غابرييل فاسكيز: الرواية كشفً للعلاقة المتبادلة بين الفرد والتاريخ
08 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

د. محمد الظاهر *

" الروايات تجعلنا على بينة حول العلاقة المتبادلة بين الفرد والتاريخ، وكيف يعمل هذا الزواج الغريب". هذا ما قاله خوان غابرييل فاسكيز، في مقابلة أجرتها معه سيلفيا باترنوسترو. وهذه العبارة موجز بليغ الدلالة لرحلة فاسكيز الروائية: فالغموض لديه لا يساوي شيئا إذا ما قيس بمهارته في استغلال الخصوصيات التاريخية لما هو أبعد من حدود العمل الروائي. فهذا الأمر يتطلب كاتبا متمرسا في القراءة، طالب تاريخ يقف على قدم المساواة مع كل من بورخيس وغور فيدال. وفاسكيز هو أقرب شبها لفيدال من بورخيس. فهو يعطي طاقة جديدة للرواية التاريخية، والاعتراف بمكانتها في عصر " نسي كيفية التفكير تاريخيا" كما يقول فريدريك جيمسون.

يمكن القول إن غابرييل فاسكيز أصبح الآن واحدا من أفضل أبناء جيله الذين يكتبون باللغة الإسبانية، وهو يعد نفسه لخلافة غابرييل غارسيا ماركيز أبرز الكتاب الكولمبيين، بل وأبرز الكتاب في العالم. فهو مثل ماركيز الذي كتب ( مائة عام من العزلة ) ، غادر بلاده من أجل بدء رحلته الأدبية، أولا من خلال دراسته للأدب في جامعة السوربون. وثانيا، لأن باريس هي المكان المميز للكولومبيين الذين يريدون التخصص في أدب أمريكا اللاتينية، وعلينا أن نتذكر أن كل الكتاب البارزين أمضوا سنوات التكوين في باريس. وعلى الرغم من أن هؤلاء الكتاب العظام قد سعوا إلى تمييز أنفسهم عن أسلافهم التقلديين، إلا أنهم اتبعوا نفس التقاليد العريقة التي كانت سائدة بين طبقة النخبة في أمريكا اللاتينية. ولذلك كان لا بد لفاسكيز من التوجه إلى الخارج. مفضلا باريس على غيرها من المهاجر الأوروبية.

وعلى الرغم من الشبه الكبير بين مشروعه ومشاريع الكتاب العظام، إلا أن فاسكيز ينفي ومنذ فترة طويلة فكرة قتل الأب الأدبي، مدعيا أن ( مائة عام من العزلة ) كان واحدا أهم الكتب التي جعلته يرغب أن يكون كاتبا. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل من الصعب تصنيف فاسكيز، ووضعه جنبا إلى جنب مع معاصريه من الكتاب. وعلى الرغم من أنه يشترك مع كتاب مكسيكيين آخرين، مثل خورخي فولبي وأجناسيو باديلا، إلا شخصيته الروائية تشير إلى أنه قد ذهب إلى ما هو أبعد مما هو معروف عن رواية أمريكا اللاتينية التي تحتوي على جرعات كبيرة من الغرائبية التي تعرف بالواقعية السحرية. كما أنه لا يبدو عليه أنه ينتمي إلى هذا الجيل، لأنه لم يكتب أبدا عن أشياء خارج نطاق أمريكا اللاتينية. فهو بدلا من ذلك يقوم بدراسة بلاده من خلال التقاليد المستعادة للرواية التاريخية، وهو الجنس الأدبي الذي تم تجاهله في اتجاهات ما بعد الحداثة في كل من الامريكيتين الشمالية واللاتينية. لقد تجاوز تقنيات السرد في بعض أعمال كورتازار وغابرييل غارسيا ماركيز، ليعمل بدلا من ذلك على استعادة تقنيات الواقعية الإنجليزية في بداية القرن الماضي ممثلة بأعمال جوزيف كونراد الذي كان يشكل رمزا كبيرا للعديد من الأسماء الكولومبية. جنبا إلى جنب مع نيبول، باعتبارهما من أهم الكتاب  الذين علموه كيفية " رؤية التاريخ من حلال الأفراد"، وهو التعبير المختصر الذي يستخدمه ويوظفه في رواياته.

لقد كتب فاكيز سيرة لكونراد في روايته ( التاريخ السري لكوستاغوانا ) التي صدرت عام 2007، مشيرا إلى جمهورية ناشئة متخلية في أمريكا اللاتينية، والتي صورها على أنها بلد محطم على غرار ما صور فيه كونراد كولومبيا في القرن التاسع عشر، حيث يروي فيها الأحداث من خلال خوسيه التراميرانو الذي كان والده مانويل من الصحفيين الذين يعملون في الصحافة الصفراء، والذي كان وراء محاولة فرنسا التي أجهضت، لبناء أول قناة عبر برزخ بنما، والذي كان في ذلك الوقت تابعا لكولومبيا. وفي هذا السياق كتب فاسكيز روايته السابقة ( المخبرون ) التي صدرت عام 2004، لتعيد رواية التاريخ المهمل للاضطهاد الذي عانى منه المهاجرون الألمان إلى كولومبيا خلال الحرب العالمية الثانية. وكلتا الروايتين حاول المؤلف فيها استغلال الأسلوب الصحفي للبحث عن الحلقات المنسية من التاريخ الكولومبي.

وفي الوقت الذي نرى فيه أن تلك الأعمال قد صورت الأحداث الأقل درامية في ماضي كولومبيا، فإننا نجد أن رواية ( صوت الأشياء المتداعية ) تهتم بفترة  سيئة السمعة وحديثة نسبيا في تاريخ البلاد: الفوضى التي سادت سنوات الثمانينيات والتسعينيات، وهي الفترة التي سيكون سكان بوغوتا سعداء لو أنهم استطاعوا نسيانها. في هذين العقدين كانت البلاد في قبضة بابلو إسكوبار الذي اتصفت سلطته بالبذخ الصارخ. تفتتح الرواية بعملية اغتيال، ففي عام 2009، تمكن فرس نهر - ذكر لونه كاللؤلؤ الأسود- ، من الهروب من حديقة حيوانات خاصة يملكها إسكوبار أحد كبار تجار المخدرات، وهي من مناطق الجذب التي يرتادها المراهقون الذين يتغيبون عن مدارسهم للعب فيها.

واضافة إلى إحيائه للرواية التاريخية، نجد فاسكير يلفت انتباهنا إلى فن لم يكن واضحا وسط تجاوزات أدب ما بعد الحداثة. فبالرغم من أسلوبه المحافظ، إلا أنه حكواتي بالفطرة، يخرج منه النثر معسولا وسهل الهضم. فالمقطع الذي يصف فيه فرس النهر أنيق ودقيق وعنيف على حد سواء، وهو الأسلوب المثالي لفاسكيز، والذي أضافت المترجمة آن ماكلين عليه طلاوة خبرتها.

الرماة الذين وجدوا أنفسهم محاصرين أطلقوا الرصاصة على رأسه أولا، ثم أطلقوا رصاصة ثانية على قلبه. ( كانت الرصاصتان من عيار 375، كي تكونا قادرتين على اختراق جلد فرس النهر السميك ) لقد أربكتهم تلك الجثة الميتة. فهي كتلة من التجاعيد، تشبه نيزكا سقط على التو أمام الكاميرات والمتفرجين، تحت شجرة السيبا تحميهم من الشمس الحارقة. موضحا أن وزن ذلك الحيوان لم يمكنهم من نقله كاملا، فبدأوا بتقطيعه وتمزيقه على الفور.

لقد قتل فرس النهر أمام رفيقته وابنهما الصغير. إنها رمزية خطيرة ومكثفة تروي مصير حالات إنسانية مماثلة. وهذه هي التقنية الكلاسيكية لدى فاسكيز: فقد نشرت الصحف هذا الاغتيال المثير للجدل لفرس النهر الهارب من إسكوبار، ليصبح حافزا يهز ذاكرة الراوي أنطونيو يامارا، ويعود به إلى الوراء، إلى عام 1996، عندما كانت بلاده ما تزال تعاني من العنف المنظم. في ذلك الوقت، في أيام مطارداته ومعاشرة للنساء في قاعة السباحة؛ أي قبل فترة طويلة من إصابته بالإحباط الجنسي، ليصبح محاميا يروي لنا أنه في عام 2009، التقى بزميل السجن الغامض ريكاردو لافاردي. وفي هذا الإطار السردي، نرى أن فاسكيز قد استعار الكثير من تقنيات الرواية الواقعية في القرن التاسع عشر، والتي أصبحت استراتيجية محببة لديه، فقد وظف الكثير من تنويعات هذه التقنيات في رواياته السابقة.

عنوان ( صوت الأشياء المتداعية ) يشير إلى حادث تحطم طائرة ( أفيانكا ) في رحلتها 203، وهي الطائرة التي قام إسكوبار بتخريبها على أمل مقتل مرشح الرئاسة الذي لم يكن لحسن الحظ على متن تلك الطائرة، تماما كما يشير الرواي في رواية فاسكيز مشيرا بالتحديد إلى العثور على صندوق أسود آخر لطائرة منكوبة أخرى، هذا الصندوق الذي يستمع إليه يامارا بقلق شديد، بعد أن يكتشف تسجيلا  للافاردي وهو يبكي قبل لحظات من اغتياله في الشارع العام.

إنها نظرة عابرة، وعلاقة عرضية بينهما، لكن هذه العلاقة تدل على تاريخ أوسع للعنف في كولومبيا الذي يهتم به فاسكيز أيما اهتمام.الصندوق الأسود هو الدليل الوحيد على أن يامارا يعرف قصة لافاردي التي صمم على كشفها، مهما كان الثمن الذي سيدفعه في علاقاته الشخصية والمهنية. لقد أصبح لافاردي بالنسبة إلى كل من يامارا وفاسكيز على حد سواء، نقطة الإرتكاز للوسائل التي يشكل فيها الأفراد والظواهر التاريخية بعضها بعضا وبشكل متبادل. نقاط الارتكاز هذه تظهر في كل روايات فاسكيز: فبالرغم من أنه مسكون بهواجس الحالات الطارئة  بعيدة المدى تاريخيا، إلا أنه أكثر اهتماما بتصوير ذلك من خلال هوس شخصياته، ومشاعرها ومآسيها الشخصية. فهو واحد من أفضل الروائيين الواقعيين الذين يصورون حياة حقبة تاريخية، بصدماتها واضطراباتها، من خلال بورتريه مفصل للأفراد.

جورج لوكاش وهيغل، اسمان بارزان من " حملة الوعي للتقدم التاريخي"، فهما العلمان اللذان يعرفان تغير مسار التاريخ " عالم الأفراد التاريخيين ". بابلو إسكوبار مثال عملي حي، حيث تشير روايات فاسكيز إلى أننا يمكن أن نكون جميعا شخصيات ثانوية في التاريخ. في ( كوستاغوانا )، نجد مانويل التاميرانو الكاتب التافه الذي يكتب لصحيفة صغيرة على هامش ما بعد الاستعمار، لا يتوقف عن دعم نفوذ قوة تاريخية عالمية، حيث نرى كيف تؤدي تقاريره المزورة إلى كارثة القناة الأولى، وإلى العديد من الكوارث التي تحضر في الرواية؟ هذا السرد ذو التأثير المتبادل بين التاريخ والأفراد يعود للظهور ثانية في رواية ( صوت الأشياء المتداعية )، حيث نرى بطل الرواية لافاردي يتعلم أشياء بسيطة لكنها كونية، إذ يتعلم أن الوقوع في الحب يمكن أن يؤدي تورط محوري في تجارة المخدرات العابرة للبحر الكاريبي، وإلى الخسارة والبؤس.

تظل ( كوستاغوانا ) أفضل كتاب لخوان غابرييل فاسكيز، ولكن ( صوت الأشياء المتداعية ) تمتلك الطموح في الوصول إلى وجدان الجيل الجديد، فهي تكافح من أجل تصوير الواقع المعاش للرأسمالية المتأخرة، هذا الواقع الذي أصبح مترابطا ومتقلبا على الصعيد العالمي، وعابرا لمسافات شاسعة وأقواس طويلة من الزمن، حيث أصبح في الإمكان أن يكون كل شخص حاملا لأعراض روح هيغل للتاريخ أو ضحية لها. هذا السرد الشعري يكمن بالضبط في عدم معرفته للنتائج التي تنتظر شخصياته، أو أية قضية ستكون في انتظار قرائه.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق