربة الظلام. ويتجلى ذلك في مقالاته ومساجلاته على مواقع التواصل الاجتماعي، وتواصله مع وسائل الإعلام، حيث طالبَ، في حوار نشرته أخيراً صحيفة "عكاظ" السعودية، بضرورة التوجه نحو "إزاحة معوقات التجديد والتنوير، وتحصين الثقافة الخليجية من التطرف والإرهاب والعنف وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية". ودعا أيضاً إلى "صنع الانسجام بين الأصالة والمعاصرة، خصوصاً أنّ التيارات الإسلامية تبني تنظيماً سياسياً في الأدب وتتبناه مشروعاً، في حين أنّ الحداثة لا تعدو أصواتاً فردية حرة"، معتبراً أنّ "المنطقة لا زالت تعاني من ثقافة الاستهلاك، خصوصاً مع وسائل التواصل والتقنيات الحديثة".

ويحضّ بن تميم على إعلاء شأن الثقافة ودعم المثقفين ومنحهم المكانة اللائقة بهم، معتبراً أنّ "السبب في ظهور تيارات متشددة يتمثل في عدم وجود خطاب ثقافي موازٍ أو مناهض لها، ما جعلها تستغل عاطفة البعض وتضع أسس التشدد. وهو يحذّر من السماح لما يسميها "الخطابات الثقافية الوافدة" بأن تخترق مجتمعاتنا. مشدّداً على أنّ "الثقافة أولاً، وبعدها تأتي المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية".

درَس بن تميم في جامعة الإمارات، ثم أتمّ دراساته العليا في الأردن بجامعة اليرموك، ودرس في الولايات المتحدة (جامعة جورج تاون) والمملكة المتحدة (جامعة إكستر)، وحضر فصولاً في النظرية الأدبية.

كلّ من يعشق الشعر واقترب من علي بن تميم لا بد أنه غيرُ مفارقه، فالرجل تذوب في فمه القصيدة كحبّات السكر، لا سيما إن هو شدا بشعر المتنبي

أسّس ابن تميم تخصصاً فرعياً بجامعة الإمارات عن دراسات المرأة بعنوان "المرأة والثقافة"، ويُعد من التخصصات الأولى في الجامعات العربية. ويأمل أن يساعد هذا التخصص الطلبة في دولة الإمارات "على أن يكتشفوا منظوراً جديداً لتحليل الظواهر الثقافية، وأن ينمّي لديهم القدرة على قراءة النصوص والمشاركة، لأنه يعتمد منهجية ذاتية في تأويل النصوص والتمثيلات الثقافية، ويرتبط بواقعهم، علاوة على أنه يساعد المرأة على الإبداع، لأنه يتحدث عن دور المرأة في التاريخ والإعلام والأدب واللغة. والمرأة عندما تتعرف على تاريخها فإنها تؤسس تقاليد إبداعية ومعرفية، وتقوم بإعادة قراءتها ضمن منظورات جديدة، فالإنسان بدون ذاكرة لا يستطيع أن يكتب أو يبدع أو يفكر، ولذلك فإنّ تخصص دراسات المرأة يُظهر الذاكرة النسوية المغيّبة، وهذه الذاكرة ليست جامدة ونمطية، وإنما ذاكرة متحولة ومرهونة بالواقع المعاصر".

وبن تميم، فضلاً عن إلماعاته الفكرية، إداري من الطراز الرفيع، رغم أنه لا يزعم ذلك، لكنّ مَن خَبِره عن قرب يستطيع أن يؤكد بلاغته وطول نفسه في إدارة الملفات التي يتولاها أو تُسند إليه، فقد أبلى بلاءً حسناً حينما تولى رئاسة مجلس إدارة مركز جامع الشيخ زايد الكبير خلال الفترة من 2008 إلى 2011، وجعل من المكان قبلة ثقافية، ومنارة فكرية، ومعلماً تاريخياً يذكّر بالمساجد الكبرى العريقة في تاريخ الإسلام.

وعندما أطلق موقع 24 الإخباري في أبوظبي، كان يتحرك في بيئة تفتقر إلى هذه المنصات الإعلامية، فبرع في الأمر، وراح من بعده كثيرون يحاكون صنيعه، وكذلك فعل في الملفات الأخرى التي تولاها، وبعضها لا يكشف عنه، لكنه يبلي فيها البلاء الأكثر كمالاً، ما يجعل الرجل مستنزَفاً وكثير الانشغال، وعظيم الإنجاز، رغم ما يعتمل في روحه من رغبات لمغازلة الجمال الكامل في حروف قصيدة، أو مغنّاة، أو مقطوعة موسيقية، أو روح حارة تضجّ بها الطبيعة والكائنات.

وقد سئل، ذات حوار، عن مخاوفه من المستقبل، فردّ: "مخاوفي كلها منصبّة على الحاضر، وأنا أعتقد بأنّ المستقبل سيكون رائعاً، فلا يقلقني المستقبل أبداً، لكنني عندما أتذكر بأنني ذاهب إلى المستقبل أصاب بالقلق الوجودي، لأنني أشعر بأنني أبتعد عن الحياة وأقترب من الموت، أنأى عن الشباب والجنون والعاطفة لأقترب من الكبر والزهد والحكمة والعقل".

وفي سياق نجاحات بن تميم، يشير الناقد الدكتور أحمد خريس إلى جهده الهائل في تطوير مشروع كلمة للترجمة، "الذي استلمه جثة هامدة وأعاد ابتعاثه من جديد، فمن كتب مترجمة لا تزيد في أفضل الأحوال عن الخمسين، إلى ما يناهز الألف".

ويسعى مشروع "كلمة" كما يقول بن تميم إلى "ربط الثقافة المحلية والعربية بالعالمية، من أجل تطوير الذات والبحث عن استلهامات إنسانية مثمرة لتحقيق التنمية والإبداع، والتعرّف على خصوصية المجتمعات الاخرى.وينطلق المشروع من وعي وإدراك حقيقيين لما تمثلة حركة الترجمة من دور في نهضة الشعوب، وتفاعلها مع الآخر، وتوفير نقاط التّماس المشتركة، وردم الهوة الفاصلة بين الثقافات، ونشر التقارب الحضاري بين الذات والآخر".

أما فيما خص جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي يتولى فيها علي بن تميم منصب "الأمين العام" منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، فيقول خريس لـ"ذوات": أشهد أنّ الرجل لم يتدخل ولو مرة واحدة في قرارات لجان القراءة، ولم يوجّه الأمور باتجاه ما دون آخر.

وبن تميم عضو لجنة تحكيم في مسابقة "أمير الشعراء" الذي ساهمت، كما يقول، في تأسيس مشروع ثقافي عربي يترقبه العرب من المحيط إلى الخليج، مشيراً إلى دور المسابقة في تواصل الشعراء، وتعزيز حضورهم على المستوى العربي.

وبسؤاله حول استدعائه التاريخ والنصوص الغائبة في إضاءاته النقدية على القصائد في مسابقة "أمير الشعراء"، يقول "أنا أفهم النص بأنه عبارة عن مجرّة من النصوص الغائبة، لا يستطيع الشاعر أو المبدع الابتعاد عنها، أحاول بالتالي اكتشاف غيابات النص، وكيف يستطيع الشاعر قراءة الماضي من خلال نصه، وهل قراءتة تعتمد على القوة أم الضعف، وهل سيتمكن أن يضيف في كتابتة أم لا. طبعاً لا توجد كتابة أو من المستحيل إلى حدٍ ما أن يكتب الشاعر بمعزل عن أسلافه، بالتالي أنا أضع نفسي في تلك اللحظة لأكون في الحاضر والماضي مع الشاعر".

حصل بن تميم على درجة الدكتوراة من جامعة اليرموك الأردنية في النظرية الأدبية والنقدية، بإشراف الناقد الدكتور خليل الشيخ الذي يقول عنه لـ"ذوات": "يوم جاء علي بن تميم إلى جامعة اليرموك للحصول على الدكتوراة، كان طالباً استثنائياً بكل المقاييس. كان اطلاعه على الأدبيات المعاصرة والنقد الحديث لافتاً، وكانت قدرته على النقاش العلمي واضحة مثلما كان يمتلك تصوراً منهجياً في مقاربة الموضوعات؛ فلا يقفز إلى النتيجة بل يصل إليها بعد محاجّة منهجية".

أصر بن تميم، كما يذكر الشيخ، على الذهاب إلى إنجلترا "ليكون قادراً على متابعة المرجعيات  النقدية باللغة الانجليزية". وعن هذه التجربة يقول علي بن تميم في أحد حواراته: "بداياتي لم تكن لتقود إلى ما أنا عليه الآن، كنت أعدّ نفسي لأكون شاعراً، لكنّ تغلب عليّ حبي للقراءات النقدية، ومع ذلك فأنا أحاول أن أسترجع ذلك الشاعر الغائب، وكنت وما أزال يشغلني أمر هو أن أنفتح على الآخر".

يقول عنه د. خليل الشيخ: شخصيته مرحة ومتفتحة، بعيدة عن التعصب، تكره الانغلاق وتحب الخير للجميع. أقدّر فيه عالياً احترامه لأساتذته

 ويتابع "كنت في بداياتي، مثل غيري، لا أقرأ إلا النقد العربي، لكن بتفتح حواسي وجدت نفسي على ضفاف النقد الأنجلو الأميركي، وتخيّل معي البداية التي كانت عربية خالصة، ثم المحصلة النهائية التي بدأت بالثقافة المهجّنة، وبإمكاني الإشارة هنا إلى أنني بدأت مقيّداً بالذات، وانتهيت لأكون منفتحاً ومهجّناً بالآخر. تجاربي في الحياة جعلتني أشعر بأهمية الآخر المهمش في حياتنا، ولذلك تجدني أميل لاتجاهات النقد فيما بعد البنيوية مثل التفكيك ودراسات السود والنقد البيئي ودراسات المرأة وما بعد الاستعمار، لكنني لم أكن قادراً على استيعاب هذه الاتجاهات عن طريق الترجمة، فقرّرت أن أسافر إلى الولايات المتحدة وإنجلترا من أجل متابعة هذه التيارات في لغتها الأصلية، وقد نجحت في بلوغ هدفي، وهذا ما ساعد على انفتاح نافذة الآخر عليّ، فتابعت بشكل جيد الإصدارات الأدبية والنقدية الإنجليزية".

 وعندما عزم بن تميم على اختيار موضوع أطروحته للدكتوراة، راح يختار موضوعاً صعباً وشائكاً. يقول مشرفه "أشفقتُ عليه عندما تصدى للكتابة عن تلقي محفوظ في النقد العربي الحديث؛ لأنّ الموضوع مترامي الأطراف، ولأنه موضوع مركّب وخلافي، ويحتاج إلى بصر بمناهج التلقي والتاويل. لكنه نهض بالموضوع على نحو متميز، وكتب أطروحة ستظل مرجعية لهذا الموضوع المتشعب إلى زمن يطول".

 ويلفت الناقد خليل الشيخ إلى أنّ بن تميم "كان يحرص على معرفة طبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية في الأردن، ويتابع حركة الإبداع فيه، ويتصل ببعض المبدعين. وكان يلفت نظري يومها جلدُه الكبير في القراءة، والرغبة في الإحاطة بموضوعه".

وعن مناقبه الخاصة، يقول "شخصيته مرحة ومتفتحة، بعيدة عن التعصب، تكره الانغلاق وتحب الخير للجميع. أقدّر فيه عالياً احترامه لأساتذته، ووفاءه لأصدقائه، ونبله وترفعه عن الصغائر، وحبه الخير للناس، وكرمه الفيّاض، وصفاء نفسيته".

 وأبرز سمات بن تميم، في نظر خريس، أنه يستطيع القراءة بين السطور، "ولم أرَ مثله في تمييز الناس، ومعرفة العالم من المتعالم، وهو شهم وكريم، ووفيّ لأصدقائه".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق