غادة السمان ومصارع العشاق
11 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

* الكاتب والإعلامي الأردني الدكتور موسى برهومة
د. موسى برهومة*

سيكون علينا، ربما، أنّ ننتظر كاتباً آخر كان صريع الهوى في عشق غادة السمان، الأديبة السورية التي أسست طريقة في النثر المسبوك المشبع بالجمال الشعري الخالص، حتى إنّ بعض المتحمسن لكتاباتها شبّهوها بنزار قباني لجهة أناقة روح المفردة لديها وحساسيتها المترفة، ودعوتها إلى التمرد وكسر الأنساق.

بيْد أنّ ذلك على أهميته، ليس هو وحسب ما يميّز صاحبة "عيناك قدري"، فلدى الأديبة السورية، التي كانت في شبابها على حظ وافر من السحر والأنوثة والفتنة، مواهب أخرى غير مسبوقة، ونعني بها نبش الماضي العاطفي لعشاقها عندما يرحلون.

فقبل أن تفجّر مفاجأتها الأخيرة في معرض بيروت للكتاب، بنشرها رسائل الشاعر اللبناني الراحل أنسي الحاج لها، كانت نشرت رسائل الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني إليها، ما أثار عاصفة من الردود المتعارضة المتصلة بأخلاقية هذا الفعل. وهل من حق السمان أن تنشر هذه الرسائل التي تظهر عليها الطبائع الشخصية، وتكشف لحظات انكسار أشخاص في حب امرأة تبدو "عابثة"، وهي التي صرّحت بأنّ غسان كنفاني "أحب رجالي إلى قلبي".

ولا يظنّن أحد أنّ كلمة "عابثة" تنطوي على إدانة أخلاقية، فهذا شأن خاص وأمر ذاتي، لكنه حين يتعدى الذات إلى الآخر يغدو أمراً لا صلة له بالعبث الشخصي، لأنه يطاول أحياناً العبث بتاريخ المشاعر، وسرية فيوضات البوح، وحماية الأثير من الأحاسيس من الانفضاح والتفسخ في فضاء العلانية، وهذا حق إنساني لا يتعين، تحت أية ذريعة، انتهاكه.

وربما تحتاج رسائل كنفاني والحاج إلى غادة السمان إلى تحليل نفسي، يشمل أيضاً هذا الهوس لدى السمان بأن تظل ترسم لنفسها صورة المرأة المعشوقة التي تمزّق أفئدة العشاق والمحبين الذين يهرقون أحياناً ماء كرامتهم تذلّلاً لها، فيما هي، وهنا الطامة الكبرى، "غير عابئة بهم" طالما أنّ لديها رجالها الآخرين، ولا ندري إن كان من بين رجالها هؤلاء ضحايا قادمون على مذبح العشق السمّاني!

وما يصدّع حكايات الحب التي خاضها رجال غادة السمان معها، هي أنها تنشر رسائلهم بعد رحيلهم، ثم إنها، وهنا الفاجعة، تخفي رسائلها إلى أولئك العشاق، فتكشف جزءاً من الحقيقة التي تجعلنا نزعم أنّ من يفعل ذلك، قد لا ينشر الرسائل كاملة، فيأخذ يعبث بها تحريراً وانتقائية أو إقصائية. وليس لأحد أن يتثبّت من شيء ما دام الشهود أصبحوا شهداء أو راحلين!

تبرّر السمان عدم نشرها رسائلها إلى غسان كنفاني بأنّ تلك الرسائل ضاعت بحريق منزلها في بيروت أثناء الحرب، فكيف احترقت رسائل غادة إلى غسان، ونجت من النار رسائل غسان إلى غادة. والأمر ذاته ينطبق على الرسائل الأخيرة مع أنسي الحاج (وربما لا تكون الأخيرة حقاً)!

في إحدى رسائل غسان إليها يلاحظ القارئ نزعة لدى السمان بتحطيم الهالة عن هذا الرجل، معلّلة ذلك بأنّ ثمة ميلاً دائماً في الأدب العربي بالذات لرسم "المناضل" في صورة "السوبرمان" الذي عليه أن يتجنّب السحر الأنثوي. وفي رسائل غسان، كما تظن، "صورة للمناضل من الداخل قبل أن يدخل في سجن الأسطورة، ويتم تحويله من رجل إلى تمثال في الكواليس المسرحية السياسية".

لذا تشعر السمان بزهو لا يُضاهى، وهي ترى هذا التمثال يتهاوى، وهو يتضرّع من شاهقه إليها، باعتبارها أكثر علواً وسمواً، وهو يذرف أحاسيسه الفيّاضة في حبّ امرأة تتقصّد الاختباء وراء الصمت، تعميقاً لنرجسية متفاقمة ظنناها ذوت، فجاءت رسائل أنسي الحاج، لتبعث الجمر من رماده القديم.

في مقطع من إحدى رسائل غسان إليها يقول صاحب "رجال في الشمس": "ليقف الفارس في ذلك الخلاء الأجرد ويصيح في وجه الريح: إنني أحبك! فذاك هو قدره الذي تتوازى فيه الخسارة بالربح. إنك الخصب أيتها الجميلة الشقية.. ليس ثمة إلا أن أنتظرك في غيابك وفي حضورك. في الشمس وفي المطر، تحت تطاير الكلمات من شفاهنا وبين التصاقهما. وثمة حقول من طحلب غير مرئي اسمه الانتظار تنمو على راحتي يدينا حين تمطر فوقهما المصافحة".

وإن كانت السمان تزعم أنّ علاقتها مع غسان انتهت، أو لم تستمر لأنه كان متزوجاً، ولديه ابنان، فذلك زعم لا يستقيم والمنطق، خصوصاً إذا ما علمنا أن علاقتها بكنفاني استمرت خمس سنوات، وكان غسان في أثنائها متزوجاً. فلماذا خشيت عليه بعد انقضاء تلك المدة الطويلة، وهو الذي يلهج بالحبّ لها وبرغبته أن يظل معها. وما أثر ذلك على صورة كنفاني نفسه في نظر امرأته وطفليه، وفي نظر المؤمنين به وبقضيته ورسالته وأدبه. يقول لها غسان في إحدى الرسائل:

"إن الشروق يذهلني، رغم الستارة التي تحوله إلى شرائح وتذكرني بألوف الحواجز التي تجعل من المستقبل - أمامي - مجرد شرائح.... وأشعر بصفاء لا مثيل له مثل صفاء النهاية ورغم ذلك فأنا أريد أن أظل معك، لا أريد أن تغيب عني عيناك اللتان أعطتاني ما عجز كل شيء انتزعته في هذا العالم من إعطائي . ببساطة لأني أحبك. وأحبك كثيراً يا غادة، وسيُدَمرُ الكثير مني إن أفقدك، وأنا أعرف أنّ غبار الأيام سيترسب على الجرح، ولكنني أعرف بنفس المقدار أنه سيكون مثل جروح جسدي: تلتهب كلما هبت عليها الريح".

ويقول كنفاني الذي يقال، كما تروّج أوساط غادة، أنه لعق حذاءها أو كان على استعداد لذلك:

"تعرفين أنني أتعذب، وأنني لا أعرف ماذا أريد، تعرفين أنني أغار وأحترق وأشتهي وأتعذب. تعرفين أنني حائر وأنني غارق في ألف شوكة برية، تعرفين، ورغم ذلك فأنت فوق ذلك كله تحولينني أحياناً إلى مجرد تافه آخر". ويقول في أخرى: "إنني على عتبة جنون، ولكني أعرف قبل أي إنسان آخر أنّ وجودك معي جنون آخر له طعم اللذة". ويتابع: "ها أنذا متروك هنا كشيء على رصيف انتظار طويل".

وفي رسالة معاتبة رقيقة يقول فيها رداً على رسالة وصلته منها (إذا كان ثمة رسائل التهما حريق بيروت!!):

"ولقد آلمتني رسالتك. ضننت عليّ بكلمة حارة واحدة واستطعتِ أن تظلي أسبوعاً أو أكثر دون أن أخطر على بالك، يا للخيبة! ورغم ذلك فها أنا أكتب لك: مع عاطف شربنا نخبك تلك الليلة في الماي فير وتحدثنا عنك وأكلنا التسقية بصمت، فيما كان صاحب المطعم ينظر إلينا نظرته إلى شخصين أضاعا شيئاً.

متى سترجعين؟ متى ستكتبين لي حقاً؟ متى ستشعرين أنني أستحقك؟ إنني انتظرت، وأنتظر، وأظل أقول لك: خذيني تحت عينيك..".

وما عاناه غسان كنفاني، كان ثمة ضحية أخرى تعانيه، بعدما تضرّجت بدماء مشاعرها الرسائل العاطفية الملهوفة إلى غادة السمان، في الفترة ذاتها، أي مطالع ستينيات العام الماضي. وكان الضحية الأخرى التي جرى الكشف عنها هو أنسي الحاج الذي كان ذا ستة وعشرين عاماً ويكبر بست سنوات غادة التي كانت تدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت.

ومن طبيعة الرسائل الزمنية يتجلى أنّ "العلاقة" بين الحاج والسمان لم تعمّر طويلاً، فكانت سريعة وخاطفة وغامضة، وبدت مشاعر صاحب ديوان "لن" وأحد روّاد قصيدة النثر، فيّاضة بلا ضفاف، لكنّ الأنكى من ذلك كله هو "اعتراف" غادة" في تقديمها للكتاب الذي ضم رسائل الحاج إليها: "لم أكتب لأنسي أية رسالة، فقد كنا نلتقي كل يوم تقريباً في مقهى الهورس شو - الحمرا أو مقهى الدولتشي فيتا والديبلومات - الروشة أو مقهى الأنكل سام".

أنسي الحاج هو الآخر كان متزوجاً وله ابنان، ولا يعرف أحد من أصدقائه، كما يُروى، عن علاقته بالسمان لا من قريب ولا من بعيد، ورحل الرجل بمهابة، كما رحل كنفاني متفجّراً. وكلا الشخصين ظلا في نظر الكثيرين رمزين مقدّرين، ولم يمنحا غادة السمان أي تفويض في الكشف عما هو حميمي وخاص في العلاقة معها. وهنا يكمن مأزق أخلاقيّ لا يبدو أنّ صاحبة "أعلنت عليك الحب" تعترف بفداحته، لأنها تذهب إلى أنّ هذه الرسائل، في جملتها، تكشف الوجه الآخر الجميل للشخص (كنفاني والحاج)، لكنها لا تقول لنا إن كانا يرغبان في كشف هذا الوجه، أو كانا يعشقان أن يختبئا وراء الأقنعة، وهذا حقهما بلا أدنى ريب. ولو أرادا أن يُفصحا عن لواعجهما، كما فعلت السمان عنوة، ومن طرف واحد، لأشهرا ذلك على الملأ، لاسيما وأنهما كاتبان مبدعان ومحترفان ولامعان في حقليهما، ولا يعوزهما أي سبب، سوى مانع الانكشاف والتهتك الذي مضت فيه السمان (عبر نشر الرسائل) إلى أقاصيه البعيدة.

تومئ السمان إلى أنها فكرت في إتلاف رسائل الحاج إليها، لكنها عدلت عن ذلك لقيمتها الأدبية، وربما فعلت ذلك لسبب يتعدى ذلك، ويتصل بالرغبة في بعث الزهو في الزمن والجسد والروح الذاوية على مذبح العمر. يقول أنسي المتولّه في حب غادة:

"غادة

صدري امتلأ بالدخان. أشعر بحاجة لا توصف، لا يصدقها العقل، إليكِ. أشعر بجوع إلى صدرك. بنهم إلى وجهك ويديكِ ودفئك وفمك وعنقك، إلى عينيك. بنَهَم إليك. أشعر بجوع وحشي إلى أخذك. إلى احتضانك واعتصارك وإعطائك كل ما فيّ من حاجة إلى أخذ الرعشة الإلهية وإعطائها. كياني كله تحفّز إليك. إنك تُخيّلين على أفكاري وتلتهمينني. هل أكمل يا غادة؟ هل أكمل محاولة وصف ما بي؟ أم أنك لا تبالين؟ أم أنك ستقولين لي أنك معتادة على هذا الهذيان؟ وأنه هذيان مؤقت؟ وأن الصحو الذي يعقبه يفضحه؟ أم أنك ستظلين تتسلحين بالهدوء والحكمة والصبر والتصبر والانتظار والدرس؟ ألا يكفيك؟ ألا ترين؟ ألا ترين؟ هل صُنعَت عيناك الرائعتان لتكونا رائعتين فقط لمن ينظر إليهما؟"..!

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق