فقيه العربية إسماعيل عمايرة يعانق الخلود
09 مايو 2017 | 0 تعليق

الدّكتور إسماعيل عمايرة
ذوات - منى شكري

يواصل الموت إطفاء منارات شاهقة شكّلت علامات فارقة في السّاحة الفكريّة والثّقافيّة والعلميّة، حيث فجعت الأوساط الأكاديميّة الأردنيّة والعربيّة بوفاة العلّامة في فقه اللّغة الدّكتور إسماعيل عمايرة، عن عمر يناهز 69 عاماً بعد معاناة مع المرض.   

ورغم الحزم الأكاديميّ لعمايرة؛ الّذي رحل في الخامس من أيّار (مايو) 2017، إلّا أنّه كان يمتلك دماثة خلق وتواضعًا أخجل كلّ من تعامل معه من طلبَته وأبنائه وزملائه وإخوته، حسبما أفادوا في رثائه، مذكّرين ببريق عينيه الوادع الذي "يعكس صفاء نفس وثقة عالم، العربيّة مبدؤه ومنتهاه، أخلص لها فبادلته حبًّا بحب".

العلّامة كان مدرسة في عزّة النّفس والتّواضع، حيث يقابل كلّ جحود ومصاب بصبر واحتساب.

ويذكر المقربون من الراحل أنّ الحياة كانت قاسية عليه، إلا أنه تصدّى لها بالصّبر، فلم يكد يبصر النّور في منتصف نيسان (إبريل) العام 1948، حتّى فجعت أسرته بعد شهر بقرار التّرحيل من مسقط رأسه (قرية خلدة) التّابعة لقضاء الرّملة، ليفقد في حياته اثنين من أشقائه وابنه أنس.

ولم تثن هذه النائبات، عمايرة عن المضيّ في رسالته في خدمة لغة الضاد التي كرّس لها حياته، منذ تخرّجه في الجامعة الأردنيّة عام 1971، فحقّق كتاب المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديّات (في النّحو واللغة)، لأبي عليّ الفارسيّ، وهي رسالته للماجستير من جامعة عين شمس عام 1978، والمسائل العَسْكريّات (في النّحو واللّغة) لأبي عليّ الفارسيّ، عام 1981، ووضع بالألمانيّة "جهود اللّغويّين العرب؛ بين النّظريّة والتّطبيق" رسالته للدّكتوراه في اللّسانيّات العربيّة  من جامعة (Erlangen ) بألمانيا الغربيّة عام 1983.

مجايلو الرّاحل وأصدقاؤه وطلّابه عبّروا عن حزنهم لرحيل العلّامة في فقه اللّغة، واستذكروا في تصريحات خاصّة لـ"ذوات" مناقبه؛ حيث توافقوا على أنّ عمايرة يتمتّع- إلى جانب دأبه في العمل- بإنسانيّته، وأثنوا على طيب معشره، ودماثته، وحنوّه، وعزّة نفسه، وتواضعه، وصبره وعدم مداهنته.

عُني الراحل عناية خاصّة بالعمل المعجميّ، فوضع، بالاشتراك مع الدّكتور عبد الحميد السّيد، معجم الأدوات والضّمائر في القرآن الكريم، وهو كتاب رائد في بابه، ومعجم المصطلحات اللّغويّة (ألماني– عربي/ عربي– ألماني)، وكان مقرّر لجنة تحرير معجم ألفاظ الحياة العامّة الّذي أصدره مجمع اللّغة العربيّة الأردنيّ العامّ 2006، ويقع في 1615 صفحة.

كما ألّف عمايرة العديد من الكتب، مثل: "نحو معجم موحّد لألفاظ الحياة العامّة" العام 2001م، "بحوث في الاستشراق واللّغة"، "تطبيقات في المناهج اللّغويّة"، "دراسات لغويّة مقارنة"، إضافة إلى عشرات البحوث.

وله بالألمانيّة: "المئة المنتقاة من حديث رسول الله (اختيار، وتخريج، وترجمة)". واختير قبل رحيله، ليكون عضوًا في معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة.

في عزّة النّفس والتّواضع

مدير الدّراسات والتّخطيط  في مجمع اللّغة العربيّة الأردنيّ نادر رزق كشف في تصريح خاصّ بـ"ذوات"، أنّ معرفته بالرّاحل تعود إلى العام 1999 الذي انضمّ فيه عمايرة إلى عضويّة مجمع اللّغة العربيّة الأردنيّ، وترأس فريق الجامعة الأردنيّة ضمن فرق جمع مادّة معجم ألفاظ الحياة العامّة في الأردن، الّذي أصدره المجمع. وكان عمايرة صاحب فكرته، ثمّ رأس لجنة تحرير المعجم، وكان عملًا مضنيًا شأن كلّ عملٍ معجمي، ورغم المقابل الماديّ الضّئيل، وفق رزق، إلّا أنّه كان يبذل جهدًا استثنائيًّا يصحبه معه إلى بيته ويمتدّ معه ساعات طويلة، على حساب أسرته "لأنّ كلّ ذلك يهون بمجرد أن تحمل مولودك بين يديك"، كما كان يقول.

العلّامة كان مدرسة في عزّة النّفس والتّواضع، يقول رزق، حيث يقابل كلّ جحود ومصاب، وما أكثر ما لاقى من ذلك، بصبر واحتساب؛ فالحديث معه "متعة حقيقية في رحاب العلم والثقافة، وما زلتُ أذكره، وهو يتحامل على آلامه في سبيل إكمال مسيرته الأكاديمية في التدريس والإشراف ومناقشة رسائل طلبة الدراسات العليا".

رزق أعرب عن ألمه "حين كان يأبى عمايرة أن يراه محبّوه في أيامه الأخيرة وقد أقعده المرض. رحل أبو أحمد لكن سيظل حياً بروحه الجميلة ومنجزه العلمي وحضوره الإنساني الذي لا ينسى".

دأب وجرأة

"تميّز الراحل بخصال نادرة في هذا الزمن الرديء الذي عني بالشكل على حساب الجوهر، وبالنفاق والمداهنة على حساب كلمة الحق، والصواب"، كما وصفه الأكاديمي في الجامعة الهاشمية الدكتور محمد حور.

وأكد لـ "ذوات" أنّ عمايرة "نموذج نادر بالجدية  في العمل، والجرأة في الرأي والتواضع في المعاملة والسلوك"، وتراثه العملي الجمّ الذي خلّفه شاهد على كل هذا.

ونوّه حور إلى أن كل من عرف الراحل عن قرب "لمس فيه طيب المعشر وتواضع العالم وغزارة العلم".

كرم خلقه ونبل أبوّته

ومنذ اللحظة التي أعلن فيها عن رحيل عمايرة، عمّ الحزن صفحات مواقع التّواصل الاجتماعيّ لكثير من مجايليه وأصدقائه وتلامذته وأحبائه الذين نعوه بتأثر بالغ؛ حيث كتب الأكاديمي والناقد الدكتور إبراهيم السعافين: "ويرحل أخ وصديق أحسبه من أطيب الناس وأعفهم لسانًا، دمث خلوق زاهد في ما يرغب فيه الناس، لا يداجي، ولا يتزلف، ودود، يحفظ للصاحب مكانته وحقه، كنت ألمح في عينيه ومضة حزن مشفوعة بابتسامة قريبة دافئة".

وعاد السعافين بالذاكرة إلى بداية معرفته بالراحل التي ترجع إلى العام 1983، حين استقطبته دائرة اللغة العربية في جامعة اليرموك بعد عودته من ألمانيا، وكان السعافين مديراً للدائرة، ولكنه كان قد التزم مع جامعة الملك خالد بأبها، وحين انتقل السعافين إلى الجامعة الأردنية العام 1990م، عُيّن في السنة نفسها في الجامعة الأردنية، وأصبحا في مكتبين متجاورين لسنوات.

عمايرة نموذج نادر بالجدية في العمل، والجرأة في الرأي والتواضع في المعاملة والسلوك.

ويسترسل السعافين في الحديث عن الجانب الإنساني لعمايرة، الذي ربطتهما صداقة دامت أكثر من 38 عاماً، قائلاً: أذكرُ أننا ترافقنا العام 2009 في رحلة إلى جامعة دمشق بالسيارة لحضور مؤتمر عن الاستشراق، صحبنا فيه ابنه الأصغر محمد الذي أصبح الآن دكتورًا، بهرتني العلاقة بين الأب والابن، لقد كشفت هذه الرحلة عن رقة حاشيته وصفاء معدنه وكرم خلقه مثلما كشفت عن نبل أبوّته.

وبحزن شفيف كتبت ابنة الراحل، حنان عمايرة‏ على صفحتها على فيسبوك: هو فينا حيّ لا يموت، كلمات التعزية والمواساة في قواميس الكون لا تشفي جرحنا فيك، ولكن لا نقول إلا ما يرضي الله: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

وتابعت حديثها "برحيلك تكسّر الفرح وخبا نور في عيني كان يشرق بك، بنيتنا، أنا وإخوتي لبنة لبنة، وغرست فينا تقوى الله..، كان ديدنك الحوار معنا حتى على مائدة الطعام تشهد بحرصك الدائم على بذر فكرة أو استحضار موقف ذي معنى أو جبر خاطر أو تنويه بتجاوز".

وتشير إلى أنها عندما سمعت الطبيب يحدث والدها عن صحته أدركت أنّ خلف ابتسامة أبيها كومة من الآهات جعلتها تصاب بالذعر من أن "حصننا المنيع تتسلل إليه معاول هدم لم ترحم، وعرفت أنّ لي أباً ينتمي إلى عالم البشر جسداً، وعالم السماء روحاً، وكان قلبه الضعيف يزداد رحابة لنا ولأمي ولكل محبيه وطلبته".

كما كتب الدكتور ياسين عايش، على صفحته، كلاماً مؤثراً عن الراحل: "مات عالماً، وأباً حانياً، وأكاديميّاً ضليعاً، ورجل مواقف غير مهادن"، متابعاً "عليك الرحمة أيها الكريم الخلق، والعابد لربك الخاشع الذي أنبتته المأساة الفلسطينية في مخيمات اللاجئين في أغوار أريحا، وصنع بؤس العيش فيها منك ومن إخوتك الذين سبقوك في الرحيل إلى جوار الله، رجالاً وأيّ رجال".

وتابع عايش أن الراحل، أنجب علماً غزيراً، وأبناء ساروا على خطاه في طلب العلم والكدّ فيه، فأحرزوا الشهادات العلميّة في حقول الهندسة وعلوم العربيّة.

أما الأكاديمي في ‏جامعة العلوم الإسلامية العالمية الدكتور عبد الله الخطيب، تلميذ الراحل، فنعاه قائلاً: "رحل عالم جليل من علماء اللغة، عضو مجمع اللغة العربية الأردني أستاذي الغالي الدكتور إسماعيل عمايرة رحمه الله".

وأضاف "كنت أسعد بزيارته والجلوس معه في بيته أثناء التحضير لمناقشة رسالتي في الدكتوراه وبعدها؛ حتى أصيب بالمرض، كان متواضعاً جداً يأبى إلا أن يقدم لنا الطعام والشراب بنفسه".

وبأسى كتب أستاذ اللغة والنحو في كلية الآداب بجامعة اليرموك د. يحيى عبابنة ‏‏"رحمك الله أيها المبجّل المفضال، لقد عرفتك وما رأيت أكثر موضوعية منك، كل شيء عرفته فيك كان من أطايب الجنة؛ أخلاقك، ورعك، محبتك للآخرين، اهتمامك العلمي بطلابك، عمق مودتك لزملائك".

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق