فيسوافا شيمبورسكا شاعرة خجولة أغنت الأدب البولندي وحازت "نوبل"
07 سبتمبر 2016 | 0 تعليق

الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا – (أرشيفية)
ذوات

توصف الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا بأنها شاعرة التفاصيل والتناقضات بامتياز، فضلاً عن كونها شاعرة "الجزالة الشعرية" و"السهل الممتنع". وقد بررت الأكاديمية السويديةقرارها بمنحها جائزة نوبل للآداب عام 1996 بأنه "من خلال السّخرية الدقيقة لشعرها، سمحت للسياق التاريخي والبيولوجي بالبزوغ إلى الضوء، في ظلّ تشرذم الواقع الإنسانيّ".

قصيدة شيمبورسكا، كانت وما تزال على مدى خمسين عاماً تحفر سماتها وصوتها الخاص في الشعر البولندي المعاصر

رحلت عن عمر 89 سنة، بعدما اشتد عليها المرض كثيراً قبل موتها، حتى إنها ماتت أثناء نومها. وبرحيلها خسر العالم واحدة من أهم الشاعرات الأوروبيات المعاصرات.

في كتابه "الشاعر والعالم" الصادر عن دار المدى، يؤكد الباحث والمترجم هاتف الجنابي أنّ قصيدة شيمبورسكا، كانت وما تزال على مدى خمسين عاماً تحفر سماتها وصوتها الخاص في الشعر البولندي المعاصر. إنه حفر ونقش يشبه ما وصلنا من نقش في الكهوف والمعابد من حيث الأثر.

الكتابة لدى شيمبورسكا عمل شاق دؤوب دقيق ومعاناة حقيقية، يقابلها متعة الكتابة التي سمتها الشاعرة في واحدة من بين أجمل قصائدها بـ "بهجة الكتابة"؛ فمقابل المخاض ثمة وليد منتظر. ويذكر الجنابي أنّ الفرزدق كان يفضل قلع ضرس له على كتابة بيت من الشعر.

في بداية السبعينيات حدد الناقد البولندي الراحل يزي كفيا تكوفسكي موقع شيمبورسكا الشعري على النحو التالي: "رغم قلة عدد قصائد الشاعرة (بحدود مئة قصيدة آنذاك) إلا أنها واحدة من بين أهم الظواهر في الشعر البولندي المعاصر. بساطة وتوصيل غير عاديين. شعر عميق فكرياً... شعر دقيق بصورة غير عادية، مصحوب بابتكار في صياغاته. الكلمة فيه وسيلة وليس غاية... كل قصيدة من قصائدها تعتمد على شعرية منفردة... ببساطة إنها شعر خاص تماماً".

ولدت شيمبورسكا في عام 1923 بمدينة "كورنيك" الواقعة في وسط بولندا. ومنذ عام 1931، وهي تسكن بالمدينة البولندية الأثرية "كراكرف" عاصمة بولندا القديمة، حيث قضت فترة الاحتلال الألماني النازي في الحرب العالمية الثانية، وأنهت دراستها الثانوية أثناء الحرب بمدرسة ثانوية سرية تابعة لمدارس تنتمي إلى حركة العلم والتنوير تحت الأرض. وفي السنوات (1945 1948) درست علوم وفقه اللغة البولندية، وكذلك العلوم السوسيولوجية بجامعة ياجيلونسكي.

مارست الكتابة الأدبية في المجلة الشهيرة البولندية "الحياة الأدبية" منذ عام 1953، حيث كانت تشرف على قسم الشعر بالمجلة، وتقوم بتحليل الكتب الأدبية، والإعلان عن قيمتها. في سنوات الأربعينيات بدأت "شيمبورسكا" أول إبداعاتها الأدبية، لكن هذا الإبداع الأول لم يكن شعراً؛ بل روايات قصيرة تكتبها "لنفسها!".

وبمرور الوقت، ظلت تقصر هذه الروايات رويداً رويداً، حتى تصل سطور كل قصة على حدة إلى عشرة سطور. وفي عام 1945 نشرت لها أولى قصائدها تحت عنوان "أبحث عن كلمة"، لتتوالى كتابة القصائد والدواوين.

كان الديوان الأول لها بعنوان "لهذا نحيا" وقد أصدرته الشاعرة عام 1952. ثم توالت الدوواين الشعرية: "أسئلة أسألها" 1945، "مناشدة إلى بيتي" 1957، "الملح" 1962، "ليست للأفراح حدود أو الأفراح المئة" 1967، "مهما كانت الأحوال" 1972 ، "كم كبير" 1976، "الناس فوق الجسر" 1986، "النهاية ثم البداية" 1993، "أمسيات شاعرة" 1993، "حب سعيد، وقصائد أخرى.

تناولت أعمال شيبمورسكا موضوعين أساسيين هما الحرب والإرهاب، ونافست مبيعات أعمالها في بولندا أهم الأدباء

في كل قصيدة من قصائدها، مهما كان مستواها هي قصيدة جديدة، تشكل حضوراً وتفرداً بامتياز في نظر الجنابي. تكاد تكون شيمبورسكا قد كتبت عن مختلف شؤون الحياة بطريقتها الخاصة، حيث أصبحت كل قصيدة لها بمثابة لوحة، إما أن تتفاعل معها أو ترفضها وهذا أمر صعب المنال بالنسبة إلى عموم الشعراء.

تناولت أعمال شيبمورسكا موضوعين أساسيين هما الحرب والإرهاب، ونافست مبيعات أعمالها في بولندا أهم الأدباء، رغم أنها صرحت في قصيدة لها تدعي "شيء مثل الشعر" أنّ اثنين من كل ألف شخص يهتمان فعلياً بالفنون.

تستخدم شيبمورسكا دائماً، كما يقول نقاد، أساليب أدبية مثل الطباق والسخرية والتناقضات والتصريح المقتضب لإلقاء الضوء على الوساوس والمواضيع الفلسفية. وتستحضر قصائدها القصيرة غالباً إشكاليات وجودية كبيرة تلمس من خلالها مواضيع ذات قيمة أخلاقية، وتعكس حالة الإنسان كفرد وكعضو في المجتمع.

جنت شيبمورسكا صيتها كشاعرة من مجموعة ليست كبيرة من الأعمال الأدبية. يصفها من يتعامل معها بالخجل ويقدرها الجميع في الأوساط الأدبية البولندية. تحول بعض إنتاجها إلي أعمال موسيقية، وترجمت كتاباتها إلى لغات أوروبية، بالإضافة إلى اللغات العبرية والعربية واليابانية والصينية.

ويغلب الوعي على ما هو سواه في مجمل عملية الخلق الشعري لدى الشاعرة، كما يلاحظ الجنابي، وهذا بحد ذاته استنتاج يتسم بالمخاطرة في النظر إلى الأعمال الفنية عموماً، هو أننا "لا نلمس في شعرها تخطيطاً مبتسراً وسابقاً على ما يمكن أن ُيخلق ويعتمل ويجري في خضم المخاض الشعري. هذا الوعي يتدخل بعد الشروع في عملية الخلق مباشرة. هذا ما تقوله القصائد. علينا أن نتذكر أنّ الوعي شيء والتخطيط شيء آخر". شيمبورسكا شاعرة مقلة ومقتصدة في القول الشعري، وقالت في مقابلة مع الراديو البولندي ذات يوم: إن القصيدة تجيء بهيئة فكرة، فإما أن تكتبها مباشرة أو أن تكتب جزءاً منها وتعود لتكمله فيما بعد، أو أنها تسجل الفكرة في دفتر.

ثمة ما يستوقف المرء ويحيره بعد قراءة كل قصيدة من قصائد الشاعرة. كل قصيدة تتمثل في موضوع رئيس- فكرة محورية. ومن أجل تجسيدها تقوم الشاعرة بتوظيف كل من الكلمة والفكرة إلى أقصى حد، معنوياً وصوتياً (بما في ذلك الإيقاع) ودلالياً، وذلك على محورين أساسيين يشملان بنية القصيدة وجوها الخاص والعام. وأنت تقرأ كل قصيدة على انفراد تجد نفسك منساقاً لإنهائها ومن ثم لإعادة قراءتها من جديد. لذا فإنّ البساطة الظاهرية للقصائد خادعة، كما يستنتج الجنابي، فلا تعطي القصيدة نفسها بمثل السهولة الظاهرية.

قصيدة شيمبورسكا تدافع عن نفسها فنياً وفكرياً. اللفظ في خدمة المعنى والمعنى يتجلى في اللفظ. إنهما طرفان في خدمة قضية واحدة اسمها القصيدة. وعليه فالفصل بينهما غير مرئي تماماً بل يمكن أن نقول بأنه غير وارد. والشيء ذاته يحدث لدى شيمبورسكا على صعيد آخر، إذ لا يمكن بناء قصيدة بمعزل عن الفكر والفكرة على السواء. كما ولا يمكن فصل بنية القصيدة عن سياقها الشعري والجمالي ورشاقتها الشعرية. حتى السخرية الشائعة في شعرها لا تتمادى في غيها أبعد من كونها عنصراً ضمن مشروع فني الهدف منه خدمة جانبين هما: الفني- الشعري والفكري. قد تتدخل هذه السخرية أحياناً في تشكيل الإطار العام لمعمارية القصيدة.

جنت شيبمورسكا صيتها كشاعرة من مجموعة ليست كبيرة من الأعمال الأدبية. توصف بالخجل ويقدرها الجميع في الأوساط الأدبية البولندية

يذكر أن الجنابي هو أول من ترجم شيمبورسكا من اللغة البولندية إلى العربية في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وبعدها بفترة كما يذكر نشرتْ مجموعة من قصائدها في مجلة الثقافة الأجنبية العراقية قام بترجمتها عن الإنجليزية المترجم القدير والشاعر العراقي ياسين طه حافظ.

ومما ترجمه الجنابي للشاعرة البولندية ما يأتي:

لا شيء يحدث مرتين

 

لا شيء يحدث مرتين

ولن يحدث. لهذا السبب

ولدنا بدون مهارة

وسنموت بدون ممارسة.

حتى لو كنا التلاميذ

الأكثر بلادة في مدرسة العالم،

فلنْ نُعيدَ درسَ

أيّ شتاء، ولا أيّ صيف.

ما من يوم سيُكرّر نفسَه

لا توجد ليلتان متماثلتان

ولا قبلتان متساويتان

ولا نظرتان في الأعين متطابقتان.

أمسِ، حينما اسمك

ردّده أحدٌ على مسمعي

شعرتُ كما لو أن وردة

قُذفتْ في غرفتي من نافذة مشرعة.

اليومَ ونحن معاً،

أدرتُ وجهي للحائط.

الوردةُ ؟ كيف تبدو الوردة؟

هل هي زهر؟ أو ربما حجر؟

لماذا أنت أيتها الساعة السيئة

تضطربين بحذر لا داعي له؟

أنت موجودة- إذن ينبغي أن تنقضي.

ستنقضين- وهذا شيء جميل.

 

مبتسمين، نصف متعانقين

نحاول البحث عن الوئام،

رغم كوننا مختلفين عن بعضنا

كقطرتين من الماء الزلال.

ومن أشعار شيمبورسكا ترجم يوسف صبحي القدرة قصيدة "بهجة الكتابة" ونشرت في مجلة "الكرمل" التي كان يرأس تحريرها الشاعر محمود درويش، وفيما يأتي نصها:

بهجة الكتابة

إلى أين تمضي لفظةُ "الظبية"

و هي تجري في "الغابة" التي كتبتُها؟

أتريدُ أن ترشفَ كلمة "الماءِ" المكتوبة على الصفحة؟

و التي تعكسُ، كورقِ الكربون، صورة فمِها؟

لماذا ترفعُ راسها؟

أتسمعُ شيئاً؟

تخطرُ على قوائمَ رقيقةٍ، استعارتها من الحقيقة

وكأنها تصيخُ السمع باذنيها تحت أصابعي

الصمتُ- هذه الكلمةُ أيضاً لها صريفٌ فوق الورقة

وتزيح الأغصانَ التي استثارتها كلمةُ "الغابة"

فوق صفحة الورقِ البيضاءِ تتحفَّزُ الكلماتُ للقفزِ

وقد تُرتذِبُ الكلمات نفسها بطريقةٍ خاطئةٍ

تهاجمُ بها الجملة، وبطريقة

لا رادّ لها ولا مهربَ منها

ففي نقطةٍ من الحبرِ

كلماتٌ كثيرةٌ

بينما يقبعُ حيالَها كثيرٌ من الصيادين

يَزرُّون أعينهُم

ويستعدُّون للانقضاضِ بالقلمِ المنحدرِ

ويحاصرونَ الظبية...

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق