فيلم "محبس": حب الحاضر يفكك حقد الماضي
27 مارس 2017 | 0 تعليق

* عاصف الخالدي

بخفة الكائن التي يمكن احتمالها، وبالسخرية التي تجعل الإنسان قادراً على تضليل أفخاخ الماضي المحملة بالكراهية والقفز عنها، يقدم فيلم "محبس" تجربة مميزة  على مستوى الموضوع ومستوى المعالجة. وينقل للمشاهد من خلال قالب خفيف وممتع، رؤية إنسانية، تتمحور حول قدرة الحب بصفته فلسفة ممكنة للحياة، على تفكيك مستويات متعددة ومتراكمة من الكراهية التي تصلبت بفعل الحروب والزمن.

 وبلمسة تذكر بعالم بيدرو ألمودوفار السينمائي، الذي ينطلق في رؤيته للسينما والحياة من تفاصيل صغيرة تمسُّ الإنسان بصفته المركز الحقيقي للأحداث الكبرى، تُكون المخرجة اللبنانية صوفي بطرس عالم فيلمها في جو عائلي تحيط به قرية لبنانية بطبيعتها الجميلة، بعيداً عن أي حدث مركزي مباشر، ليتضح فيما بعد أن تلك الشخصيات البسيطة والتي تحيا حياتها اليومية بخفّة، تحوي في داخلها تركيبة معقدة ضمن علاقاتها مع بعضها في الحاضر، والتي يفرض الماضي المحمل بأحداث الحرب ونتائجها المؤلمة صيغته عليها اليوم.

ويرتكز الفيلم في بنيته الدرامية على عائلتين؛ واحدة سورية والأخرى لبنانية، ونرى منذ المشاهد الأولى للعمل حداً فاصلاً طبيعياً بينهما، تشكله الجغرافيا أولاً، حين تظهر العائلة السورية وهي تتجه في رحلتها إلى لبنان، رغبة منها في طلب يد ابنة العائلة اللبنانية، لابنهم؛ لعلاقة حب تجمع الشابين. أما الحد الثاني فيظهر في وجود رفض مسبق من قبل الأم اللبنانية، التي تكره الطعام السوري، وتكره موسيقى صباح فخري الجميلة؛ لأنه سوري، وذلك بسبب مقتل أخيها بقذيفة سورية فيما مضى. مما يجعلنا نرى فيما بعد، أنّ تلاشي الحد الجغرافي الفاصل بين العائلتين والتقائهما ببعضهما، لن يؤدي إلى زوال الحاجز الأعمق والأخطر، والمتجذر عبر الزمن "العنصرية" بل سيؤدي إلى تأجيج الخلاف، وبالتحديد، من جهة الأم التي فقدت أخاها.

نجحت صوفي بطرس في تجاوز فكرة الشعارات والآراء الاجتماعية والفنية المسبقة، ومعالجة القضايا من زوايا تاريخية مباشرة، باختيارها للمكون الأساسي للمجتمع، الإنسان، المتمترس في ماضيه وآلامه، فبحثت في طياته، عن الحب والجمال، في محاولة لتخليصه من "محبس" الحقد والكراهية.

ومع التقاء الأسرتين في منزل العائلة اللبنانية، تأخذ السخرية بالتفاعل؛ حيث تتضح ببساطة الطبيعة المشتركة لبشر يتجاورون ويتشاركون الكثير في بيئتهم الجغرافية والاجتماعية وحتى الأنثروبولوجية؛ إذ نرى أن ما تكرهه الأم من طعام وموسيقى وحتى عادات تتنصل منها. إنما تكمن في صلب حياتها اليومية وتشترك فيها في الواقع مع العائلة السورية. وتبرع الفنانة جوليا قصار "الأم اللبنانية" في إيضاح هذا التناقض من خلال وجهها الساخر الذي تنتابه نصف ابتسامة من جهة، ونصف تكشيرة حزينة من الجهة الأخرى، فهي لا تكفّ عن استحضار الجانب المؤلم من الماضي، الذي يجبرها على قياس الحاضر به، وعيشه من خلاله.

اعتمد الفيلم، في معظم مشاهده، على السخرية الناتجة عن التناقض، والتي جعلت من الضحك كرة يتناقلها الممثلون بخفة وبراعة، وجعلت منهم جميعاً محركين أساسيين في تشكيل المشاهد دون امتلاك للبطولة لأي منهم، وربما خدم هذا الأمر الفيلم، الذي لم ترد مخرجته وكاتبته أيضاً، أن يقدم إيحاءً بأنه تعليق نقدي ثقيل أو مباشر على آثار الحرب والعلاقات بين اللبنانيين والسوريين، بقدر ما هو معالجة درامية وإنسانية لما انبثق عن الحرب والخلافات من شرخ بين شعبين ومجتمعين متقاربين في الأصل.

الضحك والإشارات، جعلا حكاية "محبس" الممزوجة بموسيقى ناسبت الصورة، ممتعة، فقد استطاعت الإشارات في الفيلم، تقديم جذور القضية الأساسية دون التخلي عن المتعة وسلاسة الانتقال بين المشاهد، وهو ما عمّقه دور دور الأب "رياض" الذي أداه الفنان السوري البارع بسام كوسا، بأسئلته الكثيرة للعائلة اللبنانية عن المكان وسكانه وطبيعته، ورغم لطف أسئلته ومحاولته الاندماج مع مضيفيه، إضافة إلى تدخله المضحك رغم أنه ضيف، في محاولته مع مضيفه رئيس البلدية، الممثل اللبناني "علي الخليل" لفض خلاف بين عائلتين لبنانيتين تقطنان القرية، والذي لم يتمكنا من حله في النهاية، كل ذلك يشير إلى أصول العلاقة اللبنانية السورية على صعيدها التاريخي والسياسي. لكن دون انزياح الفيلم عن مجراه الفني الخفيف والعميق في آن.

وبالعودة إلى فلسفة الحب، التي تشكّل محور الرؤية الفنية للفيلم، فقد تميز هذا العمل بقدرته على طرح سؤال عميق وجريء يخص المنطقة العربية ككل، وهو: هل يصلح الماضي للعيش في الحاضر، خاصة إن كان محملاً بالحقد أو الألم؟ ربما يشكل هذا العمل بنصه المشغول باحتراف، وبمشاهده الخفيفة التي احتوت السؤال العميق ببراعة، محاولة للإجابة؛ إذ إن نهاية الفيلم حملت إشارة استشرافية تمثلت في تراجع سيطرة الماضي المظلم على الحاضر، الذي دافع عن نوره بالحب، والذي انتصر واستطاع مد جسور فوق هوة الاختلاف.

ومن الجدير بالذكر، أن هذه المحاولة السينمائية الأولى للمخرجة بطرس؛ إذ سيباشر عروضه في الصالات الأردنية قريباً، بعد أن كان عرض لأول مرة ضمن مهرجان دبي السينمائي الثالث عشر للعام  2016.

نجحت صوفي بطرس في تجاوز فكرة الشعارات والآراء الاجتماعية والفنية المسبقة، ومعالجة القضايا من زوايا تاريخية مباشرة، باختيارها للمكون الأساسي للمجتمع، وهو العائلة، وبالتالي، الإنسان، المتمترس في ماضيه وآلامه، فبحثت كما يبدو في طياته، عن الحب والجمال، اللذين يقوداننا دوماً، لاكتشاف مجاهله وخباياه، في محاولة لتخليصه من "محبس" الحقد والكراهية.