فيخته: فيلسوف المقاومة الثائر على الاستبداد والميتافيزيقا
07 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

رسم للفيلسوف الألماني فيخته – (أرشيفية)
ذوات

كانت أمه تدعو الله أن يكون ابنها يوهان جوتليب فيخته (فيشته)1762-1814 قساً. فأمضى الفتى فترة في بعض المدارس المحلية الألمانية، وتم إرساله إلى "يينا" لدراسة اللاهوت، لكنه كان كلما تعمق في دراسة اللاهوت المسيحي زاد عجباً وشكاً، وأعطاه واعظ القرية تفنيداً لأخطاء سبينوزا، لكنّ فيخته أعجب بأخطاء سبينوزا، وغضّ الطرف عن تفنيدها واتخذ قراراً بأنه لن يصلح أن يكون قساً·

سار على قدميه من ييناإلى زيورخ ليبحث عن عمل له كمعلم خصوصي، وهناك أحب (يوهانا) وتقدم لخطبتها رسمياً، لكنهما اتفقا على تأجيل الزواج حتى يستقر مالياً.

يعتقد فيخته بوجود منهجين ممكنين في الفلسفة، هما القطعية التي تستنبط الفكرة من الشيء، والمثالية التي تستنبط الشيء من الفكرة

انتقل فيخته إلى ليبزج، وقام بالتدريس لبعض الطلبة، وقرأ كتاب كانط (نقد العقل الخالص) وافتتن به، وأخذ طريقة إلى كونيجسبرج،وقدم لكانط كتابه "محاولة في نقد كل وصيّ" عام 1792، وطلب قرضاً من كانط فلم يعطه، لكنه ساعده في الوصول إلى ناشر لنشر عمله·

أهمل الناشر، كما تذكر الوقائع التاريخية، ذكر اسم المؤلف على الكتاب، وعندما ذكر النقاد أن الكتاب من تأليف كانط، صرح كانط باسم المؤلف وامتدح الكتاب، وهكذا أصبح فيخته عضواً في جماعة المفكرين الجليلة، ولم يستقبله اللاهوتيون بحفاوة كما استقبله المفكرون، لأن الحجج التي ساقها في مبحثه الآنف ذكره مؤداها أنه رغم أنّ الوحي لا يقدم دليلاً على وجود الله، فلا بد أن نعزو نظامنا الأخلاقي لله، إن أردنا أن يكون هذا النظام مقبولاً ومطاعاً من الجنس البشري.

 وبناء على توصية كانط، وجد فيخته وظيفة كمعلم ومرشد في دانزج، وكانت وظيفة ذات عائد مجز، ووافقت خطيبته الآن على أن تضم مدخراتها لما يأتيه من دخل، وتزوجا في سنة 1793، ونشر في العام نفسه أيضاً مقالين قويين دون أن يقرنهما باسمه· وفي مقال (ملوك أوربا وأمراؤها يعيدون حرية الفكر) بدأه بامتداح بعض الحكام المتنورين، وتوجيه اللوم للملوك والأمراء الذين يعوقون تقدم العقل البشري، وحزن لموجة القمع التي أعقبت وفاة فريدريك الكبير·

وفي نظره أن الإصلاحreform أفضل من الثورة؛ revolution لأنّ الثورة قد تقذف بالإنسان إلى الخلف وترده إلى البربرية، ومع هذا فالثورة الناجحة قد تحقق تقدماً للبشرية في نصف قرن ما يحققه الإصلاح في ألف عام· ثم خاطب فيخته قرّاءه في زمن كان الإقطاع فيه لا يزال راسخاً في معظم أنحاء ألمانيا:

"لا تكرهوا حكامكم بل اكرهوا أنفسكم· إن أحد مصادر بؤسكم هو تقديركم المفرط لهؤلاء الأشخاص (الحكام) الذين ضلت عقولهم لنقص التعليم والانغماس في اللذات والخرافة··· هؤلاء هم الذين يبذلون كل جهدهم لقمع حرية الفكر··· اصرخوا في وجوههم قائلين لهم إنكم لن تسمحوا لأحد أن يسلبكم حرية فكركم··· لقد انتهت عصور الظلمة·· عندما يقولون لكم باسم الرب إنكم قطيع من المواشي خلق ليستغل وليخدم حفنة من الأشخاص الفانين (أي أنهم بشر مثلكم) بوئوا مكاناً عليا ليمتلكوكم وتصبحوا ملكاً لهم·· لا·· إنكم لستم ملكاً لهم، ولا حتى أنتم ملك للرب، إنكم ملك أنفسكم·· ستسألون الآن الأمير (أو الملك) الذي يريد أن يحكمكم· بأي حق ستحكمنا؟ فإن قال بحق الوراثة، فلتسألوه: وكيف حصل جدك الأول (مؤسس الأسرة الحاكمة) على هذا الحق؟·· إن الحاكم يستمد كل سلطانه من الشعب".

وفق فيخته، الأنا هي الأنا الخالصة الحقيقية المفعول بها للعلم، والتي لا تكون فاعلة للمعرفة، بل تكون مفعولة بها للمعرفة

أما مقاله الثاني، فهو عن تصحيح الأحكام العامة عن الثورة الفرنسية، وكان أكثر راديكالية؛ فالمزايا الإقطاعية لا يجب أن تكون متوارثة، وإنما هي وجدت برضا الدولة ولا بد من إلغائها بما يتفق مع مصلحة الدولة· والأمر نفسه بالنسبة إلى الممتلكات الكنسية· لقد تم إقرارهم بموافقة الدولة وتحت حمايتها، ويمكن تأميمها وفق حاجة الأمة وإرادتها· وهذا ما فعلته الجمعية الوطنية الفرنسية، وهي على حق.

وعلى الرغم من أن فيخته تميز بآراء راديكالية حول الديمقراطية، مما جلب له بعض المشاكل، إلا أن جهوده اعتبرت الأساس النظري الأول للأطروحة القومية، والتي نظر لها في كتابه "أحاديث إلى الأمة الألمانية"، وقد استفاد من مضمونها وطرحها العديد من المفكرين، على رأسهم الكاتب والناقد الفرنسي شارل موراس الذي يعد من أهم المنظرين للأسس القومية الأروبية، لدرجة أنه اعتبر أنّ العناصر القومية عنصر أساسي، لكي تتحول الأمة إلى "شخصية اعتبارية" تعطي السلطة الحاكمة "قوة استبدادية مطلقة" للتحكم بالفرد والمجتمع.

وكانت آراء فيخته قريبة من تصورات سبينوزا عن وحدة الوجود، والتي تجلت في كون الله الحقيقي هو الله الإنسان، "فإذا شخّص البعض شعوره بهذا النظام الخلقي في موجود معين، فإنما لأنه بحاجة إلى تقوية هذا الشعور في ضميره، وقد أدى هذا الموقف إلى فصل فيخته من الجامعة عام 1799.

نادى فيخته بالالتزام الخلقي الصارم، خلافاً لمذهب الرومانسيين الألمان، كما كان يلح على التلازم بين مواقف الفيلسوف وشخصيته؛ فبمجرد أن يعتنق الشخص مواقف معينة تصبح جزءاً من تكوينه. ولم يتجل ذلك فقط في دعوته، بل نبع من وجوده، حيث عكست شخصيته فلسفته، فهو القائل: "إنّ ما يعتنقه المرء من فلسفة ليتوقّف على نوعيّة شخصيّته، فالمذاهب الفلسفية ليست قطعاً من الأثاث الأصمّ، قد يعتنقها المرء أو يستغني عنها كلما تراءى له ذلك، لكنه بمجرد أن يعتنقها تصبح جزءاً من تكوينه".

تميز النسق الفكري لفيخته بفلسفة "المثالية الذاتية" أو "نظرية العلم"، فلقد استطاع تطوير فلسفة كانط بعد أن تأثر به، وأعطى للأنا مفهوماً مغايراً للأنا التجريبي الذي اقترحه ديكارت، فالأنا، وفق فيخته، هي الأنا الخالصة الحقيقية المفعول بها للعلم، والتي لا تكون فاعلة للمعرفة، بل تكون مفعولة بها للمعرفة، وبذلك يكون فيخته قد تقدم بالأنا المطلقة والمفكرة على الطبيعة المطلقة والمفكرة وجعل منها أساسا للمعرفة، وفي هذا الصدد يقول :"ما كانت الأنا هي التي تمتلك الوعي، وإنما الوعي هو الذي يمتلك الأنا". ويعتبر هذا النسق جسراً بين أفكار كانط وهيجل.

وتنبني رؤية فيخته الأساسية على نظرية العلم التي أسسها، وكانت المنطلق الأساسي لجميع أفكاره ونظرياته الأخرى، ويؤكد فيخته "وجود مذهب كلي متكامل داخل العقل الإنساني، ومن دون هذا المذهب لن تكون هناك معرفة أبداً، فمن خلال المعرفة الكلية يمكن الوصول إلى التفسير الكلي للكون. والفلسفة هي الوحيدة القادرة على الوصول إلى التفسير الكلي للكون. إن العلم هو الكلي، ويقتضي أن يؤسس على مبادئ أساسية يقينية يقوم في ما بينها ارتباط محكم؛ لأن طابع العلم هو اليقين الشامل المنتظم في جميع أجزائه" كما جاء في الموسوعة العربية.

عاش فيخته حياة صاخبة، ومات بعد إصابته بمرض "التيفوئيد" عن سن يناهز52 عاماً، تاركاً وراءه مساهمات حول الثورة وحرية الفكر

ويعتقد فيخته بوجود منهجين ممكنين في الفلسفة، هما القطعية التي تستنبط الفكرة من الشيء، والمثالية التي تستنبط الشيء من الفكرة، وأن المرء يختار أي المنهجين تبعاً لغلبة الشعور بالانفعالية أو الفعالية عليه، وأنه هو نفسه يؤثر المثالية؛ لأنه يؤمن بالإرادة وبالحرية وبالضمير وبالجهاد لتحقيق الغايات الكبرى، وبأنّ الفكر لا يدرك الطبيعة، لكنه يدرك تصوراته منها، وبأنّ مهمة نظرية المعرفة جلاء كيفية صدور صور الأشياء عن الفكر، وأنه لذلك يعتقد بوجود "أنا" أكبر من "الأنا" المدرك المتناهي قادر على إحداث الأشياء وهو علّتها، ويسميه فيخته "الأنا اللامتناهي"أو "الأنا الخالص" أو "الأنا المطلق"؛ وعليه تقوم نظرية العلم".

ولم يترجم من كتب فيخته إلى العربية، سوى "غاية الإنسان"، على ما يذكر المفكر المصري حسن حنفي الذي أنجز كتاباً عن الفيلسوف الألماني عنوانه "فيخته: فيلسوف المقاومة"، وصدر عن مركز مركز الكتاب للنشر في مصر، وفيه ذكر حنفي أنه موجه للخاصة والعامة، للمتخصصين وللمثقفين، وأنّ تبويب الكتاب جاء طبقاً للأعمال الرئيسية لفيخته ولمراحل فلسفته، وليس طبقاً لبنية نظرية مجردة مصطنعة للمذهب.

واشتمل الكتاب على خمسة أبواب: الباب الأول، الدين والثورة. ويعرض أهم عملين مبكرين لفيخته في الدين والثورة، والباب الثاني: نظرية العلم. وهي الأساس النظري الرئيس لمذهب فيخته، والباب الثالث: تطبيقات نظرية العلم في القانون والأخلاق، والباب الرابع: الصراع ضد الرجعية والرأسمالية في الدين والاقتصاد، والباب الخامس: الصراع من أجل التحرر الوطني. ويتضمن مناهضة الرجعية الدينية وسلطان الاحتلال.

عاش فيخته حياة صاخبة، ومات بعد إصابته بمرض "التيفوئيد" عن سن يناهز52 عاماً، تاركاً وراءه مساهمات حول الثورة وحرية الفكر، وبانياً نسقاً فلسفياً مع فلسفة سياسية كونية مؤسسة على العدالة الاجتماعية، وتقدّم النوع الإنساني. ومن أبرز كتبه: "أسس القانون الطبيعي" و"محاولة في نقد كل وصيّ" و "المبادئ الأساسية لكل نظرية العالم" و "نظرية القانون".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق