في البدء كانت الحياة
16 نوفمبر 2015 | 0 تعليق

* باحث مصري
د. سامح محمد إسماعيل *

في البدء لم يكن سوى الظلام والمياه؛

ثم ظهرت إلى الوجود مخلوقات عجيبة التكوين: رجال ذوو أجنحة ولهم وجهان بدل الواحد.

وآخرون ذوو أجسام بشرية ولكن برأسين؛

 رأس لامرأة ورأس لرجل، وكانت أعضاؤهم الجنسية مذكرة ومؤنثة معاً.

وغيرهم لهم سيقان الماعز وقرونها، أو حوافر الخيل وذيولها.

وبالمقابل، كانت هنالك حيوانات شتى استعارت أعضاء بشرية،

كما استعارت بعضها من بعض أيضاً.

 وفوق هؤلاء حكمت امرأة اسمها أموركا

هكذا جاءت لحظة التأسيس الأولى وفق أسطورة التكوين البابلية التي دونها الكاهن برغوشا في القرن الثالث قبل الميلاد، قبل أن يشطر مردوخ المرأة-أموركا- إلى نصفين، صنع من الشطر الأول أرضا خلق عليها الإنسان من طين ممزوج بدم إلهي، وخلق معه سائر الكائنات، ومن الثاني سماءً زينها بالكواكب والنجوم والأقمار.

البدء كان جسد امرأة (أموركا) ويعني البحر، الذي لم يكن لغيره وجود في المدونات الفرعونية قبل أن يخرج منه ( آتم ) رافعا الأرض (جب) من غياباته، في التصاق كالعناق بالسماء(نوت) ومن نسلهما بدأ الخلق.

في البدء كانت خطيئة امرأة، حواء المخلوقة من ضلع آدم الغافل عن تهورها، والمطرود معها من جنان السماوات إلى متاهات الأرض، تعيد مسيرة أموركا المتآمرة إلى الأذهان، أي عقاب هذا ؟ وهل هو حقا ذنب امرأة؟ أم كانت النوايا مبيتة ؟

حواء، ما أصدقها امرأة! وهل أروع من تلك المتسقة مع نفسها التواقة لشجرة الخلد!

(1 )

"أنت موقن تمامًا من كل شيء، ولكن كل اليقين الذي عندك لا يساوي لدي شعرة واحدة من رأس امرأة"

هكذا تحدث مورسو( شخصية ألبير كامو الرئيسية في روايته الغريب) لحظة جاءه الكاهن ممنيا بالخلاص قبل الموت، طوح مورسو بصكوك الغفران قبل أن يتطوح جسده معلقا في مشنقة، فكل مشانق العالم لا تخيفه، وكل يقين العالم لا يمنحه كذلك أي أمل في حياة أخرى، فالحياة التي جاء إليها دون اختيار، ها هو يغادرها أيضا دون اختيار، حتى إنه تمنى حضور جمهور كبير يزأر بصيحات الكراهية أثناء إعدامه، لتكتمل دوائر العبث المحيطة بحياته منذ الميلاد. هذا (اللايقين) الرافض للاطمئنان الزائف وما يصنعه من ارتياح سلبي في دروب مقولات (ارثوية ) لا تمنحه الدليل، فالدليل هو (الإبانة ) التي لا تقبل النسبوية والارتكان إلى مقولات الآخرين.

العبث قرين العدمية، وبينهما لذة مرتبكة تبحث عن ملاذ آمن في وجود تتجاذبه الأنواء، وجود تائه ربما يستحيل يوما إلى واقع يكرسه الموت، ذلك المآل الأخير لأجساد لم تدرك كينونة الوجود، ولم تستشرف عوالم الحياة.

 

العبث قرين العدمية، وبينهما لذة مرتبكة تبحث عن ملاذ آمن في وجود تتجاذبه الأنواء، وجود تائه ربما يستحيل يوما إلى واقع يكرسه الموت، ذلك المآل الأخير لأجساد لم تدرك كينونة الوجود، ولم تستشرف عوالم الحياة. 

سرعان ما يطلق سارتر صيحته، ليهيل مزيدا من التراب على قبر الإله الذي شيعه نتشه بالأمس، لكن موت الإله لا يقدم حلولا لإشكالية الوجود، بل ربما يزيدها تعقيدًا، ويخلق نوعًا من الغثيان لا يجد له سارتر علاجا سوى فعل الموت، فيعمل روكنتان(بطل روايته الغثيان) آلة الموت في الأعداء الذين احتلوا فرنسا، يشعر العدمي بذاته في موت الآخرين، يبدو القتل الوجودي كالخدر اللذيذ الذي يكتشف معه الموجود البشري مساحات جديدة للذات، ميلاد بسلب أرواح الأخرين، سلب تمنحه المقاومة مشروعية، ولكن  ماذا لو لم يكن هناك عدو يستحق الموت؟ ومن هو العدو؟ وأي حياة تلك تشكلها آنات الموتى!

الجسد المترنح من ويلات الحياة، والمتطلع لينهل من ملذاتها تمارس روحه اغترابا يعبر بها كنصل سهم غادر قوسه في ارتحال أبدى نحو مساحات مفارقة تتبدى فيها  أمنياته المستحيلة، مساحات تجلت فيها الحياة الآخرة وازينت بكل ما هو مرغوب ومتجاوز لإكراهات الواقع وآلامه. ولكن أين اليقين؟ ولماذا يبعث الله برسائله من وراء حجاب؟

ولكن كيف لا يحتجب وهو العلة الأولى، يقول اسبينوزا، هو اللامتناه المطلق، لا يمكن تفسيره بالديمومة أو بالزمان، ذات تنطوي ماهيتها على وجودها، هو هذا الكل الغامض الذي لا يملك فكرة واضحة عما يريد أن يفعله لكونه العلة الحرة الوحيدة لوجود الأشياء وماهيتها، فكيف لا يكون سوي هذا المجهول ؟

 

الجسد المترنح من ويلات الحياة، والمتطلع لينهل من ملذاتها تمارس روحه اغترابا يعبر بها كنصل سهم غادر قوسه في ارتحال أبدى نحو مساحات مفارقة تتبدى فيها  أمنياته المستحيلة، مساحات تجلت فيها الحياة الآخرة وازينت بكل ما هو مرغوب ومتجاوز لإكراهات الواقع وآلامه.

(2 )

من قبل، حاول ابن عربي الإبحار خارج مدارات السرب، ليرسم الوجود دائرة مركزها الله ومحيطها كل الموجودات الممكنة، ومن المركز تمتد الخطوط لكل نقطة من المحيط، هذا التصور الدائري للوجود، يكرس بنية روحية للعالم يتجلى فيها الله، ليتراجع مفهوم الزمن الخطي الذي نعيش فيه لصالح الزمن الإلهي الباطن، هناك تلتقي البداية بالنهاية في اللازمن.

يقول ابن عربي:

 العبد رب والرب عبد         يا ليت شعري من المكلف

إن قيل عبد فذاك رب          أو قيل رب أنى يكلف

يغدو صدور الكثرة عن الواحد أمرا مقبولا، فيتجلى الله كيفما شاء، فالكينونة الإلهية تتبدى بذاتها ولذاتها في تجليها الأقدس، وفي مرتبة ثانية هناك الوجود المطلق غير المشروط، وهو ما سمح للممكنات في حالة العدم الذي أعماها عن الإدراك أن تسأل الأسماء الإلهية منحها تجليا مقدسا بإظهار العالم، فكستها الأسماء حلة الوجود، لتتجلى الأسماء في هيئة الموجودات.

 ولعل الاسم الجامع (الله) في استجابته لنداء الممكنات تجلى مسيحا، وإن ظل محكوما بالذات الإلهية وسلطتها، فهي خارج العالم وفوق أية معرفة، تجلى الاسم في التاريخ قبل أن يعلق مصلوبا على مذبح الوجود عند طريق الآلام.

         مثلما تجلت الأسماء كلها تجلى الاسم الجامع (الله )في هيئة ممكن هو المسيح، لكنه لم يفلت كغيره من الموت، وباتت الذات الإلهية وحدها تمارس فعل الخلود.

الانفجار الزمنى للحظة المسيح في التاريخ اخترق المسافات، وتقاطعت عنده دوائر الوجود، لتتجسد اللحظة الأولى، لحظة سؤال الممكنات أن تمنحها الأسماء وجودا، فمنح الله جسد المسيح اسمه، فعبرت الـ(أنا) الهوة الفاصلة بين الإلهي والبشري، عبور من شأنه إرباك حركة التاريخ، فصُلب الجسد المتخيل، باعتباره روحا تجسدت لا جسما نفخت فيه الروح.

الموت هو المقولة العليا، بكل تعاليه الغيبي، ومقولات البعث والخلود هي العزاء، رغم ما تحمله من غموض وأمنيات استحالت في الواقع الآني، إلى (آت) تتوافر فيه شروط موضوعية تنزع عن الجسد متلازمة الفناء الفيزيقي.

 

الانفجار الزمنى للحظة المسيح في التاريخ اخترق المسافات، وتقاطعت عنده دوائر الوجود، لتتجسد اللحظة الأولى، لحظة سؤال الممكنات أن تمنحها الأسماء وجودا، فمنح الله جسد المسيح اسمه فعبرت الـ(أنا) الهوة الفاصلة بين الإلهي والبشري.

(3 )

في دنيا الحكايا وعوالم الحواديث، كل شيء حقيقي، وكل الوجود متجذر في ماض يحيا بموازة الـ (آن) ومتجاوز له نحو (الآتي)، كل خطوط الزمن تبدو متوازية، وتتجلى في المكان كل انزياحات الراهن وكل أمنياته المستحيلة.

 

في ملحمته السردية منافي الرب، وضع أشرف الخمايسي خطوط الزمن على ذات المسرح، تحركت شخوصه في التاريخ الكلي، تراجع (الترميز) لصالح الظهور المباشر لكل الموجودات، ووضعت المحمولات بنيتها الذهنية، ليشق الانسان طريقه مخترقا كل الحجب نحو الله .

         ترى ماهي منافي الرب ؟ بين الأسطر وثنايا الحكايات المتزاحمة تظهر منافي عديدة، تظهر في دروب التيه المتداخلة هنا وهناك، فالحياة تبدو ذلك المنفى الأبدي لجسد يراوده حلم الخلود، والتدين الحرفي هو ذلك المنفى الاختياري لروح ترجو الانطلاق بحثا عن الله دون شروط مسبقة، وإكراه النفس على عدم ممارسة فعل الحياة واحتقار رغبات الجسد منفى آخر لنفوس أنهكها وجع الحرمان، كلها منافي تتقاطع هنا وهناك لتسرد تفاصيل حياة أولئك البشر في منفاهم المكاني ( الصحراء).

يبدو الخلود سؤالا إشكاليا شغل بطل الرواية (حجيزي ) قرنا كاملا هو كل حياته، لكن رغبته في الحياة حرمته الحياة، في مفارقة بائسة، وبات الهرب من الموت موتا، أنهكه حد الزهد في كل شيء، فمضى في دروب التيه هائما بين منافي الآخرين.

في رحلة البحث عن الله يصادف (حجيزي ) الراهب الذي أفنى حياته في المسيح صريعا بسيف المسيح، لا يكتشف الخطيئة سوى في عقل الإنسان حين يدير ظهره للحياة، كان البحث عن الله أول تلك المنافي التي صادفت (حجيزي) في رحلة بحثه في دير الرهبان، كلنا يصنع مسيحه، رغما عن المسيح، فمسيح قاس دفع الراهب للقتل، ثم فر هربا من الحياة خلف مسيح زاهد يعزله عن الحياة، ليقتله مسيح غاضب وسائر الرهبان.

 متاهات الطريق التي صنعها البشر إلى الله، غيبتهم عنهم، فتجسد الله إلها غاضبا علهم يعرفون أن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق .

الحياة تبدو ذلك المنفى الأبدي لجسد يراوده حلم الخلود، والتدين الحرفي هو ذلك المنفى الاختياري لروح ترجو الانطلاق بحثا عن الله دون شروط مسبقة، وإكراه النفس على عدم ممارسة فعل الحياة واحتقار رغبات الجسد منفى آخر لنفوس أنهكها وجع الحرمان، كلها منافي تتقاطع هنا وهناك لتسرد تفاصيل حياة أولئك البشر في منفاهم المكاني

 

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق