غسان كنفاني: ذكريات حميمة
09 يوليو 2014 | 6 تعليق

محمد داودية*

كنت في منتصف الستينات، أتابع مقالة محمد حسنين هيكل الأسبوعية (بصراحة) في صحيفة "الأهرام" المصرية، ثم اكتشفت أن صحيفة "الأنوار" اللبنانية تنشر مقالة هيكل بالتزامن مع "الأهرام" وبالاتفاق معها، فأخذت أشتري "الأنوار" لقراءة هيكل. لكنّ كاتباً مذهلاً شدني. كان يكتب مقالة أسبوعية في ملحق الأنوار الثقافي، وكان أيضا يحرر الملحق، هو الكاتب "فارس فارس" الذي أزاح هيكل وحلّ محله عندي.

دفع لي الصديق المرحوم فايز محمود رواية بعنوان "رجال في الشمس" و قال لي إنه ذاهب وسمير نواف ومحمود كساب إلى إربد للقاء يحيى يخلف ومجموعة مثقفي إربد، وإنه متأكد أنني ساقرأ الرواية في غيبة السويعات تلك.

التهمتها، يوجد كاتب كهذا إذن. الله أكبر، هذا هو كاتبي وصديقي وقدوتي.

بحثت عن كل ما له صلة بهذا الروائي الفذ غسان كنفاني فلم يكن يدانيه عندي سوى فارس فارس كاتب الأنوار الأسبوعي الساحر الذي اكتشفت لاحقاً انه غسان كنفاني !!!!!

اندلعت حرب يونيو (حزيران) 1967 فذهبت والشهيد ميشيل النمري إلى مخفر المفرق للتطوّع. قررنا أن نساهم وأن ندق جدران الخزان. كان قائد المخفر يبكي، لا بل ينتحب. فاصفرّت وجوهنا من هول الصدمة، وانخرطنا في بكائنا المر، فقد دلّتنا دموع القائد على حجم الهزيمة.

وسقط هيكل مع زمرة أحمد سعيد وصلاح نصر وعبد الحكيم عامر وشلة الرقاصات و"الأونطجية" الذين خذلونا وضللونا وكانوا مسوخاً.

كان غسان كنفاني بوصلتي في ذلك الهجير والظلام الدامس. تابعته لا بل تبعته وأنا أقول لنفسي: حيثما يكون غسان أكون. فإذا به قائد في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وإذا بصديقي محمود كساب عضو في الجبهة، فحملت نفسي إلى عمان أبحث عن جبهتي. استقبلني في مكتب الجبهة الشعبية بجبل الأشرفية، وجه غاية في السماحة والبشاشة هو المناضل المرحوم حمدي مطر. قلت له: هل تعرف غسان كنفاني؟ ابتسم و قال: الرفيق غسان عاد إلى بيروت أمس بصحبة الحكيم. قلت له: للمرة الأولى أكون سيء الحظ، جئت أقابل غساناً أو الحكيم وها قد فشل مسعاي. امتصّ خيبتي وتقبّل آسفي وأنا أقول له: لم يخفف من خيبتي إلا دماثتك وتهذيبك ولطفك. من أنت؟ قال: أنا الرفيق أبو سمير. قلت لنفسي هذا قائد طيب يجدر أن أفاتحه. قلت: يا أبا سمير أريد أن أكون حيث يكون غسان كنفاني، في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. أمسك بالهاتف وقال لأحدهم اطلبلي غسان. بعد دقائق جاءه الجواب غسان في الشام وأظنه في الاعتقال والتحقيق.

ذهلت، ذهلت، يمكن إذن إيذاء الملائكة و الأطهار.

سجلت في الجبهة وأخذت أتابع غسان عبر مجلة "الهدف" الأسبوعية الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي كان غسان يرأس تحريرها.

هاجت شوارعنا ضد مشروع روجرز. أبلغوني أن غسان كنفاني قادم من بيروت ليشارك في مظاهرة إربد الحاشدة ضد المشروع، فذهبت من المفرق إلى إربد للمشاركة.

ارتفعت الشعارات الهادرة ترددها الجماهير الغاضبة:

(مش تكتيكي مش تكتيكي

الحل اللي فرضه الأمريكي)

وأخذت أكتب، وأنا أسير خلف عربة جيب صغيرة للجبهة الشعبية، بعض الشعارات على قصاصات ورق كان أحدهم يتناولها ويصرخ بها عبر الميكروفون:

(ثار ثار ثار ... شعبنا في الضفتين..

جبهة ضد الاستعمار ... من كوبا حتى البحرين).

بلغت خيبتي مداها عندما أبلغوني أن "محاذير" حالت دون قدوم غسان من بيروت.

كنت على وشك السفر إلى موسكو للانتظام في معهد لينين لإعداد القادة، حين نشبت أيلول 1970. كنا 5 شباب قد تجمعنا في معسكر الجبهة الشعبية في إرميمين تمهيداً للسفر حين صعقنا خبر إصطدام الجيش والمنظمات. كيف يمكن أن يتقاتل الأشقاء على حافة نهر يتفرج محتلّه سالماً غانماً على جثثنا تتساقط على الضفة الأخرى، بدل أن يتم ذلك على الضفة المحتلة؟

اغتال الموساد الإسرائيلي غسان كنفاني في بيروت في 8/7/1972 . لقد اقتطعوا قطعة من قلبي.

في صيف عام 1974 زرت الشهيد ميشيل النمري وعبد الحميد الشبيلات (ناصر) في بيروت، وكان كلاهما في الجبهة الديمقراطية، كان أول ما طلبته هو أن يأخذني ميشيل إلى مقبرة الشهداء في بيروت، وأن يتركني هناك "ساعة زمان".

لقد تقابلنا أخيراً غسان وأنا.

كان ضريح غسان مجللاً بالورود، وكانت تعلوه صورته داخل إطار زجاج.

ها هو صديقي يطلّ عليّ باسماً واثقاً طيباً.

عندما أنجبت شقيقتي في 17 سبتمبر (أيلول) 1975 نجلها الأول، سألني زوجها صديقي محمود كساب وشقيقتي خديجة معاً:

غسان؟ نسميه غساناً؟

أوشكت أن أقول بل سمياه غسان كنفاني.

أصبحت إلى الأبد خال غسان الذي سيظل حياً في قلبي.

*وزير أردني سابق

 

التعليقات السابقة

أكثر من رائع

جهاد جبارة
09 يوليو 2014‎

أطال الله عمر "غسان كنفاني" في قلبك وفي ذاكرة الآخرين.صدقني يا أبا عمر بأنك أكثر من رائع.

ذكريات

سعيد شقم
09 يوليو 2014‎

كل رضي السير في طريق... لكن البوصلة كانت واحدة... أما الآن فلا بوصلة ولا طريق....

مؤثر

أحمد فايز
10 يوليو 2014‎

بل بقي من غسان كنفاني الكثير ... الروح والتضحية وفلسطين حبيبته وقضيته.

محمد داوديّة

ماجد شاهين
12 يوليو 2014‎


بلا ألقاب .. محمد داودية .. كنت ُ دائماً أراهن على أنك أنت انت و لن تبرح مطرحك الذي كنتهَه و سيرتك التي نعرف نقاءها في المواقع التي أشغلتها كلّها !
.. أنا لا زلت أحفظ جملتك الأشهر في نصّ / مقال الصفحة الأخيرة في الأفق ، أيام كانت الصحافة مشروعاً أخلاقيّاً و وطنياً وقوميّاً ، يومها كانت جملتك :
( إذهبي يا ابنتي فأنت فلسطينيّة ! ) ، يومها كنت تهب عدن إلى فلسطين وتبعثها إلى فضاء الحريّة .
أنا أحترمك و أكثر .

شكرا

محمد داودية
15 اغسطس 2014‎

اشكركم على تعليقاتكم المكثفة أعزائي. نعم أخي ماجد شاهين عندما رزقني الله بابنتي البكر عدن كتبت. .. اذهبي يا بنية فأنت فلسطينية. تلكم هوية نضالية أعتز بها

المجد للشهداء

الحسين العماري
17 سبتمبر 2014‎

عندما نتدكر غسان كنفاني نتدكر قامة من القامات النضالية الشامخة غسان انسان لم يساوم يوما على بادئه ولم يتنازل عن شبر من ارض فلسطين لذلك التحق بركب الشهداء. فمجدا وخلودا له.

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق