فولتير .. العدالة حاجة مطلقة يتساوى فيها جميع البشر
29 اغسطس 2015 | 0 تعليق

ذوات - منى شكري

يرى الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير (1694-1778)، أحد أهم فلاسفة عصر التنوير في أوروبا، أن العدالة مفهوم طبيعي لدى جميع البشر، وهو مستقل عن أي قانون، وأي عهد، وأي دين.

ويبين فولتير، الذي مهدت أفكاره للثورة الفرنسية (1798)، أن فكرة العدالة فكرة ذات أهمية عظمى يقر بها الكون أجمع، فجميع الجرائم التي يقترفها المجتمع الإنساني تقترف تحت ستار كاذب من العدالة.

أما الحرب فهي، برأيه، "أعظم جريمة وأشدها مخالفة للطبيعة"، مبيناً أن كل معتدٍ يحاول تغطية عدوانه باسم العدالة.

وأكد فولتير، الذي تنوعت أعماله بين الشعر والمسرح والرواية والرسائل والكتب التاريخية، أن الاعتقاد بالعدل حاجة مطلقة، وهي نتيجة نمو العقل الذي منحه الله للإنسان، في حين يحيل فكرة السحرة والممسوسن إلى فساد في العقل ذاته.

وشدد على أن جميع الشعوب مهما كانت عليه من بدائية تقول بوجوب احترام الوالدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك مفاهيم واحدة يخلصون إليها عن طريق عقلهم النامي.

هل ثمة أخلاق؟

كلما ازداد تبصري بالناس المختلفين باختلاف الطقس والعادات واللغة والقوانين والعبادة، وباختلاف ذكائهم، ازدادت ملاحظتي لوحدة أساسهم الأخلاقي: فإنهم جميعاً يملكون مفاهيم بدائية فيما يخص العدل الظلم دون أن يعرفوا كلمة من اللاهوت، وهم جميعاً اكتسبوا تلك المفاهيم في السن التي يتفتح فيها العقل، كما أنهم اكتسبوا جميعاً كيفية رفع الأثقال بالعصي وعبور جدول على قطعة من خشب دون أن يتعلموا الرياضيات.

ولذلك بدا لي أن فكرة العدل والظلم فكرة لازمة للبشر، لأنهم جميعاً يتفقون على هذه النقطة حالما أمكنهم أن يعملوا ويفكروا.

فالعقل الأعظم الذي خلقنا أراد إذن، أن يسود العدل على الأرض كي يمكننا أن نعيش عليها وقتاً من الزمن ويخيل لي أنه لم يكن ليوجد أي نوع من المجتمعات لولا أن البشر قد أدركوا فكرة العدل، التي هي رابطة كل مجتمع.

فكيف أمكن للمصريين القدماء وللآشوريين البدائيين أن تكون لديهم ذات المفاهيم الأساسية المتعلقة بالعدل والظلم/ لولا أن الله قد أعطاهم/ منذ الأزل، ذلك العقل الذي نما ومكنهم من أن يدركوا نفس المبادئ اللازمة، كما أعطاهم الأعضاء التي جعلتهم يتناسلون، ويبقون على العرق المصري والعرق الآشوري؟ وجميع الشعوب مهما كانت عليه من البدائية تقول بوجوب احترام الوالدين، والأمر بالعروف والنهي عن المنكر، وتلك مفاهيم واحدة يخلصون إليها عن طريق عقلهم النامي.

النفع الحقيقي لمفهوم العدالة

إن مفهوم العدالة يبدو لي طبيعياً، ومقبولاً لدى جميع البشر بحيث انه مستقل عن أي قانون، وأي عهد، وأي دين. فإني  غذا طالبت مسلما أو مسيحيا او وثنيا بالمال الذي استدانه مني كي يأكل ويلبس، فإنها لن يقول لي: انتظر كي أرى إذا كان ديني يأمرني برد مالي إليك، بل يوافق على أنه من العدل أن يدفع لي، وإذا لم يفعل، فما ذلك إلا لأن فقره أوبخله تغلب على العدل الذي يقر به.

وأقرر أنه ليس من شعب يرى من العدل أو الملائم أو الشريف رفض إطعام الوالدين حين يمكن ذلك، وأنه ليس من شعب يرى في النميمة عملاً صالحاً.

ويبدو لي أن فكرة العدالة فكرة ذات أهمية عظمى يقر بها الكون أجمع، بحيث إن جميع الجرائم التي يقترفها المجتمع الإنساني، إنما تقترف تحت ستار كاذب من العدالة. والحرب هي أعظم جريمة وأشدها مخالفة للطبيعة، ولكننا لا نجد معتديا لا يحاول تغطية عدوانه باسم العدالة.

ولذا، فإنني أعتقد أن مفاهيم العدالة والظلم مفاهيم واضحة، عامة، شأنها في ذلك شأن مفاهيم الصحة والمرض، والحق والباطلن وحدود العدل والظلم صعبة التحديد، كما هو صعب تحديد الحالة الوسطى بين الصحة والمرض، وبين الحق والباطل. فثمة دقائق يختلط بعضهما ببعض،الا ان الالوان القاطعة تدهش الأنظار. فالناس أجمعون مثلا يقرون بأنه من الواجب رد ما استعرنا ولكن إذا علمت واثقا بأن الشخص الذي له علي مبلغ طائل سوف يستخدم ذلك المبلغ لاحتلال وطني، فهل علي أن أرد له ذلك السلاح الرهيب؟ هنا تختلف الآراء.. ولكن من الواجب، بوجه عام، أن أفي بوعدي إذا لم ينتج عه ضرر. وهذا رأي يتفق عليه الجميع.

هل القبول العام برهان على الحقيقة؟

قد يعترض عليّ بعضهم بأن قبول الناس في جميع الأزمنة والبلاد ليس برهاناً على الحقيقة. فجميع الشعوب آمنت بالسحر وفنونه، وبالشياطين والأشباح والتنجيم وغير ذلك من الخزعبلات.. أفلا يكون الأمر كذلك فيما يخص العدل والظلم؟

أقول لا. فمن الباطل القول بأن جميع الناس قد ىمنوا بهذه الخرافات. فإنها كانت، والحق يقال، غذاء للبلهاء ولكن عدداً كبيرا من الحكماء سخروا منها، وهؤلاء العلماء أقروا دائماً بمفاهيم العدل والظلم، كما فعل الشعب، بل اكثر.

فالاعتقاد بالسحرة والشياطين ..إلخ، ليس لازماً للجنس البشري، بينما إن الاعتقاد بالعدل حاجة مطلقة، فهي إذن نتيجة نمو العقل الذي منحه الله للإنسان، وفكرة السحرة والممسوسين فساد في العقل ذات.

(أندريه كريسون، فولتير: حياته، آثاره، فلسفته، ترجمة صباح محي الدين، منشورات عويدات، بيروت- باريس، الطبعة الثانية، 1984)

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق